إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 03 - معرفة الآمر أولاً - العبادات التعاملية مقرونة بالعبادات الشعائرية. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 03 - معرفة الآمر أولاً - العبادات التعاملية مقرونة بالعبادات الشعائرية.


2019-05-08

مقدمة :

المذيع :
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأخوانه، ومن سار على نهجه، واقتفى أثره، واستن بسنته، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين.
 أما بعد؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم أخواني وأخواتي أينما كنتم بكل خير، مرحباً بكم في برنامجكم اليومي: "ربيع القلوب" والذي يتهادى إلى مسامعكم عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من الدوحة، نسعد معكم في هذه السلسلة المباركة بعنوان: "ربيع القلوب" مع فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم شيخنا..
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم، وحفظ لكم بلادكم.
المذيع:
 آية اليوم قول الله عز وجل:

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة الحشر:21 ]

 بداية لو تحدثنا عن وجه مناسبة هذه الآية لما قبلها؟

أصل الدين معرفة الله :

الدكتور راتب:
 الحقيقة قبل أن أجيب عن سؤالك اللطيف، الله عز وجل قال:

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية :6]

 معنى ذلك أن الآيات والمطلق على إطلاقه هي القناة الوحيدة السالكة لمعرفة الله عز وجل، إلا أن هذه الآيات ثلاثة أنواع، آيات كونية هي خلقه، وآيات تكوينية هي أفعاله، وآيات قرآنية هي كلامه، فالكونية موقفنا الكامل منها التفكر، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191 ]

 جاءت كلمة يتفكرون فعلاً مضارعاً، والمضارع يفيد الاستمرار، فالتفكر أرقى عبادة على الإطلاق، لأن التفكر في خلق السماوات والأرض يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله، وإذا وضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله عرفته، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تعرفه ثم لا تحبه، و مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تحبه ثم لا تطيعه، أبداً، إن عرفته أحببته، إن أحببته أطعته، فأصل هذا الدين معرفة الله، لذلك حينما أنسى أن أعرف الله - دقق أخي الكريم - إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الله، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر فتتفنن في معصيته، وكأنني وضعت يدي على مشكلة المسلمين الأولى، الأمر بين أيدينا، بالمناهج موجود، بالدراسات موجود، بالمدارس موجود، بخطب الجمعة موجود، والناس لا يطبقون، لأنهم ما عرفوا الآمر، فإذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر فتتفنن في التفلت من الأمر، لذلك الصحابة الكرام بقوا في مكة عشر سنوات يعرفون الآمر، والآيات المكية بأكملها تعريف بالله واليوم الآخر فقط، التشريع جاء في المدينة، فنحن إذا ألغينا من حياتنا المرحلة المكية انتهى ديننا، إذا ألغينا معرفة الآمر التغى ديننا كله، ديننا أحكام فقهية وكتب، هذا الذي أمرك أن تصلي له من هو؟ فإذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر فتتفنن في معصية الآمر، الآن الناس يريدون فتوى لا يهمهم، يريد فتوى يعتمد عليها، أو تأويل آية كما يريد، يتوصل إلى إلغاء الدين بالفتاوى الضالة، والتأويل الباطل.
المذيع:
 هذه الآية تحدثت مع التي قبلها عن الممايزة بين أصحاب النار وأصحاب الجنة وجاءت هذه الآية التي بين أيدينا، قال تعالى:

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الحشر:21 ]

 لتبين السبب في ذلك وهو تأثير القرآن، فلو تحدثنا عن تأثير القرآن على الإنسان وعلى حياته..

 

تأثير القرآن على حياة الإنسان :

الدكتور راتب:
 القرآن الكريم ربيع القلوب، القرآن الكريم منهج الله، القرآن الكريم دستور، القرآن الكريم طريق، القرآن الكريم كلام الله، أي الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي قرآن يمشي، نحن بحاجة الآن إلى إسلام يمشي أمامنا، لا نريد محاضرات، ولا بثاً تلفزيونياً، أريد شخصاً صادقاً أمامي، سيدنا جعفر رضي الله عنه التقى النجاشي فسأله عن الإسلام، قال:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه...))

[ ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 إن حدثكَ فهو صادق، وإن عاملته فهو أمين، وأن استثيرت شهوتهُ فهو عفيف، وفوق ذلك ذو نسب رفيع، تاج على رأسي.

 

العبادات الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادة التعاملية :

(( ... فدعانا إلى الله لتوحيده، ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا ..))

[ ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 الآن عندنا شيء اسمه العبادة التعاملية، غير الشعائرية، الشعائرية هي الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة...

(( ... وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ))

[ ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 إن لم تصح العبادات التعاملية لا تقطف ثمار العبادة الشعائرية، التعاملية صدق، أمانة، إخلاص، وفاء، عدم خيانة، هذه التعاملية، لذلك أريد أن أحضر للأخوة المستمعين حقائق صارخة نأخذ الصلاة..

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]

 ما قيمة الصلاة؟ انتهت الصلاة، الصوم:

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 راح الصيام، الآن الزكاة:

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 53 ]

 راحت الزكاة، الحج:

(( من حج بمال حرام ووضع رجله في الركاب، ونادى لبيك اللهم لبيك، نودي أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك))

[الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ]

 راح الحج.

 

من أخلّ بوعود الله فالله في حلّ من وعوده :

 المشكلة:

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]

 أي مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن نغلب ونحن نصل إلى اثني عشر ألفاً، نحن مليارا مسلم، وليست كلمتنا هي العليا، وليس أمرنا بيدنا، وللطرف الآخر علينا ألف سبيل وسبيل، وخمس عواصم محتلة من فئات ضالة، هذه مشكلة كبيرة، عندنا مشكلة كبيرة، ما دليلها؟ قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، قانون عند الله عز وجل:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 هناك حرب عالمية ثالثة على الدين، كانت تحت الطاولة اليوم فوق الطاولة، قال تعالى:

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 أي دين وعد بتمكينه؟ دين التطبيق، دين الاستقامة، دين الإحسان، ليس دين الفولكلور والمدائح، حفلات ومهرجانات، دين التطبيق، دين الأسرة، دين العمل، دين المجتمع، قال تعالى:

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 الثالثة:

﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 في كلمة واحدة، قال تعالى:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 فإذا أخلّ هؤلاء جميعاً بعبادة الله، الإله العظيم في حلّ من وعوده.
المذيع:
 في قوله تعالى:

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ ﴾

[ سورة الحشر:21 ]

 ما الذي ذكره العلماء في تفسير هذه الآية؟

 

كل ما في الكون نفس و تسبح بحمد الله :

الدكتور راتب:
 هذا الجماد أولاً يوجد شيء دقيق أحب أن أقوله، الجبل نفس، الماء نفس، النبات نفس، أي ما من شيء خلقه الله إلا هو نفس، ما الدليل؟ قال تعالى:

﴿ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة الحشر: 24]

 أي كائن، هذا الجماد، هذا الماء نفس، قال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 والسماوات والأرض والجبال مصطلح قرآني يعني الكون، والكون ما سوى الله:

﴿ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 الملائكة اختاروا العقل بلا شهوة، والحيوانات اختاروا الشهوة بلا عقل، رُكِّب الملَك من عقلٍ بلا شهوة، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان، هذا الإنسان إما أنه فوق الملائكة، أو دون الحيوان، الدليل قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة: 7 ]

 أي خير ما برأ الله.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾

[ سورة البينة: 6 ]

 فالإنسان بين أن يكون فوق الملائكة أو دون أحقر حيوان بالإيمان بالله.
المذيع:
 في نفس الآية:

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ ﴾

[ سورة الحشر:21 ]

الدكتور راتب:
 الجبل نفس، الصخر نفس، النبات نفس، إذا شخص- أقول لك كلمة دقيقة- جاء إلى نبات ونزع أغصانه يعذبه، هناك دراسات علمية الآن النبات له نفس، فإذا أخذ الفاكهة قطعها بشكل معقول وليس بشكل عنيف يكون رحيماً، النبات والحيوان نفوس، والجماد نفس سيدي، ما الدليل القرآني؟ قال تعالى:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾

[ سورة الإسراء: 44]

 معنى ذلك الكون كله نفوس.

