إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 02 - العلاقة بين المؤمن وربه الصدق منه والعدل من الله والقرآن خبر صادق وأمر عادل. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 02 - العلاقة بين المؤمن وربه الصدق منه والعدل من الله والقرآن خبر صادق وأمر عادل.


2019-05-07

مقدمة :

المذيع :
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأخوانه، ومن سار على نهجه، واقتفى أثره، واستن بسنته، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين، أما بعد؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم.
 أخواني وأخواتي؛ أينما كنتم بكل خير، مرحباً بكم في برنامجكم اليومي: "ربيع القلوب" والذي يتهادى إلى مسامعكم عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من الدوحة، نسعد معكم في هذه السلسلة المباركة مع فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم شيخنا..
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، وبإذاعتكم، وببلدكم.
المذيع:
 شيخنا الآية التي سنقف عندها اليوم قوله تعالى:

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 116 ]

 شيخنا لو ابتدأنا هذه الحلقة بالحديث عن وجه مناسبة الآية بما قبلها.

الصدق ينظم العلاقة بين العبد و ربه :

الدكتور راتب:
 كأن الله جلّ جلاله يخاطب عباده فيقول: يا عبادي بيني وبينكم كلمتان، هاتان الكلمتان تنظمان العلاقة بيننا، منكم الصدق ومني العدل، أي تتفاوتون عندي بالصدق، كلمة صدق هنا لا تعني ضد الكذب، موضوع آخر أعمق بكثير، فلان صادق في طلب الحق، أي من أعماق أعماقه مصمم على طلب الحق، صادق في طاعة الله، صادق في طلب الجنة، هنا الصدق لا يعني أنه ضد الكذب، له معنى آخر أي مصمم، عازم، بيني وبينكم كلمتان؛ منكم الصدق أي تتفاوتون عندي بالصدق، هناك إنسان يصلي لكن ضمن جماعة، و إنسان يصلي وحده، و إنسان لا يصلي، و إنسان يصلي ليدرأ عن نفسه تهمة أنه لا يصلي، قال تعالى:

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾

[ سورة الأنعام : 115]

 منكم الصدق ومني العدل، أي تتفاوتون عندي بالصدق، وأنا أعدل بينكم، هذا معنى جامع مانع، ينظم العلاقة بين العبد وربه، المعنى الآخر متعلق بالقرآن، هذا القرآن لو قرأناه من دفته إلى دفته، ستمئة صفحة، الآيات كلها لا تزيد عن أن تكون خبراً أو أمراً، فالخبر صادق والأمر عادل، إذاً هاتان الكلمتان انتظمتا القرآن كله بمعنيين كبيرين، منكم الصدق يا عبادي أي تتفاوتون عندي بالصدق وأنا أعدل بينكم، أو أن هذا القرآن بمجموعه لا يزيد عن خبر، أو عن أمر، فالخبر صادق والأمر عادل، قال تعالى:

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾

[ سورة الأنعام: 115]

المذيع:
 شيخنا في قوله تعالى:

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة الأنعام: 116 ]

 هل الحق يقاس بعدد المتبعين له أم باتساع رقعته؟

 

الحق يقاس بمطابقته لمنهج الله و ليس له علاقة بالعدد أو بالرقعة :

الدكتور راتب:
 والله الحق ليس له علاقة بالعدد، وليس له علاقة بالرقعة، علاقته بمطابقته لمنهج الله، أي شخص إذا طبق هذا الدين أمة، والدليل قال تعالى:

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

[ سورة النحل: 120 ]

