إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 06 - بالعلم يميز الإنسان بين الخبيث والطيب ويسعد بالقليل الطيب. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 06 - بالعلم يميز الإنسان بين الخبيث والطيب ويسعد بالقليل الطيب.


2019-05-11

مقدمة :

المذيع :
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأخوانه، ومن سار على نهجه، واقتفى أثره، واستن بسنته، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين.
 أما بعد؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم أخواني وأخواتي أينما كنتم بكل خير، مرحباً بكم في برنامجكم اليومي: "ربيع القلوب" برنامج قرآني إيماني نقف من خلاله على بعض آيات الله البينات تدبراً وتأملاً وعملاً، "ربيع القلوب" يتهادى إلى مسامعكم عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من الدوحة، نسعد معكم مع فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم شيخنا..
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم.
المذيع:
 قال الله سبحانه وتعالى:

﴿ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة المائدة:100 ]

 تحدثت الآية التي قبلها عن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم وهي مهمة التبليغ عن ربه، وختمت بالدلالة على علم الله تعالى لما يظهر ولما يخفى، ففتحت الآية التي بين أيدينا بقوله تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم قل، أي قل مبلغاً للناس أنه لا يستوي الخبيث والطيب، شيخنا بارك الله بكم نريد أن نبين لماذا لا يساوي الخبيث الطيب؟

 

عدم استواء الخبيث مع الطيب :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أخي الكريم؛ بارك الله بكم، ونفع بكم، وحفظ لكم إيمانكم، الحقيقة الغنى حظ، والصحة حظ، والقوة حظ، مرة كنت مسافراً في المغرب، فعدت من المغرب إلى دمشق بالطائرة، وكان قائد الطائرة تلميذاً لي، فأكرمني ودعاني إلى غرفة القيادة، في مقعد ثالث للضيوف، وأنا في الطائرة انتقلنا من المغرب ومشينا فوق البحر الأبيض بأكمله ووصلنا إلى سوريا، دخلنا من طرابلس، حينما دخلنا إلى سوريا لأنني راكب في قمرة القيادة رأيت بعيني مدينتي طرطوس وصيدا، بينهما خمسمئة كيلو متر، تعلمت درساً لا ينسى أن الإنسان كلما ارتقى مقامه اتسعت رؤيته، فأنا على ارتفاع اثني عشر ألف قدم رأيت طرطوس في الساحل السوري، وصيدا آخر مدينة في الساحل اللبناني، بينهما خمسمئة كيلو متر، وأقيس عليها أيضاً: وكلما ارتفع مقامه اتسعت عاطفته، الأنبياء إنسانيون، يوجد إنسان أناني حقير، يأكل أطيب الطعام وحده، وفي البيت لا يوجد طعام، وإنسان يعتني بأسرته، وإنسان بعائلته الكبيرة، وإنسان بأهل بلده، وإنسان بوطنه، وإنسان ببني جلدته بالأمة العربية، وإنسان يعتني بالإنسانية كلها، هؤلاء الأنبياء، وقف النبي لجنازة فعاتبه أصحابه ليس مسلماً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أليس إنساناً؟ هو إنسان، فكلما ارتقى مقامك اتسعت رؤيتك، مثلاً أنا أقدر أن أقول وبكل تأكيد: الإنسان عنصري أو إنساني، مثلاً أمضى سهرة بأكملها يذم أم زوجته، والزوجة حديثة عهد بالزواج تخاف أن تطلق فسكتت، في اليوم الثاني تكلمت كلمة واحدة عن أمه أقام عليها الدنيا، وسعها أكثر من هذا، تجد الدول العظمى ترتكب مجازر أما إذا أرادت أن تنتقم من دولة ضعيفة فتحاسبها على أدق الأشياء، لا يوجد إنصاف، لذلك القوي أذكر مرة حرقت السيارات في باريس منذ عشر سنوات، أحرقت مئات السيارات في مكان يوجد به ثلاثة وعشرون بولماناً، احترقت البولمانات- أي باص كبير غال جداً- الخبر أذيع سبعة أيام، كل يوم أربع وعشرون مرة، فجاء موظف من هذا الكراج وبلغ الشرطة أن الذي حرق الباصات صاحب الكراج نفسه، طمعاً أن يعوض عليه بباصات جديدة جداً، الخبر أذيع مرة واحدة، عندما كان المتهم مسلماً أذيع الخبر سبعة أيام، كل يوم أربع وعشرون مرة، كل ساعة، فعندما صار المتهم غير مسلم أذيع مرة واحدة، هذه عنصرية سيدي.
المذيع:
 شيخنا في قوله تعالى:

﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ﴾

[ سورة المائدة:100 ]

 العاقل لا يغتر بكثرة أهل الباطل هل هناك تلازم بين كلمة الخبيث وكلمة كثرة؟

 

بطولة الإنسان أن يكون مع القلة المؤمنة لا مع الكثرة الشاردة :

الدكتور راتب:
 طبعاً، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأنعام:116 ]

 لحكمة بالغة ولعلم الله المسبق أن الذين استجابوا أقل بكثير من غير المستجيبين، مثل إذا كان هناك شعرة بيضاء في جلد شعره أسود كله، فالمؤمنون قلة، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأنعام:116 ]

 البطولة أن تكون مع القلة المؤمنة لا مع الكثرة الشاردة، أن تكون مع قلة المؤمنين لا مع كثرة الكفار والمشركين.
المذيع:
 شيخنا في قوله تعالى:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة المائدة:100 ]

 لماذا توجه الله عز وجل بالخطاب إلى أولي الألباب دون سائر الناس؟

 

الحكمة من توجه الله عز وجل إلى أولي الألباب في خطابه :

الدكتور راتب:
 توجه إلى أولي العقول، الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، فإذا غذيت عقلك بالعلم، وقلبك بالحب، وغذيت جسمك بطعام أشتري بمال حلال، تفوقت، فإذا اكتفيت بواحدة من هذه الثلاثة تطرفت، والفرق كبير جداً بين التفوق وبين التطرف، لذلك الشباب إذا سعينا إلى تأمين مسكن لهم، وزوجة، وفرصة عمل، ينضمون إلى المجتمع ويصبحون قوة للمجتمع، فالشباب أمل الأمة، والشباب مستقبل الأمة، والشباب قوة الأمة، الشباب محرك السيارة يندفع، والشيوخ المقود، والشرع هو الطريق، فأنا حينما أهيئ للشباب فرصة عمل، وزوجة، ومسكن، انضموا للمجتمع، فإذا كان العمل قليلاً، لا يوجد عمل صار عندنا حالة اسمها التطرف، والتطرف نوعان؛ تشددي كالتكفير والتفجير، أما إذا فهمنا الإسلام فهماً وسطياً، فهماً متوازناً، فهماً يجمع بين الدنيا والآخرة، وبين الحظوظ والعمل، وبين طلب الدنيا وطلب الآخرة، وبين التوازن بين الشهوة وبين المبدأ، يوجد إنسان مبدئي، وإنسان شهواني، وإنسان مصلحته فوق كل مصلحة، هذا التطرف، هو أحد أكبر أسباب الفساد، الإسلام وسطي أي متوازن، باب يستقر الوسط، أناس أخذوه إلى اليمين، تطرف يميني، وأناس أخذوه إلى اليسار، تطرف يساري، أما مكانه الصحيح فهو في الوسط، والإسلام وسطي يعطي كل ذي حق حقه، يجمع بين الدنيا والآخرة، وبين الشهوة وبين المبدأ، وبين الأنانية وبين الغيرية.
المذيع:
 شيخنا في قوله تعالى:

﴿ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ﴾

[ سورة المائدة:100 ]

 كيف لنا أن نقوم بفهم هذه الآية في أموالنا وفي بيوتنا؟

 

بطولة الإنسان طلب العلم ليميز الخبيث من الطيب :

