برنامج تحية الإفطار - الحلقة : 26 - ليلة القدر - طلب العلم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠27برنامج تحية الإفطار - قناة الرسالة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج تحية الإفطار - الحلقة : 26 - ليلة القدر - طلب العلم.


2019-05-31

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله بيته الطيّبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

من عرف الله عرف كل شيء :

 أيها الأخوة الكرم؛ يقول الله جلّ جلاله في محكم تنزيله:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾

[ سورة القدر: 1-5 ]

 في ضوء آيات أخرى نفهم ماذا تعني ليلة القدر، قال تعالى:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

[ سورة الزمر: 67 ]

 أن تعرفه حق المعرفة ، أن تقدره حق التقدير، أن تعرف عظمته، أن تعرف رحمته، أن تعرف كمالاته، أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته العلا، إن عرفت الله عرفت كل شيء، وإن فاتتك هذه المعرفة فاتك كل شيء.
 ولكن ليلة القدر خير من ألف شهر، الألف شهر تقترب من الثمانين عاماً، أي عبادة بلا إقبال، عبادة بلا معرفة، عبادة بلا فقه تساويها ليلة واحدة، قال تعالى:

﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾

[ سورة القدر: 3 ]

 انطلاقاً من قوله تعالى:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

[ سورة الزمر: 67 ]

 إذا أردت أن تعرف الله فالكون كتاب مفتوح، قال تعالى:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

[ سورة الزمر: 67 ]

 كل شيء في هذا الكون يدل على وجوده، ووحدانيته، وكماله، يدل على أسمائه الحسنى، وصفاته العلا، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.

الفرق بين العالم و العابد :

 لذلك هناك فقيه وهناك عابد، العابد عنده هشاشة في بنائه الإيماني، أية فتنة، أي إغراء، أية شبهة، أية شهوة قد تخرجه عن منهج الله، أما العالم فمتمسك بالعلم، باليقينيات، هناك يقين حسي، ويقين عقلي، ويقين إخباري، يعيش باليقينيات، عالم واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد، العابد مقاومته هشة، كأن العابد يقف على شاطئ بحر، قد تأتي موجة عاتية تأخذه إلى البحر، لكن العالم يقف على قمة جبل، بينه وبين البحر مسافات بعيدة، أكبر موجات البحر لا تستطيع أن تصل إليه، لذلك العلم أصل، والعبادة مقبولة، لكن العبادة قد تقبل في ظروف قديمة، الحق منتشر، الحق مسيطر، الحق مهيمن، أما في عصر فيه شبهات، فيه شهوات، فيه ضلالات، فيه انحرافات، فيه زيغ، فيه طروحات لا ترضي الله، فيه وسائل تواصل خطيرة جداً على الإنسان، فلا بد من التمسك بالعلم.
 مرة ثانية عالم واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد.

طلب العلم فرض على كل مسلم :

 قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ ﴾

[ سورة العلق: 1]

 أول كلمة، في أول آية، في أول سورة نزلت في القرآن الكريم:

﴿ اقْرَأْ ﴾

  أي اطلب العلم، الجماد شيء، وزن، حجم، طول، عرض، ارتفاع، يزيد عليه النبات بالنمو، يزيد عليه الحيوان بالحركة، أما الإنسان فيزيد على كل ذلك بقوة إدراكية أودعها الله فيه، هذه القوةٌ إدراكية لا بد أن تلبى بطلب العلم، والإنسان إذا عزف عن طلب العلم هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به.
 استمعوا جلياً استمعوا بدقة بالغة إلى وصف القرآن الكريم إلى من عزف عن طلب العلم، قال تعالى:

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[سورة النحل: 21]

 ميت مع أن نبضه جيد، ثمانون نبضة، ضغطه ثمان اثنتا عشرة، جيد، عند الله ميت، الذي لا يعرف الله ميت، الذي لا يبحث عن منهج الله ميت، الذي لا يعبد الله ميت، قال تعالى:

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[سورة النحل: 21]

 قال تعالى:

﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾

[ سورة المدثر : 50]

 قال تعالى:

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان : 44]

 قال تعالى:

﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة : 5 ]

 لذلك أيها الأخوة المشاهدون؛ خيارنا جميعاً مع العلم لا خيار وردة حمراء نزين بها صدورنا، بل خيار هواء نستنشقه، فإن لم نستنشقه فقدنا حياتنا.

على الإنسان أن يقرأ من أجل أن يؤمن و يعرف الحقيقة :

 لذلك اقرأ، ابحث عن الحقيقة، اعرف من أنت، اعرف ما مهمتك في الحياة، اعرف ما حقيقة الموت، ماذا بعد الموت، اعرف الدار الآخرة، اقرأ، اطلب العلم، أودع الله فينا إدراكاً، هذا الإدراك يلبى بطلب العلم، والذي عزف عن طلب العلم هبط عن مستوى إنسانيته، اقرأ لماذا؟ قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾

[ سورة العلق: 1]

 من أجل أن تؤمن، من أجل أن تعرف الله، أن تعرف عظمته، أن تعرف ربوبيته، أن تعرف ألوهيته، أن تعرف تشريعه، أن تعرف مدى السعادة التي تنالها إذا اقتربت منه، أن تعرف مدى الشقاء والهلاك الذي يصل لغير المسلم إذا وقع فيه، مدى الشقاء والهلاك لمن أعرض عنه، ينبغي أن تقرأ، اقرأ من أجل أن تؤمن، اقرأ بهدف الإيمان.

أنواع القراءات :

 اقرأ قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾

[ سورة العلق: 1-2]

 الآن هذه أول قراءة، القراءة الثانية قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾

[ سورة العلق: 3]

 منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، ومنحك نعمة الهدى والرشاد، قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَق* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ٍ ﴾

[ سورة العلق:1- 3]

 قال تعالى:

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان:1 ]

 أنت موجود، وفضلاً عن أنك موجود أمدك بوالدين، أمدك بطعام وشراب، أمدك بحواس، أمدك بقوة إدراكية، إذاً نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ثم أمدك بنعمة الهدى والرشاد، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك: 1]

 أعطاك هذا الكون، وهو الثابت الأول، أعطاك هذا العقل، أعطاك هذه الفطرة، أعطاك هذا التشريع، لذلك اقرأ قراءة بحث وإيمان، ثم اقرأ قراءة شكر وعرفان، ثم اقرأ قراءة وحي وإذعان، هناك منهج لله عز وجل خلقه، منهج تفصيلي افعل ولا تفعل، وهناك منهج نبوي فسر لك هذا المنهج الرباني، فلا بد من يقين حسي، ويقين عقلي، ويقين إخباري، ولا بد من أن تعلم علم اليقين بخلقه، وبأمره ونهيه، وبوحيه.

الدعاء :

 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ لكم إيمانكم، ويحفظ أهلكم، وأولادكم، وصحتكم، ومالكم، واستقرار بلادكم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018