 إذا أمة رفعت شعارات الدين، ولم تطبق الدين بمنهجها، بقوانينها، بعلاقاتها، فهي بعيدة عن الدين، و لكن عندها جوامع، وخطب جمعة، وأشياء إسلامية كثيرة، لكن منهجها في الحياة بعيد عن الدين، منهج الدراسة بعيد عن الدين، مثلاً هناك نظرية دارون، نظرية دارون تلغي الدين كله، فنحن عندما نعطي طلابنا نظرية دارون أن الإنسان أصله قرد، يأتي أستاذ الديانة يقول: آدم عليه السلام، الطالب تمزق، هذا أستاذه وهذا أستاذ الديانة، يقرأ القرآن: البشرية بدأت بآدم، وهذا أستاذ طبيعيات، الإنسان أصله قرد، هذه النظرية مفتعلة لإلغاء الدين، لأن الكنيسة في العصور الوسطى طغت وبغت فأراد العلماء إلغاء الكنيسة، نحن ليس لنا علاقة، الإسلام دين علم، والتقليد الأعمى خطير جداً، فنحن أهم شيء المناهج، ألا نعطي الطالب مناهج متناقضة، نعمل له انفصام شخصية، نعمل له إشكالاً كبيراً، يجب أن تكون المناهج متناغمة، متناسقة.
المذيع:
 قد يكون الشخص الذي عرف الحق واستقام عليه أمر الله جماعة، وقد تكون الملايين المملينة فرداً، كيف لنا أن نفهم هذه القاعدة؟

 

الإسلام منهج تفصيلي لا تقطف ثماره إلا إذا طبق :

الدكتور راتب:
 المؤمن وحده جماعة، وجماعة المؤمنين مجتمع كبير، العملية لا بالعدد بل بالنوع، لا بالمساحة بل بالصلة بالله عز وجل، الصحابة كانوا قلة فتحوا العالم، وصلت راياتهم إلى الصين، وإلى قرب باريس إلى بواتييه، والآن نحن نملك نصف ثروات الأرض- هذه كلمة مؤلمة جداً- وليس أمرنا بيدنا، لا يوجد أمة في الأرض تملك مقومات الوحدة كما نملك نحن المسلمين ومع ذلك بأسنا بيننا، هذا منهج سيدي تطبقه تقطف ثماره، لا تطبقه ترفع شعاراته فقط لا تقطف ثماره، المدينة فيها جوامع، لكن المنهج التدريسي ليس إسلامياً، العلاقات ليست إسلامية، يوجد بنوك ربوية، أي المظاهر لا تقدم ولا تؤخر، منهج تفصيلي لا تقطف ثماره إلا إذا طبق، أما ممكن أن تعمل نشيداً بالإسلام، ونعظم الإسلام، نحن معجبون بالإسلام إعجاباً سلبياً، و لكن هذا الإعجاب لا يقدم ولا يؤخر، ما لم نتحرك وفق الإسلام لن نقطف ثماره، بيعنا إسلامي، الشراء إسلامي، إمضاء أوقات الفراغ إسلامي، لا يوجد معاص وآثام، كم أسرة إسلامية للساعة الثانية يلعبون الطاولة؟! كم أسرة إسلامية يتابعون مسلسلات تلغي الدين؟ تلغي القيم؟
 يوجد نقطة دقيقة جداً أحب أن أقولها: كل إنسان عنده خطوط دفاع، تربى تربية إسلامية، الزنا حرام، الخمر حرام، والطرف الآخر يعلم هذه القيم الثابتة في المسلمين، ماذا يفعل؟ يقدم لك فيلماً، هذا الإنسان الراقي جداً، الأنيق، الذي يملك سيارتين أو ثلاث، وبيتاً رائعاً، تستقبل زوجته أصدقاءه بغيابه، وهناك بار في البيت، ربط لك الرقي والبيت الفخم واللياقة الصحية والمكانة الرفيعة بالمعاصي في البيت، ويريك رجلاً شيخاً، بيته صغير، أولاده في الطريق، امرأته عند الجيران، ما فعلوا شيئاً، ما تكلموا عن الإسلام، لكن قدموا أسوأ صورة عن المسلمين، وأعطوا أحلى صورة للطرف الآخر، هذه الأفلام والتمثيليات والبرامج الحوارية تهدم أصل الدين دون أن نشعر.
المذيع:
 هذا يعني أن كلمة أكثر من في الأرض لا تعني أن ما يقابلها قلة؟