الدكتور راتب:
 البطولة أن تطلب العلم حتى تعرف ما الخبيث وما الطيب، زوجة مؤمنة صالحة، قد تسعد بها سعادة لا متناهية، تنجب منها أولاداً، لي جار في الشام كان من شيوخ القرآن، وعاش مئة وسنتين، مرة زرته قال لي: عندي ثمانية وثلاثون حفيداً، معظمهم أطباء و حفاظ للقرآن الكريم، أنا فكرت بهذا الكلام، هناك إنسان وإنسانة تمت بينهما علاقة بيولوجية، هذه العلاقة نتج عنها أولاد وبنات، الأولاد جلبوا له الكنائن، والبنات جلبوا له الأصهار، صار عندنا زوج وزوجة، وبنات و أولاد، وأصهار وكنائن، الأحفاد ثمانية وثلاثون حفيداً، معظمهم من حفاظ كتاب الله، وهم أطباء، هذا الهرم المبارك أساسه علاقة بيولوجية، لذلك ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة طاهرة تسري خلالها، في الإسلام لا يوجد حرمان، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، الشهوة تشبه صفيحة البنزين، سائل متفجر، إذا وضع في المستودع المحكم في السيارة، وسال في الأنابيب المحكمة، وانفجر في الوقت المناسب في البستونات، والمكان المناسب، ولّد حركة نافعة قد تقلك إلى مكان جميل في العيد، فالذي يجري في السيارة انفجارات لكنها منضبطة، هذه صفيحة البنزين نفسها إن صبت على المركبة، وأصابتها الشرارة، أحرقت المركبة ومن فيها، هذه الشهوات كالسائل المتفجر، إما أن الشهوات قوة دافعة أو قوة مدمرة، لذلك ما أودعها الله فينا إلا لنرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، الشهوة قوة دافعة، الشهوة محرك في السيارة، أما إذا صبت هذه الصفيحة على السيارة بدل وضعها في المستودع المحكم أحرقت السيارة ومن فيها.
المذيع:
 القليل الحلال خير وأنفع من الكثير الحرام الضار، لو وقفنا عند هذه العبارة..

حاجة كل إنسان إلى حاضنة إيمانية :

الدكتور راتب:
 عندي ملاحظة مهمة جداً، الإنسان إذا غفل عن الله، و لم يدخل الدين في حسابه إطلاقاً، والتفت إلى شهوته لا يكفيه الحلال، لأنه عاش لشهوته، يريد أن ينوع، أما إذا عرف الله، وسعد بقربه، واطمأن إلى وعد الله في الجنة، وخاف من وعيده في النار، وكان يعيش بين أخوة مؤمنين يسعد بهم، فأنا أقول للأخوة المستمعين الآن: لا بد لك من حاضنة إيمانية، لا بد من أن تصاحب مؤمناً، أن تسهر مع مؤمنين، لأن أكثر شكوى أسمعها في دعوتي إلى الله نحضر الدرس نتأثر تأثراً بالغاً نذهب إلى البيت كما كنا سابقاً، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119 ]

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف: 28]

 يوجد ملمح دقيق في الآية أحب أن أذكر به،

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ ﴾

 بمعنى دقيق لا تعني أغفلنا أي جعلناه غافلاً، هذا المعنى مستحيل، معنى أفعلنا في اللغة وجدناه غافلاً، وعاشرت القوم فما أبخلتهم أي ما وجدتهم بخلاء، عاشرت القوم فما أجبنتهم أي ما وجدتهم جبناء، قال تعالى:

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف: 28]

 فالإنسان إما أن يتبع الحق، أو أن يتبع الهوى، إما أن يتبع شهوته غير المنضبطة، أو أن يتبع شهوته التي سمح الله له بها.
 سوف أقول مرة ثانية وثالثة ورابعة: ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة طاهرة تسري خلالها، بالإسلام لا يوجد حرمان، لذلك اشتهى المرأة يتزوج، اشتهى المال يعمل، الشهوات مفتوحة بمنهج قويم، منهج خالق الكائنات.
المذيع:
 كذلك من المضامين العامة تحدثنا قبل قليل أن القليل الحلال خير وأنفع من الكثير الحرام الضار، كذلك المال الخبيث لا ينفع صاحبه شيئاً بل يضره في دينه ودنياه..

