إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 01 - السكينة والحكمة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 01 - السكينة والحكمة.


2019-05-06

مقدمة :

المذيع :
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأخوانه، ومن سار على نهجه، واقتفى أثره، واستن بسنته، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين، أما بعد؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم أخواني وأخواتي أينما كنتم بكل خير، مرحباً بكم في برنامجكم اليومي: "ربيع القلوب" والذي يتهادى إلى مسامعكم عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من الدوحة، نسعد معكم في هذه السلسلة المباركة بعنوان: "ربيع القلوب" مع فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم شيخنا..
الدكتور راتب :
 أشكر لكم هذه الدعوة الكريمة، وهذا اللقاء الطيب، فإنه إن دلّ على شيء فعلى حسن الظن بي، وأرجو الله أن أكون عند حسن ظنكم، وأرجو الله أن يوفقني لما أردت من هذا اللقاء الطيب.
المذيع:
 شيخنا بارك الله بكم، يقول الله عز وجل:

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[سورة الرعد: 28]

 بداية شيخنا قبل أن نتحدث عن الوقفات التدبرية لهذه الآية لو حدثتمونا عن وجه مناسبة الآية هذه وما قبلها بارك الله بكم؟

 

السكينة أعظم عطاء إلهي على الإطلاق :

الدكتور راتب:
 إن الله تعالى يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال، للكثيرين من خَلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، فهذه السكينة التي تشير إليها الآية أعظم عطاء إلهي، تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، السكينة سعادة، توفيق، رضا، سرور، تطلع للمستقبل، والله لو أمضينا وقتاً طويلاً في الحديث عن فوائد السكينة لا ننتهي، أنا أقول: لعل السكينة أعظم عطاء إلهي على الإطلاق، تسعد بها ولو فقدت كل شيء، سيدنا يونس رآها في بطن الحوت، فكان أسعد الناس، سيدنا إبراهيم رآها في النار، في أصعب حالة يعيشها الإنسان إذا كان هناك سكينة انتهى الأمر، لذلك إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا وجد من فقدك؟ وماذا فقد من وجدك؟ ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحبّ إليك من كل شيء.
المذيع:
 هذه المناسبة التي تحدثتم عنها قبل قليل هداية الله تعالى لمن أناب، الله عز وجل يقول:

﴿ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾

[ سورة الرعد:27 ]

 من يضل الله؟

 

الإنسان هو المخلوق الأول والمكلف والمكرم :

الدكتور راتب:
 أولاً قبل أن نقول من يضل، الله عز وجل خلق المخلوقات جميعاً دفعة واحدة في عالم الأزل، وعرض عليهم جميعاً الأمانة، والدليل:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 فلما قبِل الإنسان حمل الأمانة كان عند الله المخلوق الأول رتبة، لأنه قبِل حمل الأمانة، فالمؤمن إذا عرف الله كان فوق الملائكة، رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة، وركِّب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركِّب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان، فالإنسان هو المخلوق الأول، والمكلف، والمكرم، مكلف بعبادة الله، والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحبّ إليك من كل شيء.
المذيع:
 شيخنا في قوله تعالى:

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[سورة الرعد: 28]

 ما سبب طمأنينة المؤمن؟

 

وصول المؤمن إلى ذات الله الكاملة سبب طمأنينته :

الدكتور راتب:
 قبل ذلك، كل شيء قبل أن تصل إليه تتوهم أنك تسعد به، فإذا وصلت إليه صغر حجمه عندك، قبل أن تشتري سيارة، قبل أن تتزوج، قبل أن تكون بوظيفة معينة، الشيء قبل الوصول إليه يتألق، فإذا بلغته.. السبب عميق جداً، أنت خلقت لمعرفة الله، نفسك مصممة تصميماً لا نهائي، مصممة كي تعرف الله، فإذا اخترت هدفاً نهائياً محدوداً، بيتاً، زوجة، وظيفة، تكتشف بعد حين أن هذا الشيء أقل منك بكثير، يأتي الملل، ويأتي السقم والضجر، لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 لا يملؤك إلا الله، لا يملأ طموحك إلا الله، لا تملأ خصائص نفسك إلا الله، إن عرفته عرفت كل شيء، هو لا نهائي، وأنت مصمم لا نهائي، مصمم لمعرفته، فالتصميم يتناسب مع هدفك الكبير، فإذا اخترت هدفاً نهائياً محدوداً يأتي الملل والسأم إذا لم يكن هناك معصية، إذا كان هناك معصية السأم والضجر والشقاء.
المذيع:
 وبالتالي سبب طمأنينة المؤمن؟
الدكتور راتب:
 أنه وصل إلى الله، وصل إلى كل شيء، إلى الذات الكاملة، أصل الجمال والكمال والنوال، ذات كاملة، كل ما في الكون من جمال مسحة من جماله، كل ما في الكون من قوة مسحة من قوته..
المذيع:
 شيخنا نفس المقطع قوله تعالى:

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾

[سورة الرعد: 28]

 يطرأ سؤال آخر؛ ما علامة إيمان المؤمن؟

 

السكينة مكافأة الله للمؤمن على إيمانه :

الدكتور راتب:
 الحقيقة مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تكون مؤمناً كما أراد الله ولا يلقي الله في روعك أنه يحبك، أنت لا تبتعد، ابنك جاءك بالجلاء فيه علامات تامة، وفيه ثناء على أخلاقه، ألا تضمه وتعانقه؟ ألا تعطيه مكافأة ودراجة؟ إله رآك مستقيماً، محباً لعباده، صادقاً، أميناً، عطوفاً، رحيماً، فالله له مكافأة، المكافأة نسميها السكينة، يتجلى على قلبك بالسكينة، فتسعد بها ولو فقدت كل شيئاً وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.
المذيع:
 شيخنا في معرض تفسيركم في قوله تعالى:

﴿ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود: 56 ]

 قلتم - جزاكم الله خيراً - هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.

 

الله بيده كل شيء فمن وصل إليه وصل إلى كل شيء :

الدكتور راتب:
 إذا أسلمك إلى غيره، إلى ظالم، لا يستحق أن تعبده، قال تعالى:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

[ سورة هود: 123 ]

 الأمر الـ للجنس، كله توكيد، فاعبده، متى أمرك أن تعبده؟ بعد أن طمأنك، حياتك بيده، الموت بيده، الغنى بيده، السعادة بيده، الصحة بيده، الزواج الناجح بيده، الأولاد الأبرار بيده، نجاحك في العمل بيده، سمعتك بيده، سعادتك بيده، كلها عنده، فإذا وصلت إليه وصلت إلى كل شيء..
المذيع:
 في قوله تعالى:

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[سورة الرعد: 28]

 لماذا قال الله: ألا بذكر الله تطمئن القلوب ولم يقل تطمئن القلوب بذكر الله؟

 

ذكر الله يطمئن القلوب و هذه قضية مصيرية تتعلق بسعادة الإنسان الأبدية :

الدكتور راتب:
 الحقيقة إذا قلنا: تطمئن القلوب بذكر الله لا يمنع أن تطمئن بالمال، أو أن تطمئن بالجاه، أو بالمنصب، أو بالصحة، أما هنا فيوجد حصر وقصر، أي مهما بلغت في الدنيا من قوة، ومال، ومكانة، وصحة، وإشراف، إن لم تصل إلى الله أنت لست مطمئناً، أي لا تطمئن القلوب إلا بذكر الله، يوجد قصر وحصر بهذه الصيغة، عندما قدمنا وأخرنا صار هناك قصر، مثلاً نعبد إياك- بالفاتحة - لا تمنع أن نعبد غيرك، نعبد بوذا مثلاً، أما إذا قلنا:

﴿ إِيّاكَ نَعبُدُ﴾

 لا نعبد إلا إياك، فيها قصر وحصر، هذه الصيغة، قال تعالى:

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[سورة الرعد: 28]

المذيع:
 كلمة ألا غيرت كل شيء..
الدكتور راتب:
 لكن هذه استفتاح بعدها كلام مهم، ألا، ضع خطاً أحمر تحت كلمة ألا، قضية مهمة خطيرة، قضية مصيرية متعلقة بسعادتك الأبدية، قال تعالى:

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[سورة الرعد: 28]

 هذه اسمها عند النحاة حرف استفتاح، انتبهوا هذا موضوع خطير، موضوع مصيري متعلق بالمستقبل.
المذيع:
 وبالتالي لو ملك الجاه والمنصب والمال بغير الطمأنينة في القلوب أو بغير ذكر الله...