المؤمن قوي بإيمانه :

الدكتور راتب:
 لا أبداً، المؤمن قوي بإيمانه، والمؤمنون أقوياء ليس بعددهم بل بالصلة بالله عز وجل، سيدي هؤلاء الذين فتحوا العالم وصلوا إلى الصين من الحجاز، شيء لا يصدق، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟ والله يا سيدي وعود الله عز وجل بالنصر لا تتزحزح ولا ثانية، هي هي، والإله هو هو، إله الصحابة إلهنا، لمجرد أن نفكر- ويوجد كثير من لحظات الإشراق في التاريخ الإسلامي –نجد أن صلاح الدين انتصر على سبعة وعشرين جيشاً أوروبياً.
المذيع:
 في قوله تعالى:

﴿ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة الأنعام: 116 ]

 من أكثر من في الأرض؟ وما الذي يحكم الناس النص أم الواقع؟

 

المؤمن يحكمه النص والآخر يحكمه الواقع :

الدكتور راتب:
 والله الذي يحكمنا النص، الأصل أن النص يحكمنا، أنت ذاهب من مكان إلى مكان، هنا يوجد قطر، لو فرضنا انطلقت بسيارتك، ولك مبلغ ضخم جداً بمدينة أخرى، والذي وعدك بالدفع صادق، والمبلغ كبير، وهناك لوحة مكتوب عليها: الطريق إلى هذه المدينة مغلق لسبب أو لآخر، هل تتابع؟ لا تستطيع أن تتابع، ما الذي حكمك مع المبلغ الضخم والوعد الصادق؟ خمس كلمات، المؤمن يحكمه النص، والآخر الواقع، مثلاً نحن عندنا بين حمص ودمشق في الشتاء ثلج، تخرج من دمشق يكتب: الطريق إلى حمص مغلقة بسبب تراكم الثلوج، أنت ذاهب إلى حمص، لك مبلغ ضخم، والواعد صادق، ترجع، حكمك أربع كلمات، لو أن دابة تمشي إلى حمص أين تقف؟ عند الثلج، ما الذي حكمها؟ الواقع، أنت كإنسان يحكمك النص، أنت كإنسان معك نص إلهي، نص من خالق السماوات والأرض، قال لك:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 وقال تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 الآيتان تكفيان، وعد الإله المؤمن بحياة طيبة، ووعد الآخر بحياة ضنك، هذا كلام خالق الأكوان، أي زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.
المذيع:
 في الآية:

﴿ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأنعام: 116 ]

 لماذا

﴿ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

اطمئنان الإنسان العاصي إن كان الناس على شاكلته :

الدكتور راتب:
 لأن الإنسان حينما يكون غارقاً بالمعاصي والآثام يحب أن يكثر من جماعته، يحب أن يكثر الناس الذين هم على شاكلته، يطمئن، يطمئن طمأنينة ساذجة، الناس كلهم هكذا، اسأل إنساناً عاصياً يقول لك: الناس كلهم هكذا، وإذا الناس كلهم هكذا، لو فرضنا ماء أسود آسن، والناس كلهم يسبحون به، أنت كنت في الحمام، وثيابك نظيفة وجديدة وبيضاء هل تنزل معهم؟ فكلما كان الإنسان له صلة بالله تطهر نفسه، عنده حساسية فائقة، أحياناً يكون الثوب أسود، وصاحبه يشحم سيارات، كله شحم على زيت على وحل، أما الذي يرتدي ثوباً أبيض يمكن إذا ذبابة توقفت تجعل نقطة عليه، كلما كان الثوب ابيض الحساسية بالخطأ واضحة.
المذيع:

﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾

[ سورة الأنعام: 116 ]

 فأي ظن هذا الظن؟
الدكتور راتب:
 إذا شخص قال لك: من مات وقال لك إن هناك آخرة؟ الذي خلقني هو الذي أخبرني بالآخرة، الذي خلق السماوات والأرض قال لي: يوجد آخرة وجنة ونار، يقول لك: هذه غيبيات كلها، أنت تتعلق بشيء غير موجود، كن واقعياً، واقعي أي كُل مالاً حراماً، كنت قوياً خذ ما ليس لك، إذا كنت قوياً اعمل أشياء لا ترضي الله عز وجل.
المذيع:
 في ختام الآية الثانية:

﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 116 ]

 ما معنى يخرصون؟

 

الأحمق من يضيع الأبد لسنوات محدودة :

الدكتور راتب:
 يسكتون عند ظهور الحقيقة، أنت متوهم هذا الشيء ليس له قيمة، تفاجأت بساعة متأخرة أن له قيمة كبيرة، يخرصون السكوت مع الألم، أي خرس، قال تعالى:

﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾

[ سورة الزمر: 47 ]

 إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول: يا رب لإرسالك بي إلى النار أهون عليّ مما ألقى، ضيع الآخرة كلها، ما هو الأبد أخي الكريم؟ عفواً واحد في الأرض وأصفار للشمس، تصور مئة وستة وخمسين مليون كيلو متر من الأصفار، وكل ميليمتر صفر، هذا الرقم ضعه صورة لكسر، وضع مخرجه لا نهاية، القيمة صفر، الله وعدك باللانهاية، اللانهاية تعني الأبد، وعد المؤمنين بالجنة للأبد، أنا من أجل عشر أو اثنتي عشرة سنة أضيع الآخرة، أكون أحمق، لا يوجد أضل ولا أحمق ولا أغبى ممن يضيع الأبد لسنوات محدودة..
المذيع:
 شيخنا ذكرتم قاعدة و أوصيتم بأن يحفظها الإنسان نريد أن نشرح القاعدة للمستمعين وهي إن كان النص هو الذي يحكمك فأنت عاقل، وإن كان الواقع فأنت دون المستوى المطلوب، والذي يوقع الناس في شر أعمالهم أن الواقع حكمهم ولم يحكمهم النص...

 

المؤمن متألق دائماً لأنه يدخل الموت في حساباته :

الدكتور راتب:
 أي العادات والتقاليد والمعطيات التي تطرح في الإعلام أحياناً لا يوجد غير الدنيا سيدي، لا أحد يتكلم عن الآخرة أي حرف، فقط الدنيا، هذا الغني ألا يموت؟ يموت..

كل مخلوق يموت ولا يبقى  إلا ذو العزة والـــجبروت
* * *

 أنا أقول كلمة لأخواننا المستمعين: عندما يدخل الموت في حساب المؤمن يتألق، أريد أن أغادر، هذا البيت مؤقت، أريد أن أغادره إلى قبر، يكون البيت فخماً جداً، قد يملك أموالاً طائلة، قد يكون في مكانة علية، قد يكون في تمكن لكن يوجد موت، الموت ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، وغنى الغني، وفقر الفقير، ووسامة الوسيم، ودمامة الدميم، ينهي كل شيء، أي كل الآمال والطموحات والتصورات منوطة بضربات القلب، توقف، كل شيء ليس له، اشترى فندقاً بباريس من ثمانين طابقاً، دائماً ممتلئ، في اليوم الثاني مات، فقد كل شيء، كل شيء يملكه الإنسان منوط بضربات القلب، أو بسيولة الدم، إذا تجمدت نقطة في الدماغ فقد بصره، فقد سمعه، فقد عقله، أحياناً فقد ذاكرته، فلم يعرف أولاده، نقطة دم لا ترى بالعين إذا تجمدت بأحد أوعية الدماغ بمكان فقد ذاكرته، بمكان فقد بصره، بمكان فقد توازنه، على نقطة دم لا ترى بالعين إذا تجمدت في الدماغ، هذه جلطة، ما الجلطة؟ كان نشيطاً الآن لا يستطيع أن يصعد الدرج، يصعد يشعر بألم بيده، الإنسان تحت رحمة الله، أنا لا أرى أغبى من الأقوياء إذا اعتدوا بقوتهم..
المذيع:

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾

[سورة النساء: 28]

