برنامج منهج التائبين - الحلقة : 19 - مظاهر ضعف الايمان2- حب الشهرة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠45برنامج منهج التائبين - قناة الرحمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج منهج التائبين - الحلقة : 19 - مظاهر ضعف الايمان2- حب الشهرة.


2019-05-24

مقدمة :

الدكتور بلال:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلاةً وسلاماً على نبينا عليه أتم الصلاة وأتم التسليم.
 أخوتي، أخواتي؛ أينما كنتم أسعد الله أوقاتكم بكل خير، نحن معاً في مستهل حلقة جديدة من برنامجنا: "منهج التائبين" نترسم به خطا التائبين وصولاً إلى مرضاة ربنا رب العالمين، رحبوا معي بفضيلة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي، السلام عليكم سيدي.
الدكتور راتب :
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بارك الله بكم.
الدكتور بلال:
 حياكم الله سيدي.
 نتابع اليوم في قضية مظاهر ضعف الإيمان، نحن سألنا سؤالاً مهماً سيدي في الحلقات أريد أن أتوب ولكن، سؤال شبابي وعام.
 ولكن كان الجواب أن هناك ضعفاً في الإيمان، وتحدثناعن أسباب ضعف الإيمان ثم انتقلنا إلى مظاهر ضعف الإيمان، واليوم نتابع في مظاهر ضعف الإيمان.
 من مظاهر ضعف الإيمان حب الشهرة، يريد أن يظهر في أي مكان، يريد أن يكون له شأن كبير، ما تعليقكم؟

مظاهر ضعف الإيمان :

1 ـ حبّ الشهرة :

الدكتور راتب :
 الإنسان بالأساس يحتاج إلى الطعام والشراب، حاجة أساسية، حفاظاً على بقائه كفرد، ثم يحتاج إلى الزواج حفاظاً دون أن يشعر على بقاء النوع، ثم يحتاج إلى التفوق حفاظاً على بقاء الذكر، لكن بقاء الذكر يلبى بالإيمان، بالدعوة إلى الله، بالتفوق، بالعمل الصالح، أما يريد أن يلبيه بأساليب أخرى، يكون مشهوراً، له مكانة كبيرة، يحس بالتفوق.
الدكتور بلال:
 يشار إليه بالبنان.
الدكتور راتب :
 ما من شهوة إلا لها قناة نظيفة طاهرة، ولها قناة أخرى، فالإنسان يرتكب أشياء ليحصل على الترف، لأن الترف الغير معقول يُشهر، لكن اسأل شخصاً ملك سبعمئة مليار ماذا قال على فراش الموت؟ قال: هذا الرقم لا يعني عندي شيئاً.
 الذي صمم جسر اسطنبول الأول، مهندس ياباني كبير جداً، أثناء افتتاح الجسر كان إلى جانب رئيس الجهورية، ألقى نفسه بالبوسفور منتحراً، ذهبوا إلى غرفته بالشيراتون كتب ورقة قال فيها: ذقت كل شيء في الحياة لم أجد لها طعماً أردت أن أذوق طعم الموت.
 معنى هذه الدنيا لا تملأ نفس الإنسان، السبب في تصوري الإنسان خلق لمعرفة الله، الله لا نهائي، أعطاه نفساً لا نهائية، هذه النفس لا تسعد إلا إذا عرفت ربها، أما أي شيء دون الله فهو محدود، كل إنسان اقتنى سيارة بعد حين عادية، تزوج الزواج عادي، ارتقى لمنصب رفيع الارتقاء عادي، سكن ببيت رائع جداً، السكنة عادية، أي ما سمح للدنيا أن تمد الإنسان بسعادة متنامية، ولا مستمرة، بل متناقصة.
الدكتور بلال:
 حتى يشتاق للقاء الله.

الفرق بين السعادة و اللذة :

