برنامج منهج التائبين - الحلقة : 27 - أسباب هلاك الأمم1 - التكذيب. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠45برنامج منهج التائبين - قناة الرحمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج منهج التائبين - الحلقة : 27 - أسباب هلاك الأمم1 - التكذيب.


2019-06-01

مقدمة :

الدكتور بلال:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 أخوتي الكرام، أخواتي الكريمات؛ نستهل اليوم حلقة جديدة من برنامجنا "منهج التائبين" نبحر فيها في رحاب هذا المنهج، نتلمس خطواته، ومفرداته، مع فضيلة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي، السلام عليكم سيدي.
الدكتور راتب :
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بارك الله بكم.
الدكتور بلال:
 ما زلنا في منهج التائبين، سيدي في كل الحلقات السابقة كنا نتحدث عن منهج التائبين بالنسبة للأفراد، الفرد كيف يتوب، وكيف يتعامل في المجتمع، وكيف؟ إلخ..
 لكن اليوم ننتقل إلى منهج التائبين في الأمم، لأن الله تعالى يقول:

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾

[ سورة الأعراف: 34]

 وهناك مبحث في الكتب اسمه: أسباب هلاك الأمم، وهو مبحث قرآني، ومن أحد أسباب هلاك الأمم ارتكاب الذنوب، وانتشار المعاصي، والله تعالى يقول:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾

[ سورة الروم: 41]

 هل نتحدث عن منهج التائبين في الأمم كما تحدثنا في الأفراد؟

حاجة كل أمة إلى النمو و التطوير :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أكاد أقول: هناك مشروع الآن لإنشاء علم اسمه: علم نفس الشعوب، أي أمة قصرت في تطوير حياتها، فالذين طوروا حياتهم انتصروا عليها، وحملوها ثقافتهم، وتفلتهم، وإباحيتهم، فالأمة تحتاج إلى النمو والتطوير، هناك حضارة، وهناك تطور، أحياناً أمم متطورة جداً لكنها متوحشة، ممكن أن يقصف بلد قوي بلداً نامياً، يقتل خمسة آلاف، بينما المواطن عنده يتمتع بحقوق مذهلة، ما دام هناك تفرقة بين إنسان وإنسان، هذه ليست حضارة، تطور فقط.
 أنا أقول كلمة، لا أقول تباهياً بإسلامنا: نحن متحضرون بديننا لكننا غير متطورين بحياتنا، الغرب متطور تطوراً مذهلاً، لكنه متوحش، يبني مجده على أنقاض الشعوب، يبني غناه على إفقارهم، يبني حياته على موتهم، يبني عزه على إذلالهم، فالبطولة بالنهاية.

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة الأعراف: 128]

 نحن بفضل ديننا، الدين الرائع جداً متحضرون، عندنا بقية حياء، بقية خجل، بقية وئام، بقية وفاء، بقية رحمة، أقول: بقية.
الدكتور بلال:
 لأننا تنازلنا قليلاً عن ديننا.

بناء الغرب مجده على أنقاض الآخرين :

الدكتور راتب :
 نحن تأثرنا بالغرب نحن:

(( الخير فيّ وفي أمتي))

[ البيهقي عن جابر]

 الغرب يبني مجده على أنقاض الآخرين، ينبي حياته على موتهم، تقريباً يوجد أرقام تكاد تكون فلكية قام بها قادة الغرب، بالحرب الأولى العالمية والثانية أرقام بالملايين، بالمليارات، ونحن إذا فكرنا بعمل ندافع فيه عن أنفسنا نتهم بالإرهاب، شيء مضحك.

قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر  وقتل شعبٍ مسلمٍ مسألة فيها نظر
***

الدكتور بلال:
 إذاً سيدي الأمم ينطبق عليها ما ينطبق على الأفراد، فإن عصى الإنسان ربه عاقبه الله تعالى، وله عند الله عقاب، والأمة عندما تكذب برسالات الأنبياء أيضاً لها عقوبة، والتكذيب كما تقولون نوعان، تكذيب فكري أو عقدي، وتكذيب عملي، ما الفرق بينهما؟

الفرق بين التكذيب الفكري و التكذيب العملي :

الدكتور راتب :
 الحقيقة لا أحد يجرؤ في المسلمين جميعاً أن يقول: هذا القرآن غير صحيح، ليس كلام الله، بعيدة، هذا التكذيب القولي، أما عندما يضع الإنسان ماله في بنك ربوي، وينميه بخلاف القرآن الكريم، عندما يقيم سهرة مختلطة، نساء كاسيات عاريات، فهذا تكذيب عملي، نحن لا نخاف من التكذيب القولي هذا قليل جداً، ولا أحد يقبله منه، أما عملياً فحياة المسلمين.