الإنسان خلق ضعيفاً ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره :

الدكتور راتب:
 خلق ضعيفاً ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته عن الله فشقي باستغنائه، خلق ضعيفاً ليرحمه، ليلجأ إليه، ليقبل عليه، ليعبده، ليتوكل عليه، الضعف وسام شرف له، عفواً إذا كومبيوتر ثمنه حوالي خمسين مليوناً لتحليل الدم، لو فرضنا جاء التيار شديداً فحرقه كله، يصنعون وصلة ضعيفة اسمها فيوز، هذه الوصلة من أرفع شريط كهربائي، إذا جاءت الكهرباء أعلى مما ينبغي تسيح وتنقطع الكهرباء عن الكومبيوتر، الضعف في الإنسان فيوز.
المذيع:
 قبل أن نتحدث عن مضامين الآية العامة ممكن أن نتحدث عن المعنى الإجمالي لهذه الآية:

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأنعام: 116 ]

بطولة الإنسان أن يكون مع الأقلية المؤمنة لا مع الأكثرية التائهة :

الدكتور راتب:
 البطولة والذكاء والتفوق والتوفيق أن تكون مع الأقلية المؤمنة لا مع الأكثرية التائهة، لا تقل: أنا مع الناس، قل: أنا مع المؤمنين، أنا مع الحق وليس مع الباطل، الباطل قوي، والباطل واسع، الحقيقة الآن الرقعة للباطل كبيرة جداً، والعمق كبير جداً، والعالم كله يؤمن بالباطل.
المذيع:
 غربة المؤمن في آخر الزمان.

غربة المؤمن وسام شرف له في آخر الزمان :

الدكتور راتب:
 وسام شرف له، إذا شعرت بالغربة فأنت مؤمن، فرضاً لو فرضنا دائرة فيها مئة موظف، التسعة والتسعون يقبضون رشوة، فأنت في غربة بينهم، وهذه الغربة وسام شرف لك، أنت نظيف، أنت مؤمن بالله، لا تأكل مالاً حراماً، لا تربط مصلحة المواطن بمبلغ يدفعه، تخاف من الله، فأنت غريب عن هؤلاء، والآن الغربة وسام شرف، وكلما شعرت بغربتك كنت أقرب إلى الله.
المذيع:
 الشعور بالغربة كيف؟
الدكتور راتب:
 لا يمنعك أن تكون لطيفاً عندك حلم، عندك نظر بعيد، ترأف بالناس، تتحمل الناس، تأخذ بيدهم إلى الله من دون عنف، خذ بيده إلى الله، انصحه، تكلم كلاماً خاطئاً لا تناقشه أمام الناس، هذه الفكرة غلط، انصحه، التعنيف لا يقدم ولا يؤخر.
المذيع:
 المضامين الكثرة ليست دليلاً على الحق..
الدكتور راتب:
 قال تعالى:

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأنعام: 116 ]

المذيع:
 ما هو سبب كثرة أهل الضلال في الأرض؟

 

سبب كثرة أهل الضلال في الأرض :

الدكتور راتب:
 لا، نحن حكم حظنا:

(( إِنَّ الإِسْلامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ))

[ سنن ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ]

 أناس صالحون في أهل سوء كثير، نحن حكم قدر الله لنا، أنا عفواً مخير لكن لست مخيراً في كوني ذكراً أم أنثى، ولا مخيراً بأمي وأبي، ولا بالعصر الذي أنا فيه، هذه الأشياء أنا مسير فيها، لكن يوم القيامة أكتشف أنها لصالحي، إذا شخص صلى وصام وعمل أعمالاً صالحة يتألق كثيراً الآن، تضعه مع الصحابة يكون منافقاً، خلقك في زمان مناسب لك، انظر أمك وأبوك لم تختر أنت أمك وأباك، وكونك ذكراً أم أنثى، وكونك متفوقاً أو وسطاً، أنت لم تختر، فكل شيء أنت ما اخترته فرض عليك تكتشف يوم القيامة أنه لصالحك، عبروا عنها ليس في الإمكان أبدع مما كان، عدلها الإمام الغزالي قال: ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني. تكتشف حقيقة بوقت معين أن كل شيء ساقه الله لك محض رحمة وحكمة وعدل ولطف، ما دليلها في القرآن الكريم؟