 

الفرق بين السكينة و الشهوة :

الدكتور راتب:
 لكن قبل ذلك أريد أن أنبه، عندنا شيء دقيق جداً شيء اسمه شهوة وسكينة، أي الشهوة تحتاج إلى صحة ووقت ومال، ودائماً ينقص الإنسان واحدة، أما السكينة فتحتاج إلى صلة بالله، فالإنسان إذا اتصل بالله شعر بغنى، شعر بسعادة:

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ رواه ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]

 هناك حالة اسمها سكينة، هذه الحالة تأتي من الاستقامة، أما الشهوة فتحتاج إلى وقت، وإلى صحة، وإلى مال، ودائماً تنقص واحدة، في البداية لا يوجد مال، يوجد صحة ووقت، في منتصف الحياة لا يوجد وقت، يوجد صحة ومال، بخريف العمر يوجد وقت ومال لكن لا يوجد صحة، أما السعادة فليس لها علاقة بالشهوة، السعادة صلة بالله، أنت أسعد الناس من وقت التوبة مع الله، والصلح مع الله، إلى نهاية الحياة.
المذيع:
 لماذا ختم الله بقوله:

﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة المائدة:100 ]

 في آية فيها الحديث عن الخبث؟

 

الفلاح و النجاح :

الدكتور راتب:
 أنت قد تنجح في جمع المال فأنت ناجح، شخص جمع ثلاثة وثمانين ملياراً، قد تنجح في امتلاك منصب رفيع، قبل فترة بسيطة استقال رئيس وزراء اليابان، حكم اليابان سبعين سنة، قد تنجح في منصب رفيع لأمد طويل، وتنجح في جمع مال كثير، وقد تنجح بارتقاء مرتبة عالية، هذا كله اسمه نجاح، النجاح أحادي، أما الفلاح فأن تنجح مع الله معرفة، وطاعة، وإقبالاً، وعملاً صالحاً، وأن تنجح في بيتك مع زوجتك، ومع أولادك، زوجة صالحة، أولاد أبرار، وتنجح في عملك، عمل مشروع فيه إتقان، فيه تقوى، فيه إحسان، وأن تنجح مع صحتك، فإذا نجحت مع ربك معرفة وطاعة، وفي بيتك سكينة ووقاراً، وفي عملك إتقاناً وإخلاصاً، ومع صحتك عناية، هذا اسمه فلاح، الفلاح شمولي، والنجاح أحادي.
المذيع:
 أعم من النجاح...

من لم يدخل الله في حساباته فهو أغبى الأغبياء :

الدكتور راتب:
 بمئات المرات، وأولئك هم المفلحون..أي جمعوا بين الدنيا والآخرة، كانوا سعداء في بيوتهم، وفي أعمالهم، ومع أنفسهم، ومع أولادهم، كنت أقول في أمريكا: لو بلغت أعلى منصب في الأرض، وجمعت أكبر ثروة فيها، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس.
 الإنسان عنده ثلاث حاجات؛ حاجة إلى الطعام والشراب حفاظاً على بقائه كفرد، وعنده حاجة إلى الزواج دون أن يشعر حفاظاً على بقاء النوع، لولا شهوة الزواج لانقرضت البشرية، وهناك حاجة ثالثة وهي أخطر حاجة، هي الحاجة إلى التفوق حفاظاً على بقاء الذكر، أن تكون الطبيب الأول، المهندس الأول، التاجر الأول، أغنى الأغنياء، هذا بقاء الذكر، والثلاث محققة في الدين أعلى تحقيق، أما حينما تنحرف الشهوات، الطعام والشراب صار أكثر مما ينبغي صار هناك سمنة، والنساء إذا كان هناك أكثر من واحدة، بالحرام صار زنا، وبشر الزاني بالفقر ولو بعد حين، والعلو في الأرض إذا كان هناك ظلم والعياذ بالله، هؤلاء الطغاة هؤلاء أغبى أغبياء الأرض، لأنهم ما أدخلوا محاسبة الله لهم في حساباتهم، فأنت بحاجة إلى البقاء كفرد بالطعام والشراب، والأمة بحاجة إلى بقاء النوع عن طريق الزواج، وعندك حاجة إلى بقاء الذكر، هتلر قتل خمسين مليوناً، ذكره باق ولكن أسوأ ذكر باق، وهناك أنبياء نفعوا البشرية، قال تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 107]