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور: 55]

 الحقيقة المرة مفيدة، هل نحن مستخلفون في الأرض؟ لا والله، لسنا مستخلفين، لأننا ما طبقنا منهج الله في بيوتنا، يجوز أن نضع بسملة بالصالون، ومصحفاً بالسيارة، هذه أشياء لا تقدم ولا تؤخر، لكنني أريد كسب المال، إنفاق المال، العلاقات، تمضية أوقات الفراغ، كسب التجارة، هناك تجارة محرمة، وتجارة مباحة، أن تبني مجدك على أنقاض الآخرين، أن تبني حياتك على موتهم، عزك على ذلهم، أمنك على خوفهم، يوجد أشياء كثيرة، هو المنهج منهج تفصيلي، يبدأ من أخص خصوصيات حياة الإنسان، وينتهي بالعلاقات الدولية، توهم الناس أن الإسلام صوم، وصلاة، وحج، وزكاة، هذه عبادات شعائرية، تماماً تأتي إلى المسجد كي تتلقى تعليمات الصانع، تعود إليه كي تقبض الثمن، أما دينك ففي بيتك، في عملك، في معملك، في مادة مسرطنة إن وضعتها في المادة الغذائية يزداد سعرها على حساب صحة الناس.
 فالدين في كسب المال، في إنفاق المال، في اختيار حرفتك، هناك حرف أساسها إفساد للناس.
 حدثني أخ أن هناك بضاعة غذائية يوضع لها مادة معينة بنزوات الصوديوم، بنسب فوق الثلاثة بالألف تصبح مسرطنة، فقط عندما يبيض لون هذه البضاعة يزداد سعرها.
 فالدين بمعملك، الدين بدكانك التجارية، الدين بالتدريس، هذا الطفل، استلمت أغلى شيء بحياة الناس، ما علمته، أمضيت الساعة بكلام فارغ مثلاً، أنت عندك مخبر، هناك أشياء ما حللتها، مشكلة كبيرة.
الدكتور بلال:
 سيدي إذاً من أسباب هلاك الأمم التكذيب برسالات الأنبياء، انتشار المعاصي والذنوب، والله تعالى يقول:

﴿ فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ ﴾

[ سورة العنكبوت: 40]

الدكتور راتب :

﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾

[ سورة سبأ: 17]

الدكتور بلال:
 إذاً لا يؤخذ أحد بجريرة أحد.
الدكتور راتب :
 أبداً:

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

[ سورة الأنعام: 165]

الدكتور بلال:
 متى يعم العقاب بالأمة؟ متى يعم البلاء؟

تمادي أهل الباطل بضلالهم عند سكوت أهل الحق عن الدعوة إلى حقهم :

الدكتور راتب :
 حينما يسكت الصالحون، عندما سكت الصالحون قوي الكاذبون، هي دوائر، إذا سكت أهل الحق عن الدعوة إلى حقهم تمادى أهل الباطل، وضاقت الدوائر، دوائر الحق، لذلك الدعوة إلى الله فرض على كل مسلم.
الدكتور بلال:
 هنا:

﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾

[ سورة الأنفال: 25]

الدكتور راتب :
 الذين أصابتهم سكتوا، لا يتمعر وجهه إذا رأى منكراً.
الدكتور بلال:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

[ سورة هود: 117]

الدكتور راتب :
 ما قال صالحين.
الدكتور بلال:

﴿ مُصْلِحُونَ ﴾

[ سورة هود: 117]

الدكتور راتب :
 الصالح لحاله، المصلح لغيره، أنت مكلف أن تكون داعية إلى الله في حدود ما تعلم، ومع من تعرف.
الدكتور بلال:
 آتي إلى قول ابن عباس رضي الله عنهما في محنة الأمة اليوم يقول: "ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة".