 

مجتمع الإيمان مجتمع راق جداً :

 الأمانة الله عز وجل عرضها على كل هذه النفوس، فأبين أن يحملنها، وحملها الإنسان، هذا الإنسان إذا أدى الأمانة كان فوق المخلوقات جميعاً، مثل أب عنده عشرة أولاد، وهو غني كبير، قال: كل ابن له بيت وسيارة ومئة ألف في الشهر، أما إذا واحد منكم أحضر لي دكتوراه من أمريكا فسوف أعطيه نصف المعمل، وإذا لم يحضرها أجعله شحاذاً لا يأخذ قرشاً مني، فالإنسان إما أنه فوق الملائكة، أو دون أحقر حيوان، لا يوجد حل وسط، الله عز وجل منعك تأكل؟ لا، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾

[سورة البقرة: 172]

 منعك المرأة؟ تزوج، ما من شهوة أودعها الله فينا إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، بالإسلام لا يوجد حرمان، البنزين سائل متفجر، إذا وضع في المستودع المحكم في السيارة، وسال في الأنابيب المحكمة، وانفجر في الوقت المناسب، والمكان المناسب، في البستونات، ولّد حركة نافعة قد تقلك إلى مكان جميل في العيد، نفس الصفيحة البنزين إن صبت على المركبة، وأصابتها الشرارة، أحرقت المركبة ومن فيها، هذه الشهوات كالسائل المتفجر، إما أن الشهوات قوة دافعة، أو قوة مدمرة، لا يوجد حل وسط.
 عفواً إذا شخص تزوج زوجة صالحة، وأنجبت له أولاداً، لي جار في الشام توفي رحمه الله منذ سنوات، عاش مئة وسنتين، كان شيخ القراء في كل الشام، زرته مرة قال لي: عندي ثمانية وثلاثون حفيداً، معظمهم من حفاظ القرآن الكريم، وأطباء، أنا خرجت من عنده قلت: هذا الإنسان تزوج امرأة، بالتعبير العلمي تمت علاقة بيولوجية بينهما، هذه العلاقة البيولوجية أنجبت أولاداً، والأولاد جلبوا له الكنائن، والبنات جلبوا له الأصهار، الأولاد والبنات والأصهار والكنائن، الوجبة الثالثة الأحفاد، ثمانية وثلاثون حفيداً، معظمهم من حفّاظ القرآن الكريم، وأطباء، ما هذه العلاقة البيولوجية الرائعة؟! لذلك مجتمع الإيمان مجتمع راق جداً.
المذيع:
 القرآن موجود في بيوتنا، وهناك لوحات قرآنية معلقة في غرفنا، ولكن إذا نظرنا إلى تطبيق منهج الله يكاد يكون مفقوداً..

 

الإسلام منهج علينا التمسك به :

الدكتور راتب:
 كل سيارة فيها مصحف صغير، وكل مكان فيه بسم الله في المدخل، هذا كله لا يقدم ولا يؤخر والله، غض بصرك يقدم ويؤخر، ضبط اللسان يقدم ويؤخر، يكون دخلك حلالاً يقدم ويؤخر، تكون زوجتك محجبة يقدم ويؤخر، بنات صبايا متفلتات، كل المفاتن ظاهرة بالطريق، أين الأب؟ أين الأم؟ هذا الواقع سيدي، الإسلام منهج، الإسلام افعل ولا تفعل، هذه العبادات الشعائرية لا تقدم ولا تؤخر، الإسلام مظاهر، الآن مساجد رائعة، والله دخلت إلى مسجد في المغرب شيء لا يصدق يفوق حدّ الخيال، مكلف مليار دولار..
المذيع:
 في الآية هناك مثل قال تعالى:

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الحشر:21 ]

الغفلة أكبر عقاب إلهي يصيب الإنسان :

الدكتور راتب:
 الجماد نفوس، هذا الملمح الذي يخص هذه الآية، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾

[ سورة الإسراء: 44]