 فبين أن تكون مع الأنبياء والصديقين والصالحين يوم القيامة أو مع المجرمين والقتلة.
المذيع:
 شيخنا في قوله تعالى:

﴿ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ﴾

[ سورة المائدة:100 ]

 الله عز وجل ذكر الكثرة مع الخبث ولم يذكره مع الطيب لماذا؟

 

من غفل عن حمل الأمانة كان ظلوماً جهولاً :

الدكتور راتب:
 هو بحسب علم الله عز وجل المؤمنون قلة، لأن الله عز وجل حينما خلق الكائنات جميعاً على شكل نفوس قبل عالم الصور، نحن الآن في عالم الصور وكنا في عالم النفوس، قال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ﴾

[ سورة الأحزاب : 72 ]

 والسماوات والأرض مصطلحٌ قرآني، أي الكون، والكون ما سوى الله، جميع النفوس عرضت عليها الأمانة، قال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب : 72 ]

 الآية تقول:

﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 والآية محيرة، أنا أفهمها فهمين بحسب النطق بها، إنه كان ظلوماً جهولاً، استفهام استنكاري، إذا أب عنده عشرة أولاد، قال: كل واحد له عندي بيت وسيارة ودخل حوالي خمسين ألفاً في الشهر، لكن إذا واحد منكم أحضر دكتوراه من أمريكا أعطيه نصف المعمل، فهذا الذي قبل أن يذهب ليأتي بالدكتوراه وسوف يأخذ نصف المعمل ما كان ظلوماً جهولاً، كان طموحاً، فإذا ذهب إلى هناك ولم يدرس ليس له شيء عند والده، يصبح متسولاً:

﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 لا لم يكن ظلوماً جهولاً، إذا غفل عن حمل الأمانة إنه كان ظلوماً جهولاً، إما أن تقرأ قراءة استفهامية إنه كان ظلوماً جهولاً لا لم يكن ظلوماً جهولاً، فلما غفل عن أداء الأمانة، وعن معرفة الله، وعن طاعته، وعن العمل للجنة، كان ظلوماً جهولاً.
المذيع:
 شيخنا في الآية التي بين أيدينا:

﴿ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ﴾

[ سورة المائدة:100 ]

 ذكرتم في تفسيركم أن هذه الآية أصل في اختيارك؟

 

من توهم أن الله أجبره على الطاعة أو على المعصية ابتعد عن الإيمان :

الدكتور راتب:
 يا أخي الكريم لو أن أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعصَ مغلوباً، ولم يطع مكرهاً.
 أخي الكريم؛ كلام دقيق وخطير لمجرد أن يتوهم الإنسان أن الله أجبره على ما يفعل التغى التكليف، والتغى حمل الأمانة، والتغى الثواب، والتغى العقاب، وأصبح الدين تمثيلية سمجة، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

[ سورة الكهف : 29 ]

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

[سورة الإنسان: 3]

 لمجرد أن يتوهم الإنسان أنه أجبر على أعماله ألغي الدين كله، والكلمة الدقيقة الدقيقة: لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعصَ مغلوباً، ولم يطع مكرهاً.

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

[ سورة الكهف : 29 ]

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

[سورة الإنسان: 3]

 الآن قال تعالى:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا ﴾

[سورة الأنعام: 148]

 فأي إنسان يتوهم أن الله أجبره على الطاعة أو على المعصية ابتعد عن الإيمان.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، شكراً لكم شيخنا، وبارك الله بكم.
الدكتور راتب:
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم.
المذيع:
 والشكر موصول لكم أخواني على طيب المتابعة، وجميل الاستماع، نلقاكم غداً حتى ذلكم نترككم في حفظ الله ورعايته.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018