المعاصي تبعد الإنسان عن النصر :

الدكتور راتب :
 هذه قاعدة أساسية، الله عز وجل غني عن تعذيبنا.
 "ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة"
 من الأخير، ما من شيء يبعدنا عن النصر إلا معاصينا.
الدكتور بلال:
 هي أخوف علينا من أعدائنا.
 سيدي، أيضاً أمر في قضية أسباب هلاك الأمم، هذا التعلق بالدنيا، والدنيا دار التواء، لا دار استواء.

الدنيا دار التواء لا دار استواء :

الدكتور راتب :
 إن هذه الدنيا دار التواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي.
 كلام رائع جداً.
الدكتور بلال:
 متى تصح حركة الإنسان في الحياة؟

من عرف هدفه صحت حركته :

الدكتور راتب :
 إذا جاءت وفق تعليمات الصانع، مثلاً تركب سيارة تألق ضوء أحمر، صانع هذه السيارة جعل هذا الضوء تحذيرياً، فأنت لم تقرأ التعليمات، ظننته ضوءاً تزيينياً، احترق المحرك، لأن الجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة الخبيرة، قال تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر: 14]

 فالإنسان إن لم يعبأ بتعليمات الصانع، وأنت أعقد آلة بالكون، الإنسان أعقد آلة بالكون، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة بالغة التعقيد صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، فانطلاقاً من حرص الإنسان اللامحدود على سلامته وسعادته ينبغي أن يتبع تعليمات الصانع.
الدكتور بلال:
 إذاً حينما يعرف هدفه تصح حركته، هدف واضح، الجنة، السلامة، والسعادة، صار هناك اهتمام بالمنهج، اهتمام بتعليمات الصانع، ويسعد عندما تأتي الحركة...
الدكتور راتب :
 مطابقة لهدفه، مثلاً: طالب عنده امتحان بمادة أساسية، أخذه أصدقاؤه لمكان جميل، أطعموه أطيب الطعام، لماذا يحس بكآبة؟ عنده امتحان باليوم التالي بمادة مهمة جداً، وهو لم يدرسها، مع أن المكان جميل، والطعام طيب، والأصدقاء يحبهم، هذه الحركة لا تتناسب مع الامتحان غداً، لو قبع في غرفة قميئة، وقرأ الكتاب المقرر، وفهمه تماماً، يشعر بسعادة لا توصف.
الدكتور بلال:
 لأنه حقق هدفه جاءت حركته مطابقة لهدفه.
 سيدي أيضاً آية في موضوع أسباب هلاك الأمم:

﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ﴾

[ سورة الإسراء: 16]

 ما معنى هذا؟

الترف سبب من أسباب هلاك الأمم :

الدكتور راتب :
 الحقيقة أنه يقع على رأس الهرم البشري زمرتان، الأقوياء والأنبياء، الأقوياء ملكوا الرقاب، والأـنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء يمدحون في حضرتهم، والأنبياء في غيبتهم، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الناس جميعاً تبع لقوي أو نبي.
فالبطولة أن نكون إن شاء الله نحن والمشاهدون من أتباع الأنبياء.
الدكتور بلال:
 إذاً سيدي الترف أيضاً من أسباب هلاك الأمم، والترف لا يرد في القرآن إلا مذموماً.

﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ ﴾

[ سورة الإسراء: 16]

﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾

[ سورة الإسراء: 16]

 بطاعتنا.

﴿ فَفَسَقُوا فِيهَا ﴾

[ سورة الإسراء: 16]

 وحادوا عن الطريق.
الدكتور راتب :
 خرجوا عن منهج الله.
الدكتور بلال:
 فالذنوب من أسباب هلاك الأمم، والترف من أسباب هلاك الأمم.
الدكتور راتب :
 الترف لم يرد بالقرآن إلا مقروناً بالفساد.

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
 جزاكم الله خيراً سيدي، وأحسن إليكم.
 أخوتي، أخواتي؛ أشكر لكم المتابعة، وأشكر لشيخنا الإفادة، وأسأل الله تعالى دائماً أن نلتقيكم وأنت في خير حال، وأحسن حال.
 إلى الملتقى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018