 الجبل نفوس، والماء نفوس، والصخر نفوس، والأشياء كلها نفوس، طبعاً والحيوانات نفوس، والنبات نفوس، والجماد فنفوس، فهذا الجبل قال تعالى:

﴿ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الحشر:21 ]

 والإنسان المخلوق الأول، المكرم، المكلف، مخلوق للجنة، غافل عن الله، أقول لك كلمة دقيقة: يمكن أكبر مرض كالسرطان ينهي حياته سرطان النفس، الغفلة، غافل عن الله، غافل عن مصيره، غافل عن الموت، غافل عن الدار الآخرة، غافل عن الحق، غافل عن الدين، غافل عن القرآن، أكبر عقاب إلهي أن يكون الإنسان غافلاً عن الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾

[سورة الأعراف:179]

المذيع:
 شيخنا ما الذي يحثنا عليه هذا المثل القرآني؟

 

طلب العلم فرض على كل مسلم :

الدكتور راتب:
 طلب العلم سيدي، إذا شخص أهمل نفسه صار بلا قيمة إطلاقاً، صار جماداً، المؤمن عنده وعي، عنده حياء، خجل، صدق، أمانة، تشتهي أن تكون مؤمناً، تعيش معه، ليس فقط يصلي، نقطة أحب أن أؤكدها للمستمعين، ليس فقط يصلي، صادق، أمين، محب، رحيم، عنده رحمة، يرحم الخادمة، الآن الخادمات تنتحر، تعمل بشكل غير معقول، كنت في محل تجاري يبيع أقمشة وأنا أقف، صانع صغير حمله أول توب والثاني والثالث لا يستطيع أن يحمله طفل صغير، قال له: لا أستطيع، قال له صاحب المحل: أنت شاب ضعوا له الرابع، جاء ابنه حمل توباً واحداً، قال له: انتبه يا بني ظهرك. قال لي تاجر آخر: عندي صانع طلب مني أن يخرج قبل الدوام بساعة واحدة حتى يأخذ شهادة متوسطة لم أسمح له، إذا راح سوف أخسره، يجب أن يبقى صانعاً عندي، أما وضع لابنه مليون ليرة دروس خاصة حتى يصبح طبيباً، ابنه دفع له مليون، أما هذا اليتيم الصغير فقد طلب منه ساعة من الدوام ليلتحق بمدرسة ليلية، حتى يـأخذ شهادة، قال لي: لا أسمح له أن يتعلم كي لا أخسره. أنا لا أرى أحمق من الظالم، لماذا؟ لأنه لم يدخل الله في حسابه..
المذيع:
 لو كان الله موجوداً في حياته ما وقع في ظلم الناس.

الغبي إنسان لم يدخل الله في حساباته اليومية :

الدكتور راتب:
 من هم الطغاة في الأرض؟ الذين ما أدخلوا الله في حساباتهم، والله الطغاة أغبى الأغبياء في الأرض، سيدنا عمر أراد أن يمتحن راعياً، فقال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها؟ قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها ماتت، أو أكلها الذئب، قال: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟!.
 هذا الراعي لا معه دكتوراه، ولا معه شهادة عليا، ولا أستاذ جامعة، وضع يده على الدين الحقيقي، عندما قال: أين الله؟ عندما قال: أين الله؟ وضع يده على الدين، يأتي شخص يتعلق بفتوى باطلة ليس لها أصل، مرة أعلى منصب ديني بمصر أجاز إيداع المال ببنك ربوي، وأخذ الفائدة، يقول لك: معي فتوى، يجب أن تكون الفتوى معتمدة صحيحة، غير باطلة، ولا التأويل باطل، الآن يتوصل إلى إلغاء الدين بفتوى باطلة، أو تأويل باطل.
المذيع:
 هل لأحد عذر في ترك تدبر القرآن بعد هذا البيان؟
الدكتور راتب:
 لا، قال تعالى:

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾

[ سورة محمد: 24 ]

 الكون تفكر، والآيات التكوينية تدبر، نظر، والقرآن تدبر.
المذيع:
 ما هي فضائل الآيات الأخيرة من سورة الحشر؟

 