﴿ وآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الحَمْدُ لِلَّه رَبّ العالَمِينَ ﴾

[ سورة يونس: 10 ]

 آخر كلمة يقولها الإنسان مسلماً كان أو كافراً: الحمد لله رب العالمين، وليس في إمكاني أبدع مما أعطاني.
المذيع:
 شيخنا يوجد مقولة تنتشر بين الناس كثيراً أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت.

 

الصلة بالله تبعد الإنسان عن الأشياء التافهة :

الدكتور راتب:
 إمعة، بالضبط مياه سوداء، مياه مجار، والناس يسبحون بها فرحين، وأنت كنت في الحمام، وترتدي ثياباً بيضاء نظيفة، و قد عطرت نفسك، هل تنزل معهم؟ مستحيل وألف مستحيل، كلما نما الحس صار هناك طهر، إذا شخص له صلة بالله لا يتحمل مزاحاً رخيصاً، مزاحاً فاحشاً أبداً لا يتحمل، لذلك:

(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))

[أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري]

 دليل أقوى قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119 ]

 دليل آخر:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف:28]

 أخاطب الأخوة المستمعين إياكم أن تتوهموا أن معنى أغفلنا أي جعله غافلاً، معنى أغفلنا باللغة: وجدناه غافلاً، عاشرت القوم فما أجبنتهم ما وجدتهم جبناء، عاشرت القوم فما أبخلتهم ما وجدتهم بخلاء،

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ ﴾

 بمعنى من وجدناه غافلاً الله لا يمكن أن يخلق الغفلة عند إنسان، هذه مستحيلة على ذاته الكاملة.
المذيع:
 انتشر اليوم بين الناس الإيمان بالأكثرية وتغليبها على الأقلية فما حكم الشرع في هذا؟

 

الاعتماد على الشرع لا على الأكثرية في أي حكم :

الدكتور راتب:
 الحقيقة أنا عندي مقياس الشرع وليس الأغلبية، هذا المقياس جاءنا من الديمقراطية، عفواً الأكثرية ببلد في أوروبا اللواط مسموح به، هذه الأكثرية، وهذا خلاف الفطرة، الزنا خلاف النص، العلاقة مع المرأة خلاف النص زنا، أما اللواط فخلاف الفطرة، و اللواط مشرع في أوروبا.
المذيع:
 نختم بدقائق متبقية كيف للإنسان أن يتعامل مع هذه الآية في حياته اليومية؟

حاجة كل إنسان إلى حاضنة إيمانية :

الدكتور راتب:
 يجب أن يكون جالساً مع حاضنة إيمانية، يقيم علاقات حميمة وعلاقات عمل، علاقات العمل ليس عليها إشكال، لو كان المدير ملحداً تأتي على الوقت، أديت واجبك وخرجت، لا يوجد شيء يجمعك به، كن موظفاً مستقيماً إيجابياً معطاء ترقى عند الله، وعند الناس، أما نحن نتكلم عن علاقات حميمة، سهر لساعة متأخرة مع شخص متفلت ليس لك مصلحة، نزهة أربعة أيام مع شخص لا يصلي ليس لك مصلحة، لا يوجد به دين، لا تقم علاقة حميمة مع شخص بعيد عن الله، لأن الصاحب ساحب، ثم عندي مقياس شد الحبل، إذا جلست مع إنسان بعيد عن الله واستطعت أن تشده لعندك فابق معه، وإذا استطاع أن يشدك لعنده فاتركه فوراً.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، شكر الله لك شيخنا، والشكر موصول لكم أخواني على طيب المتابعة، وحسن الاستماع، نلقاكم غداً حتى ذلكم الوقت نترككم في حفظ الله ورعايته.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018