برنامج منهج التائبين - الحلقة : 23 - فتنة – ابتلاء- المال. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠45برنامج منهج التائبين - قناة الرحمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج منهج التائبين - الحلقة : 23 - فتنة – ابتلاء- المال.


2019-05-28

مقدمة :

الدكتور بلال:
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 أخوتي، أخواتي؛ أينما كنتم بتحية الإسلام نحييكم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحن معاً في بداية حلقة جديدة من برنامجنا: "منهج التائبين" نترسم خطا هذا المنهج، مع فضيلة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي، السلام عليكم سيدي.
الدكتور راتب :
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بارك الله بكم.
الدكتور بلال:
 جزاكم الله خيراً، سيدي في اللقاء السابق تحدثنا أن هناك فتنتين، هما المدخلان الرئيسان للشيطان على الإنسان، الفتنة الأولى هي فتنة النساء، وقد تحدثنا عنها.
 اليوم ننتقل إلى الفتنة الثانية هي فتنة المال، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسألَ عن أربع: عن عُمُره فيم أفناه؟ شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟))

[الترمذي عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه]

 فلو نضيء على هذا الموضوع.

الابتلاء علة وجود الإنسان في الدنيا :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 الحقيقة أن كلمة فتنة في أصلها حيادية، الإنسان فُتن بالمال فنجح، إنسان آخر فُتن به فرسب، فهي بالأصل حيادية، امتحان، أحياناً الإنسان لا ينجح، فإذا أكل المال الحرام لينفقه على أهله فُتن بالمال ورسب، لذلك أصل حياتنا في الدنيا الابتلاء.

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾

[ سورة الملك:2]

 الابتلاء علة وجودنا، والبطولة ليس ألا تبتلى بل أن تنجح في الابتلاء.

﴿ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنين: 30]

 فأنا لا أتصور إنساناً يمكن أن يصل إلى الجنة من دون ابتلاء، سيدي الأنبياء والمرسلون، النبي الكريم قال:

(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثلاث من بين يوم وليلة ومالي طعام إلا ما واراه إبط بلال))

[الترمذي عن أنس بن مالك]

 فإذا كان سيد الخلق وحبيب الحق كان قد ابتلي ونجح، فنحن أن نتصور جنة بلا ابتلاء مستحيل، فالابتلاء علة وجودنا، والابتلاء قدرنا، والابتلاء سبب دخولنا الجنة، والابتلاء لابد منه، لكن البطولة أن ننجح في الابتلاء.
الدكتور بلال:
 أحد هذه الابتلاءات أن يبتلي الإنسان في ماله، ونلاحظ في الحديث كل الصيغ سؤال واحد إلا المال.

محاسبة الإنسان على اكتساب المال و على إنفاقه :

الدكتور راتب :

((من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟))

[الترمذي عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه]

 أي يحاسب في البنود السابقة من جهة واحدة، إلا في المال من جهتين، كيف اكتسبه؟ اكتسبه حلالاً، باع بضاعة جيدة بسعر معتدل؟ نصح المشتري أم غشه أم أوهمه أم دلس عليه؟ أنا أعتقد أن معاصي البيع والشراء تقترب من مئة، البطولة من دخل الأسواق أكل الربا شاء أم أبى، من غير فقه، من دون فقه، فالقضية خطيرة، قضية جنة، قضية أبد، قضية امتحان، فلابد من طلب العلم.
 إن أردت الدنيا فعليك بالعلم، إن أردت الآخرة فعليك بالعلم، إن أردتهما معاً فعليك بالعلم.
الدكتور بلال:
 ما معنى الحلال الطيب؟

﴿ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾

[ سورة المؤمنون: 51]

الحلال الطيب هو ما تحلو به النفس و تطيب :

الدكتور راتب :
 والله أنا أفهم الحلال من صيغة الحلال، تحلو به النفس، مال حلال فيه سعادة، فيه طمأنينة، فيه علاقة زوجية طيبة، فيه علاقة أبوية طيبة، فيه علاقة مع الآخرين طيبة، فيه تفاؤل، لا يوجد به قهر، ولا تشاؤم، ولا سوداوية، ولا حالة عصيبة غير مقبولة، هذه كلها أنا أسميها فيما أرى أعراض الإعراض، في الإعراض عن الله يوجد مشكلات، عصبي المزاج، عنيف، يغضب بلا سبب، يرضى بأتفه سبب، في منتهى القسوة مع أهل بيته، مع أن أهل البيت أولى بالمودة.
الدكتور بلال:
 وعندما يقول تعالى:

﴿ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾

[ سورة المؤمنون: 51]

 الطيبات ما هي؟
الدكتور راتب :
 ما تطيب به النفس، أحياناً الإنسان بدافع من ذكائه، من حرصه على أرباحه، يتخلق بأخلاق طيبة بالبيع والشراء، أنا أسميها تجاوزاً بزنس، أين أخلاقه الحقيقية؟ في البيت، ورد في بعض الآثار:

((خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي))

[الترمذي عن عائشة رضي الله عنها]

 بالبيت أنت أعلى إنسان، لا يوجد فوقك شيء، لا تخشى على سمعتك، ولا على عملك، ولا على أرباحك، فالبطولة، والتفوق، والنجاح مع الله أن تكون في البيت كما يرضي الله عز وجل.

((خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي))

[الترمذي عن عائشة رضي الله عنها ]

الدكتور بلال:
 إذاً الحلال الطيب أشتري بمال حلال، وهو في الأصل حلال.
الدكتور راتب :
 هو أن يكون المال حلالاً في كسبه، حلالاً في إنفاقه، حلالاً في شكره، حلالاً في اعتدال الإنفاق، دائماً الفضيلة وسط بين طرفين، التهور لا يليق بالإنسان، والجبن لا يليق، الإنفاق الزائد إسراف، والتقتير بخل، كأن الفضيلة وسط بين طرفين، أو كأنها نقطة في دائرة، أبعادها مع المحيط متساوية.
الدكتور بلال:
 سيدي المال قوام الحياة، كما:

﴿ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً ﴾

[ سورة النساء: 5]

 تقوم به حياتنا، ما موقف الإنسان؟ هل ينبذ المال؟

العمل الصالح علة وجود الإنسان في الدنيا :

الدكتور راتب :
 والله أنا أرى أن المال قوة.

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف))

[مسلم عن أبي هريرة]

 لماذا؟ لأن علة وجود الإنسان في الدنيا العمل الصالح، والدليل الإنسان إذا اقترب أجله، أو وصل إلى أجله:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون: 99-100]

 فبعد الإيمان بالله واليوم الآخر العمل الصالح علة وجودنا الأولى والوحيدة في الدنيا، العمل الصالح يحتاج إلى مال، إلى قوة، أنا أقول دائماً: إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً، لأن خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى، ولأن علة وجود الإنسان في الدنيا العمل الصالح، إذاً العمل الصالح يحتاج إلى مال، يحتاج إلى قوة، أحياناً قوة منصب بجرة قلم تحق حقاً، قوة مال، قوة علم.

(( المؤمن القويُّ ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 إما بعلمه، أو بماله، أو بمنصبه.

((خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير))

[مسلم عن أبي هريرة]

 جبار الخواطر اللهم صلِّ عليه.
الدكتور بلال:
 صلى الله عليه وسلم.
 سيدي أنتقل إلى آية متعلقة بالمال أيضاً، يقول تعالى:

﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾

[ سورة البقرة:188]

 لماذا يقول أموالكم؟

مال أخيك هو مالك فعليك المحافظة عليه :

الدكتور راتب :
 والله أحياناً يوجد ملامح لا تقدر كما ينبغي.

﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ ﴾

[ سورة البقرة:188]

 لأن المعنى الدقيق أن مال أخيك هو مالك، بمعنى لو افتقر أنت مكلف أن تعطيه، مال أخيك في المؤدى مالك، فإذا أكلت ماله أفقرته، إن أفقرته أنت مكلف بإعطائه، طبعاً غير المسلم نفس الشيء، من غير الممكن أن يعامل الإنسان غير المسلم معاملة سيئة، دائماً وأبداً حينما يخطئ الإنسان مع مسلم فيما أتوقع يشار إلى اسمه بالذات، فلان أخطأ، أما إذا أخطأ مع غير المسلم فيشار إلى دينه، لا إلى اسمه، فأنت أيها المسلم في بلاد الغرب على ثغرة من ثغر هذا الدين فلا يؤتين من قبلك.
 أذكر إنساناً ركب مركبة بين لندن ومانشستر، أعطى السائق ورقة نقدية، رد له التتمة، عدها فإذا هي تزيد عشرين بنساً عما يستحق، كأنه دخل في صراع أن هذه شركة عملاقة معها أموال طائلة، أنا أولى بهذا المبلغ، لكن حمله إيمانه في النهاية أن يرد للسائق هذا الرقم، عندما ردّ له العشرين بنساً ابتسم السائق، لفت نظره ابتسامته، لمَ ابتسمت؟ قال له: والله أردت أن أتعبد الله في مسجدك، لكني أردت أن أمتحنك قبل أن آتي إليك، يقال: إن هذا الإنسان وقع مغشياً عليه، قال: يا رب كدت أبيع الإسلام كله بعشرين بنساً.
 فالإنسان ممتحن دائماً، ولاسيما إذا كان مظهره دينياً، أو إذا عرف عنه أنه صاحب دين، فالطرف الآخر يتمنى أن يمتحنه، فإذا امتحنه ورسب يرتاح، وسع الدائرة إذا رسب المؤمن في الامتحان اتسعت دائرة الباطل، يستأنس بإنسان آخر، أما إذا ضُيق عليه ونجح بالامتحان فتقوى دائرة الحق.
الدكتور بلال:
 سيدي قلتم إن الأساليب في كسب المال الحرام أو بإنفاق المال الحرام كثيرة جداً، هل من ضابط يضبطها؟ أي المال الحرام هو مثلاً منفعة؟