القرآن كتاب الله وآياته الكونية تفكر و التكوينية نظر :

الدكتور راتب:
 قال تعالى:

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ ﴾

[ سورة الحشر:21 ]

 هذا القرآن كتاب الله، الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، آياته الكونية تفكر، آياته التكوينية نظر، ما معنى نظر؟ قال تعالى:

﴿ فَسيروا فِي الأَرضِ فَانظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ ﴾

[سورة آل عمران: ١٣٧]

 يوجد آية ثانية، قال تعالى:

﴿ قُل سيروا فِي الأَرضِ ثُمَّ انظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ ﴾

[سورة الأنعام: ١١]

 نفس الآيتين لكن الأولى فاء والثانية ثم..
المذيع:
 ما الفرق بينهما؟
الدكتور راتب:
 الفاء تفيد الترتيب على التعقيب، وثم للترتيب على التراخي، حدثني قاض، بيت يملكه إنسان توفي، جاء إنسان أبرز عقد شراء للبيت منذ عشر سنوات، والعقد متقن جداً، والبيت غال جداً، بأرقى أحياء دمشق، شيء يحير معه عقد شراء مصدق فدعاه القاضي لحلف اليمين، وضع يده على المصحف، وحلف اليمين القانوني، رفع يده و لم ينزلها، فالقاضي انزعج قال له: أنزل يدك، كان ميتاً، مات فوراً وهو يحلف اليمين الكاذبة، هذه قوله تعالى:

﴿ فَسيروا فِي الأَرضِ فَانظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ ﴾

[سورة آل عمران: ١٣٧]

 هذه الفاء تفيد الترتيب على التعقيب، شخص حكموا عليه بالإعدام في دمشق، عندما وضعوا الحبل في رقبته قال: أنا الآن سوف أشنق لأني متهم بقتل إنسان، أنا ما قتلته، لكني قتلت شخصاً منذ ثلاثين سنة، هذه قوله تعالى:

﴿ قُل سيروا فِي الأَرضِ ثُمَّ انظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ ﴾

[سورة الأنعام: ١١]

 للترتيب على التراخي، أحياناً يأتي لحكمة بالغة، أحياناً يتأخر، لكن الواحد لا يغتر بحلم الله عز وجل.
المذيع:
 كيف للإنسان أن يرتقي بإيمانه وقلبه من خلال هذه الآية:

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ ﴾

[ سورة الحشر:21 ]

كيفية الارتقاء بالإيمان :

الدكتور راتب:
 أن تقرأ القرآن يومياً تحتاج إلى خمس صفحات في اليوم أقل شيء، برنامج كل يوم خمس صفحات، ثلاث صفحة، عشر صفحات، لكن يوجد عندك قراءتان؛ قراءة تعبد جزء، وقراءة تدبر كلمة كلمة، آية آية، وتكتب ملاحظات، أنا عندي ثلاثة آلاف ملاحظة في القرآن الذي أقرأ به، أكتب ملاحظة، هذه الآية جميلة فيها منهج في تعامل الأصدقاء، تعامل الجيران، فكلما قرأت آية وتأثرت بها ضع عليها ملاحظة، هذه قراءة تدبر، و هناك قراءة تعبد، اقرأ جزءاً كل يوم، القرآن كيفما جئته فيه خير، لا بد من التدبر، أن تقف ملياً عند الآية، وأحكامها، وأبعادها، وتطبيقاتها العملية.
المذيع:
 تقصد شيخنا أن يقرأ الإنسان وخاصة في هذا الشهر الكريم أن يكون له قراءة تعبد وقراءة تدبر، قراءة التعبد تكون جزءاً أو جزأين أو ثلاثة، أما قراءة التدبر فتكون بقدر...
الدكتور راتب:
 عدة آيات لكن تطبقهم.

 

خاتمة و توديع :

المذيع:
 اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همنا وغمنا، شكر الله لك شيخنا، وأفاض عليكم من علمه، والشكر موصول لكم أخواني على طيب المتابعة، وجميل الاستماع، نلقاكم غداً حتى ذلكم نترككم في حفظ الله ورعايته.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018