الدكتور راتب :
 إلا إذا عرفت الله فسعادتك متنامية، لأن الله لا نهائي، وأنت بالأصل تصميمك لا نهائي، فلما اخترت الله عز وجل، هذا الاختيار يتناسب مع طاقتك اللا نهائية، من هو الذي يمل في الحياة؟ يسأم؟ يضجر؟ لا يحتمل؟ لا يعجبه بيت، ولا سيارة، ولا مكان، ولا سهرة، ولا وليمة؟ رأى أشياء كثيرة، بتعريف دارج يَقرف ويُقرف، إلا الذي عرف الله عرف هدفه الكبير، هو مصمم ليعرف الله.
 لذلك المؤمن في سعادة مستمرة، سعادة متنامية، هذه السعادة غير اللذة، اللذة شيء آخر، اللذة حسية تحتاج إلى وقت، وإلى صحة، وإلى مال، ولحكمة بالغةٍ بالغةٍ بالغة في البدايات يوجد صحة لكن لا يوجد مال، يوجد وقت و صحة لكن لا يوجد مال، بالوسط يوجد مال وصحة لكن لا يوجد وقت، تقاعد المعمل استلمه ابنه يوجد وقت ومال لكن لا يوجد صحة لحكمة بالغةٍ بالغة، اللذة تحتاج إلى ثلاثة عناصر دائماً ينقص واحدة، أما السعادة لمجرد أن تعقد علاقتك بالله فأنت أسعد الناس، وإن لم تقل: ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني هناك مشكلة، أنت مع الخالق، مع القوي، مع الجميل، مع الرحيم.

فـلو شاهدت عيناك من حسننــــا  الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنـــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة  لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
ولــــــــو لاح من أنوارنا لك لائح  تركت جميع الكائنات لأجلنـــــــــــــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعـــى  سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنـــــــــــــا
***

 أي الاتصال شيء رائع جداً، كأني أتصور أن الصحابة الكرام اتصلوا بالله أعلى صلة فسعدوا وأسعدوا.
الدكتور بلال:
 أما حب الشهرة فلا يسعد.
الدكتور راتب :
 لا أبداً، بل يكون حجاباً بينك وبين الله.
الدكتور بلال:
 والإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، إلا من أخذها بحقها.
الدكتور راتب :
 لكن مرة اطلعت على نص جديد، قال له: يا رسول الله، استعملني، أبو ذر الغفاري، اجعلني والياً، قال له: إنك ضعيف، قبل أسبوعين أو ثلاثة عثرت على نص آخر: إنك ضعيف مثلي، انظر إلى التواضع من رسول الله، إنك ضعيف مثلي.
الدكتور بلال:
 جبر خاطره، سيدي أيضاً من مظاهر ضعف الإيمان الشح والبخل.

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الحشر : 9]

 لماذا هذا الشح في النفس؟

2 ـ الشح و البخل :

الدكتور راتب :
 عندنا مرض خبيث ينهي حياة الإنسان هو الورم الخبيث، أنا أتصور كما أن المرض الخبيث ينهي حياة الإنسان الشح مرض خبيث يصيب النفس.

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾

[ سورة الحشر : 9]

 إذا توقى الإنسان من شح نفسه فهو مفلح، وإلا كان خاسراً، فهذا البخل مرض نفسي، الشح، الأثرة، وليس المؤاثرة، حب التمتع بالحياة، حب التفوق فوق الجميع، يكون لك بيت ليس كالبيوت، هذا الشيء التمتع بالحياة الدنيا بوضع غير معتدل، بوضع أكبر مما ينبغي.
الدكتور بلال:
 إذاً أيضاً الشح والبخل من مظاهر ضعف الإيمان، وهذه من صفات المنافقين ولكن أحياناً تصيب بعض المؤمنين، أنه يفرح بمصيبة نزلت بأخيه.
الدكتور راتب :

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾

[ سورة التوبة : 50]

 أنا أقول وكأنني واثق من قولي: إن جاء لأخيك منصب، شهادة عليا، زواج ناجح، دخل جيد، إن لم تفرح له كما لو كانت لك هناك استفهام على إيمانك، لماذا؟ صفة المنافقين:

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾

[ سورة التوبة : 50]

 شيء دقيق جداً، علامة الإيمان الصحيح أن تفرح لأخيك المؤمن، لأن قوة أخيك قوة لك.
الدكتور بلال:
 أما إذا كان العكس يفرح بمصيبة والعياذ بالله نزلت بأخيه.
الدكتور راتب :
 نحن قلنا عدم الفرح مشكلة، فكيف الفرح بالمصيبة؟ مشكلة أكبر، أي وضع نفسه مع المنافقين دون أن يشعر.
الدكتور بلال:
 أيضاً من مظاهر ضعف الإيمان الوقوع في الشبهات، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن))

[متفق عليه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه]

 لكن تبقى دائرة الشبهات التي هي بين الحلال والحرام.