 

الموت ينهي كل شيء :

الدكتور راتب:
 أولاً: الموت ينهي كل شيء، ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، وغنى الغني، وفقر الفقير، ووسامة الوسيم، ودمامة الدميم، وذكاء الذكي، وغباء الغبي، ينهي كل شيء، فالإنسان متعلق بالأبد، المشكلة الكبيرة الناس لو لم يؤمنوا بالآخرة مشكلة، والإنسان كلما تقدم بالسن اقترب من النهاية الحاسمة، إلا المؤمن، شخص خطه البياني صاعد، مثلاً درس أخذ ليسانس، تعين بوظيفة معينة، اشترى بيتاً، تزوج، اشترى سيارة، وسع بيته، بدل سيارته، اشترى بيتاً على البحر، خطه صاعد صاعد يأتي الموت للصفر، لا يوجد زوجة، ولا بيت، ولا سيارة، ولا منصب، ولا مال، ولا طعام، ولا شراب، يأتي المؤمن خطه البياني صاعد، والموت نقطة على هذا الخط الصاعد، والصعود مستمر إلى الجنة، لذلك المؤمن قبل أن يرى مقامه في الجنة يقول: لم أر شراً قط، كل ما ساقه الله له من متاعب ومصائب ينسه عندما يرى الجنة، والطرف الآخر إذا رأى مكانه في النار يقول: لم أر خيراً قط، يكون قد عاش ثمان وتسعين سنة، وعنده بيوت، وسيارات، ونساء، وسفر، وسياحة، يقول لك: لم أر خيراً قط، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

[سورة الزمر:15]

المذيع:
 شيخنا ما الذي يمنع القلوب من تمام الطمأنينة؟

 

الشهوة تمنع القلوب من تمام الطمأنينة :

الدكتور راتب:
 الشهوة حجاب بين العبد وربه، لكن ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة طاهرة تسري خلالها، لا يوجد حرمان، الشهوة مئة وثمانون درجة، أعطاك مئة وعشر درجات، تتزوج زوجة اثنتان ثلاث أربع، لست محروماً، أما الزنا فحرام، كل شهوة لها مجال مباح مسموح به، ومجال محرم، المحرم فيه عدوان، هذه زوجة، لها عندك مستقبل، لها أولاد منك، لها مكانة، كبرت صارت أماً ثم جدة، بكل مرحلة من المراحل المرأة لها مكانة اجتماعية معينة، أما لو أن إنسانة زلت قدمها فعندما زوى جمالها انتهت، بقيت في الطريق.
المذيع:
 شيخنا في نفس الآية لو ذكرنا المعنى الإجمالي لقوله تعالى:

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾

[سورة الرعد: 28]

الفرق بين اللذة و السعادة :

الدكتور راتب:
 أي مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تسعد بعيداً عن الله، تتلذذ، عندنا لذة وعندنا سعادة، اللذة حسية، تحتاج إلى وقت، وإلى مال، وإلى صحة، ولحكمة بالغة بالغة دائماً ينقصك واحدة، في البدايات يوجد صحة ووقت لكن لا يوجد مال، في منتصف الحياة يوجد مال وصحة لكن لا يوجد وقت، بعدما تقاعدت يوجد مال ووقت لكن لا يوجد صحة، هذه اللذة لحكمة بالغة بالغة تحتاج إلى ثلاثة شروط دائماً ينقصك واحدة، أما السعادة لمجرد أن تنعقد الصلة بالله فأنت أسعد الناس، وإن لم تقل: ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني يوجد مشكلة كبيرة مع الخالق، مع الرحيم، مع القوي، مع الغني، مع الحكيم، مع أصل الجمال في الكون، وأصل النوال، وأصل الكمال، مع الذات الكاملة.
المذيع:
 شيخنا كيف لنا أن نفهم أن العبادة محصورة بخالق الأكوان فقط والاستعانة مقصورة على الله تعالى فحسب؟

عبادة الله تنعكس على العبد سعادة و توفيقاً و نجاحاً :

الدكتور راتب:
 لأنه لا يمكن أن تعبد جهة ليست خالقة لك، لأنه الله قال:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14 ]

 الجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة الخبيرة بما يسعدك وما يشقيك، إن عبدت غيره، إن عبدت إنساناً قوياً يهمه أن يكون ولاؤك له فقط، أما أنت فسعيد، شقي، في بيتك، في مستقبلك، ليس له علاقة، أما الله عز وجل فإن عبدته انعكست عبادتك له سعادة، توفيقاً، زواجاً ناجحاً، مستقبلاً رائعاً، أولاداً أبراراً، زوجة صالحة، ابن آدم اطلبني تجدني، والله لو أمضينا الوقت كله في تعداد فضائل العلاقة بالله لن ننتهي، مع الأصل، مع الخالق، مع البارئ، مع المصور، مع الجميل، مع الحكيم، مع الرحيم.
المذيع:
 ارتباط الذكر بالفضائل التقوى واليقين والتوكل والإنابة...