الكسب الحرام هو منفعة بنيت على مضرة :

الدكتور راتب :
 منفعة بنيت على مضرة.
الدكتور بلال:
 هذا ضابط الكسب الحرام.
الدكتور راتب :
 هذا أكبر ضابط، هذا الإنسان كذب في السعر، كذب في رأس ماله، أقسم بالله رأس ماله عال، باع القطعة، لكن هو انحجب عن الله عز وجل.
الدكتور بلال:
 هو انتفع وضرّ الآخرين.
الدكتور راتب :
 هو انتفع، والآخر ممكن أن يأخذ السلعة أقل بكثير، فلما أقسم له لم ينتبه أنه أقسم، وهذا الشيء جلب له مربحاً زائداً، لكن على حساب مال أخيه.
الدكتور بلال:
 أما الحلال فمنفعة متبادلة بين الطرفين.
الدكتور راتب :
 الحرام منفعة بنيت على مضرة، أما الحلال فمنفعة متبادلة.
الدكتور بلال:
 أيضاً أريد أن أعرج على قوله تعالى:

﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾

[ سورة البقرة:177]

 ما معنى حبه؟

ارتقاء الإنسان عند إنفاق المال للتقرب من الله :

الدكتور راتب :
 هذه لها معنيان، الإنسان يحب المال، ما دام يحب المال فإنفاق المال شيء ثمين، أنت أمسك حفنة من تراب أعطها لفقير هل ترقى عند الله؟ المال محبب، المال يحل لك مليون مشكلة، مع أنك بحاجة إليه، وقد يرفع مستوى معيشتك، أعطيته لإنسان فقير، أنفقت المال على حب الله، انطلاقاً من حبك لله، تقرباً لله عز وجل، أو أنفقته وأنت تحبه، أنفقت ما تحب، إما أن تعني الإخلاص لله، التقرب إلى الله بشيء ثمين أنفقته، أو أنك تحب هذا المال وأنفقته.
الدكتور بلال:
 إذاً الهاء إما أن تعود على المال.

﴿ وَآَتَى الْمَالَ ﴾

[ سورة البقرة:177]

 رغم محبته للمال، أو على حب الله، إخلاصاً لوجه الله تعالى.
الدكتور راتب :
 والمعنيان يصحان.
الدكتور بلال:
 جزاكم الله خيراً سيدي.
 إذاً الفقر غير مطلوب شرعاً، حتى نوضح للأخوة، أي أنا فقير زاهد، هل هذا صحيح؟

حاجة العمل الصالح إلى القوة :

الدكتور راتب :
 أنا أقول جواباً دقيقاً جداً: لأن علة وجودك الوحيدة في الدنيا العمل الصالح، والعمل الصالح يحتاج إلى قوة، والقوة قد تكون بالمال، وقد تكون بالعلم، وقد تكون بالمنصب، فالمال ثلث القوة، فإذا أيقن الإنسان أن علة وجوده هي العمل الصالح، فالمال يمكن أن ينشئ ميتماً، مستشفى، جمعية خيرية، يطعم الجياع، يعلم الجهلة، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق.

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
 جزاكم الله خيراً سيدي، وأحسن إليكم.
 أخوتي، أخواتي؛ لم يبقَ لنا في نهاية هذا اللقاء الذي طاب بحضوركم وبكلمات شيخنا الفاضل إلا أن أشكر لكم حسن المتابعة، سائلاً الله تعالى كل الخير، إلى الملتقى أستودعكم الله.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018