((وبينها أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس))

[متفق عليه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه]

 ما هي الشبهات؟ كيف يقع بها الإنسان؟

3 ـ الوقوع في الشبهات :

الدكتور راتب :
 كلمتان خطيرتان: الشهوات، والشبهات، الشهوات سلوكية، والشبهات أيديولوجية عقدية. مثلاً لو قلنا: أعطِ فلاناً ألفاً وخمسمئة درهم، واضحة، قطعية الدلالة، أما لو قلت لأحدهم: أعطِ فلاناً ألف درهم ونصفه، الهاء على من تعود؟ إما على الألف أو على الدرهم، هذا النص الاحتمالي امتحان للإنسان، الفرائض غطاها الله بنصوص قطعية الدلالة، الفرائض والمحرمات، أما ما سوى ذلك لحكمة بالغةٍ بالغة فغُطيت بنصوص ظنية الدلالة، هذه النصوص مرنة تدور مع الإنسان في غناه وفقره، في قوته وضعفه، في صحته ومرضه، في تألقه وفي انغماره، فهذا الدوران يغطيه نصوص ظنية الدلالة، أي في بحبوحة فهم النص ألفاً وخمسمئة، في ضائقة فهمه ألفاً ونصف درهم.
الدكتور بلال:
 أما المؤمن إذا وجد بالأمر شبهة ولو شيء من حرام فيدعه ولو كانت شبهات.
الدكتور راتب :
 المؤمن الصادق المستقيم لأنه أحكم الصلة بربه سعد بها سعادة كبيرة، يخشى على هذه الصلة أن يخسرها.
الدكتور بلال:
 ولو بشبهة من مال.
الدكتور راتب :
 يبتعد عن هذه الشبهات خوفاً من ضياع هذه الصلة بالله عز وجل، أي الله كبير لو أنك آثرت مصلحة صغيرة جداً على رضاء الله هو أكبر من أن يسمح لك أن تقبل عليه.
الدكتور بلال:
 أيضاً سيدي من مظاهر ضعف الإيمان، وهذه منتشرة اليوم لذلك أريد أن نركز عليها: أنه يحاكم كل الأمور إلى عقله، فالحسن ما رآه العقل حسناً، والسيئ ما رآه العقل سيئاً، فكل قضية تعرض عليه يقول لك: لم أفهمها بعقلي فيدعها، وكأنه يعبد عقله من دون الله، ما علاقة العقل بالنقل؟

4 ـ محاكمة الأمور إلى عقله فقط :

الدكتور راتب :
 الحقيقة أن النقل وحي السماء، من المطلق، من اللا محدود، والعقل مقياس أرضي، لو فرضنا أيقظنا إنساناً مات قبل مئة عام، أطلعناه على جهاز كمبيوتر، هذا الكمبيوتر بتعريف حديث رفع الدقة من واحد لمليون، خفض الجهد من مليون لواحد، ارتفع سعره، تطور من دراجة إلى روز رايز، وانخفض سعره من روز رايز لدراجة، لا يقبل، لا يصدقه، لأن عقله مرتبط بوقت مماته.
 فالعقل محدود بالواقع، محدود بالمعطيات التي عاشها الإنسان، وحي السماء من الله عز وجل، فعلم الله علم أزلي أبدي، علم مطلق، فأنا أتهم عقلي ألف مرة إذا اختلف مع النص الشرعي، النص الشرعي الأصل، هو وحي السماء، من المطلق، مطلق طلاقة كاملة في العلم، والحكمة، وكل شيء.
أما عقلي فمحدود، أي مثل عقل سيارة، تركبها إلى شاطئ البحر، لكن لن تستطيع السفر بها في البحر، العقل أوصلك إلى البحر، الآن أنت مع الله.
الدكتور بلال:
 جزاكم الله خيراً، هذا ملمح لطيف يقوله ابن القيم رحمه الله، قال:

﴿ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾

[ سورة التوبة:42-43]

 قال هذا عقل:

﴿ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾

[ سورة التوبة:42-43]

 قال له:

﴿ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة التوبة:43]

 هذا نقل، قال: فلما عارض بعقله النقل:

﴿ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 43]

 فكل من عارض بعقله النقل غرق في بحور الأهواء والظلمات.
الدكتور راتب :
 لكن تعليق سريع: العقل من خلقه؟ الله، والنقل من جاء به؟ من الكتاب والسنة، فالمصدر واحد، في الأصل لا يمكن أن يتناقض العقل مع النقل.
الدكتور بلال:
 لكن لو توهم فالأصل هو الله.
الدكتور راتب :
 يكون النقل غير صحيح، أو العقل غير صريح.

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
 جزاكم الله خيراً سيدي، وأحسن إليكم.
 أخوتي، أخواتي؛ شكر الله لكم حسن المتابعة، نلقاكم دائماً على خير حال، إلى الملتقى أستودعكم الله.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018