 

ارتباط الذكر بالفضائل :

الدكتور راتب:
 يوجد ارتباط أريد أن أقول لك كلمة دقيقة، لو أن بيتاً له بابان، والأب أعطى أمراً أن الباب الذي يوصل إلى غرفة الضيوف ممنوع استعماله، والباب الثاني مسموح، هذا أمر وضعي، الأب وضعه، أما لو أن ابنه دخل من باب غرفة الضيوف، ما كفر، دخل من باب للدخول لكنه خالف أمراً وضعياً، أما لو أن الأب قال لابنه: إياك أن تضع يدك على المدفأة وهي مشتعلة، العلاقة بين وضع اليد واحتراق اليد علاقة علمية، علاقة سبب بنتيجة، لو أن الأب نهى ابنه أن يضع إصبعه على المدفأة وهي مشتعلة ووضعها تحترق، نقول: هناك علاقة علمية، أنا إيماني بكل خلية في جسمي، وبكل قطرة في دمي، أن العلاقة بين الأمر الإلهي ونتائجه علاقة علمية، وليست علاقة وضعية، الطاعة نفسها فيها بذور السعادة، والمعصية نفسها فيها بذور الشقاء، ليس الشقاء عقاباً، لا، المعصية نفسها فيها شقاء بحد ذاتها، العمل فيه بذور السعادة والشقاء، العلاقة بين الطاعة ونتائجها علاقة علمية، علاقة سبب بنتيجة، عندما غض بصره سعد بزوجته، عندما كان دخله حلالاً سعد بماله، عندما ربى أولاده سعد بهم، صاروا أبراراً، لا يوجد أمر إلهي إلا نتائجه ضمنه، مبطنة به.
المذيع:
 لذلك الذكر كان من فضائله ونتائجه التقوى..

 

الذكر أوسع كلمة في الإسلام :

الدكتور راتب:
 الذكر أوسع كلمة، الصلاة ذكر، أن تقرأ القرآن ذكر، أن تتفكر في خلق السماوات والأرض ذكر، أن تجلس مع أولادك تنصحهم ذكر، أن تحضر خطبة جمعة ذكر، أوسع كلمة يتجلى فيها نشاط الإنسان هي الذكر، لكن الله قال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾

[ سورة الأحزاب: 41 ]

 لأن المنافق ماذا قال الله عنه؟

﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[ سورة النساء:142]

 ضع تحت كلمة كثيراً أربعة خطوط، الأمر ينصب على الذكر الكثير.
المذيع:
 في هذه الآية ما المقصود بالذكر؟
الدكتور راتب:
 مطلق الذكر، عندنا قاعدة أصولية، المطلق في القرآن على إطلاقه، القرآن ذكر، والدعوة إلى الله ذكر، والاستماع لداعية ذكر، والصلاة ذكر، والصيام ذكر، وأن تجلس مع أولادك جبراً لخاطرهم مساء ذكر، وأن تجلس مع زوجتك تحدثها نصف ساعة ذكر، تفرغ نفسك في اليوم لها نصف ساعة، غائب عنها حوالي اثنتي عشرة ساعة، يأتي رأساً ضعي الطعام أريد أن أنام، اجلس معها نصف ساعة هذا أيضاً ذكر، هذه أوسع كلمة في الإسلام، الجلوس مع جارك ذكر، مع الوالدة ذكر، ترسل لها السائق ليجلب لها ما تحتاج من أغراض، هي لا تريد السائق تريدك، ما الدليل؟ قوله تعالى:

﴿ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾

[ سورة البقرة:178 ]

 إليه تأخذ الهدية بنفسك لا عن طريق السائق.
المذيع:
 لفتة جميلة شيخنا بما أننا تحدثنا عن الذكر في هذه الزاوية لو تحدثنا عن لفظ الذكر في القرآن الكريم.

 

لفظ الذكر في القرآن الكريم :

الدكتور راتب:
 جاءت بآيات كثيرة، أما أوضح آية وأهم آية:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾

[ سورة الأحزاب: 41 ]

 فالذكر واسع جداً، قمت صليت ذكر، تفكرت في خلق السماوات والأرض ذكر، حدثت ابنك عن الدين ذكر، جلست مع زوجتك تؤنسها ذكر، تطيب قلبها ذكر، كلمة واسعة جداً، تدور مع الإنسان حيثما دار.
المذيع:
 شيخنا ذكر الله سلاح المؤمن، كيف يكون؟

 

ذكر الله سلاح المؤمن :

الدكتور راتب:
 أنت عندما ذكرته اتصلت به، عندما اتصلت به أعطاك قوة، أعطاك حكمة، أعطاك رؤية، أعطاك توفيقاً، أعطاك كلاماً سديداً، أعطاك تفكيراً عميقاً، أعطاك حكمة، و الحكمة أكبر عطاء إلهي، أنت بالحكمة تجعل العدو صديقاً، ومن دون حكمة تجعل الصديق عدواً، بالحكمة تسعد بأي زوجة، من دون حكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى، أنت بالحكمة تدبر أمرك بالمال القليل، من دون حكمة تتلف المال الكثير، أكاد أقول لك: إن أعظم عطاء إلهي على الإطلاق الحكمة، الحكمة لا تؤخذ، لكنها تؤتى، أكبر مكافأة من الله، قال تعالى:

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة: 269 ]

المذيع:
 صفات الذاكرين.

 

صفات الذاكرين :

الدكتور راتب:
 الذاكر متألق، الذاكر مستنير بنور الله، بالضبط تماماً تمشي في طريق فيه حفر، وأكمات، وصخور، وأفاع، وعقارب، ووحوش، الذكر نور، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

[ سورة الحديد: 28 ]

 أنت معك نور تدخل إلى بيتك معك نور، هناك إنسان طلق زوجته لسبب تافه جداً، عنده خمسة أولاد، بساعة غضب، أنت معك نور، النور يزودك بالحكمة، يعمل لك هدوءاً، يعمل لك حلماً، يعمل لك صبراً، يعطيك خصائص كبيرة، عندما ذكرت الله أعطاك الله صفات راقية جداً، هذا الذكر، دخلت إلى البيت استعذت بالله، السهرة طيبة اليوم، لا يوجد لسبب تافه طلقت زوجتك، عندما دخلت إلى البيت ذكرت الله، خرجت من البيت أكرمني يا رب، ألهمني الصواب في عملي، تجد أحياناً غلطة في العمل فقد وظيفته بساعة غضب، إذا استعذت بالدخول، وبالخروج، وقبل أي عمل، وقبل أداء أي مهمة، يا رب إنني تبرأت من حولي وقوتي وعلمي، والتجأت إلى حولك وعلمك وقوتك يا ذا القوة المتين، أنا أقول: كلما افتقرت إلى الله تأخذ عطاء مذهلاً، الصحابة الكرام قمم البشر وصفوة البشر في بدر افتقروا فانتصروا، هم هم وفيهم سيد البشر في حنين اعتدوا بعددهم فلم ينتصروا، قال تعالى:

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 25 ]

 أي ملخص الملخص الملخص تقول: الله، يتولاك، تقول: أنا، يتخلى عنك.
المذيع:
 وهذا الفارق البسيط في غزة بدر وحنين، هذا أيضاً يقودنا للسؤال عن الإعراض عن ذكر الله، وربما في قوله تعالى..

 

ضيق القلب عاقبة الإعراض عن ذكر الله :

الدكتور راتب:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 إله، زوال الكون أهون عليه من ألا تحقق هذه الآية، كيف؟ بيل غيتس يملك مئة وثلاثة وثمانين ملياراً، والثاني رئيس وزراء اليابان حكم سبعين سنة، يوجد مناصب عالية جداً، و ثروات طائلة، سأل أحدهم: ما معنى معيشة ضنكاً وهو غني جداً أو قوي جداً؟ فكان الجواب: ضيق القلب، لا يوجد سعادة، هو بمنصب رفيع لكن لا يوجد سعادة، ضيق القلب، السؤال هو:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 سأل أحدهم عالماً جليلاً فما بال الأقوياء والأغنياء مع المعيشة الضنك؟ فكان الجواب: ضيق القلب.
المذيع:
 شيخنا نختم بآخر محور ما التطبيق العملي لهذه الآية في حياتنا اليومية؟

 

حاجة كل إنسان إلى حاضنة إيمانية :

الدكتور راتب:
 أنا أتوقع أن الإنسان ما لم تكن له حاضنة إيمانية لا يستطيع أن يقوم بهذا العمل، ما معنى حاضنة؟ يحتاج إلى أصدقاء مؤمنين، سهرة مع مؤمنين، نزهة مع مؤمنين، سهرة لا يوجد بها اختلاط، لا يوجد بها امرأة لا تحل لك أن تراها، أحياناً أنت جالس مع مؤمنين بحاضنة إيمانية تَسعد وتُسعد، إذا كان هناك خطأ باللقاءات فهنا مشكلة كبيرة.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، جزاك الله شيخنا، شكر الله لكم، والشكر موصول لكم أخواننا وأخواتي على طيب المتابعة، وجميل الاستماع، نلقاكم في حلقة الغد حتى ذلكم نترككم في حفظ الله ورعايته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018