برنامج منهج التائبين - الحلقة : 17 - أسباب ضعف الايمان2- الانشغال بالدنيا - طول الأمل. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠45برنامج منهج التائبين - قناة الرحمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج منهج التائبين - الحلقة : 17 - أسباب ضعف الايمان2- الانشغال بالدنيا - طول الأمل.


2019-05-22

مقدمة :

الدكتور بلال:
بسم الله:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ *عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن: 1-3]

 والصلاة والسلام على النبي العدنان، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان.
 بتحية الإسلام نبدأ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى: "منهج التائبين" نسير إن شاء الله إلى رضا مولانا رب العالمين، بصحبة فضيلة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي، السلام عليكم سيدي.
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الدكتور بلال:
 سيدي الفاضل في اللقاء السابق- وحتى أجمع الموضوع للأخوة الأكارم- بينتم أن ما يعاني منه الشاب حينما يريد أن يتوب فلا يستطيع، الشاب على وجه الخصوص، والناس عموماً، أن هناك ضعفاً في الإيمان، فهذا عرض لمرض، مرض الإعراض عن الله أو ضعف الإيمان، ثم بدأنا نبحث في أسباب هذا المرض فتحدثنا عن بعض الأسباب كالبعد عن الأجواء الدينية، كالمجتمع الفاسد، ثم تحدثنا عن الانشغال بالدنيا، وتوقفنا هنا، لكن أريد أن نتابع في موضوع الدنيا لأنني أخشى أن يفهم أن الانشغال بالدنيا يعني ترك الدنيا.

الشهوة قوة دافعة يحتاجها كل إنسان :

الدكتور راتب :
 تركها شيء، والانشغال بها شيء آخر.
 أولاً: ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة طاهرة تسري خلالها، حقيقة مسلم بها، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة طاهرة تسري خلالها.
 نضرب مثلاً: البنزين في السيارة، إن وضعت صفيحة البنزين في المستودع المحكم، وسال البنزين في الأنابيب المحكمة، وانفجر في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب، ولّد حركة نافعة، قد تقلك إلى مكان جميل، صفيحة البنزين نفسها إذا صُبت على المركبة وأصابتها شرارة أحرقت المركبة ومن فيها.
ماذا يستفاد من هذا المثل؟ الشهوة قوة دافعة، يحتاجها الإنسان، ولولا الشهوات ما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات، هذه القوة الدافعة تحتاج إلى ضبط، الشارع يضبط، هذا الكتاب والسنة يضبطان هذا المنهج.
 فلذلك الإسلام لا يوجد به حرمان، لكن يوجد تنظيم، وأي شهوة لها قناة نظيفة طاهرة، اشتهى المرأة يوجد زواج، اشتهى المال يوجد عمل، اشتهى العلو في الأرض، هناك ثلاث حاجات، حاجة إلى الطعام والشراب حفاظاً على بقاء الفرد، وحاجة إلى الزواج حفاظاً على بقاء النوع، وحاجة إلى التفوق حفاظاً على بقاء الذكر، وهذه الحاجات نجدها في الدين في أوسع أبوابها، أي لا يوجد حرمان، لكن يوجد تنظيم.
الدكتور بلال:
 إذاً الدنيا لا تترك، ولكن ينشغل بها الإنسان عن طاعة ربه.
الدكتور راتب :
 يجعلها بيده لا في قلبه.
الدكتور بلال:
 يملكها ولا تملكه.
الدكتور راتب :
 مثلاً، لو رمزنا لشهوة ما بمئة و ثمانين درجة، يوجد مئة و عشر درجات مباحة، وسبعون محرمة، فإذا بقي الإنسان في القسم المباح لا يوجد عنده مشكلة.
الدكتور بلال:
 إذاً يستخدم الدنيا لبلوغ الآخرة وفق منهج الله، دون أن يعصي الله.
 أنتقل إلى السبب الأخير في أسباب ضعف الإيمان حسب ما استقصينا بمعيتكم، وهو طول الأمل، قال تعالى:

﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ﴾

[ سورة الحجر: 3]

 يصف الكافرين، فطول الأمل متعلق بالموت أيضاً، كيف يكون ذلك من ضعف الإيمان؟

العاقل من يدخل الموت في حساباته اليومية :

الدكتور راتب :
 المشكلة أن الموت ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، ينهي غنى الغني وفقر الفقير، ينهي وسامة الوسيم، وخلاف ذلك ينتهي، ينهي كل شيء، ما دام ينتهي كل شيء بالموت فلا بد من أن تدخله في حسابك اليومي، بلحظة من بيت فخم، من زوجة، من أولاد، من بنات، من أصهار، من كنائن، من سهرات، من ولائم، من مناسف إلى قبر.

(( عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت ))

 أنا أرى البطولة، والذكاء، والنجاح، والتفوق أن تدخل هذه اللحظة في حساباتك اليومية، هذا لا يمنع أن تعمل، أن تدرس، أن تتفوق، أن تتزوج، أن تنجب، أبداً، ما دمت في المباح وفي أحكام الشرع تكون قد جمعت بين الدنيا والآخرة.

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن: 46 ]

 جنة في الدنيا، وجنة في الآخرة.
الدكتور بلال:
 سيدي هنا أيضاً قضية يجب الإشارة إليها، أحياناً الإنسان يقول: أنا لا أصنع شيئاً بخلاف الشرع، إنما أنا في المباحات، لكن يطول أمله بشكل حتى أنه يغرق في المباحات، ولا يعصي الله، أليست هذه مشكلة؟

التوسع في المباحات حجاب بين الإنسان و ربه :

الدكتور راتب :
 أحياناً التوسع في المباحات حجاب بين الإنسان و ربه، التوسع في المباحات ينشغل بها، أي الحياة مؤقتة، والموت يأتي فجأة، والقبر صندوق العمل، فانتبه إلى المباحات، اعتنى بها عناية تفوق الحد المعقول، تفوق الحد المقبول، فبذل وقتاً ثميناً للتزيين، والزخرفة، وما إلى ذلك، فوجئ أن الموت قد جاء وأنهى كل شيء.
الدكتور بلال:
 التوسع في المباحات سيشغله حتماً عن الآخرة.
الدكتور راتب :
 عندما الشيطان يدعو الإنسان للكفر فلا يستطيع، للشرك فلا يستطيع، للكبائر فلا يستطيع، للصغائر فلا يستطيع، آخر شيء للمباحات، وقبل المباحات التحريش بين المؤمنين، إذا يئس من كل شيء المباحات، اهتمام كبير بهذه الدنيا، يأتي الموت فجأة ينهي كل شيء، يقع بخيبة أمل كبيرة جداً.

(( عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أناـ وأنا الحي الذي لا يموت ))

الدكتور بلال:
 ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح يقول:

(( أكثروا ذكر هادم اللذات، مفرق الأحباب، مشتت الجماعات))

[الطبراني في المعجم الكبير]

(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من أحببت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به))

[الحاكم في مستدركه]

الإكثار من ذكر الموت :

الدكتور راتب :
 هناك طرفة: شخص سمع هذا الحديث توفي والده، فكر أن هناك حلاً و هو أن يسعى إلى أن ينام معه شخص في القبر أول ليلة، فأقنع شخصاً فقيراً جداً جداً أن ينام معه مقابل عشر جنيهات، لأن القصة بمصر، هذا- طبعاً القصة رمزية - نام معه، جاء الملكان، قال الأول للآخر: يوجد اثنان في القبر، بالعادة شخص واحد، تحرك الأول فعرفوا أنه غير ميت، بدؤوا به، أجلسوه، كان يلبس كيس قمح وقد ربطه بحبل، بدؤوا بالحبل، هذا الحبل من أين أحضرته؟ من البستان، كيف دخلت للبستان؟ لم يعرف الجواب فضربوه ضرباً مبرحاً، خرج من اليوم الثاني وقال: أعان الله والدكم.

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 92-93]

الدكتور بلال:
 الحساب قائم.

﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ﴾

[ سورة الصافات:24]

 كيف ينفق الإنسان وقته من غير أن يطول أمله، كيف ينفقه بالاستثمار؟

كيفية إنفاق الوقت استثماراً :

الدكتور راتب :
 لابد من تنظيم الوقت، وقت لربك، الصلوات، والقرآن، والذكر، وقت لطلب العلم، وقت لأولادك وأهلك، وقت لعملك، وقت الفراغ للمزيد من أعمالك الصالحة، التنظيم أكبر حاجة لكل المؤمنين، نظم وقتك.
الدكتور بلال:
 كثير من الناس يستهلكون أوقاتهم، والبعض يستثمرون أوقاتهم، كيف ينفق الوقت استهلاكاً، قلتكم استثماراً، لكن كيف ينفق استهلاكاً؟

كيفية إنفاق الوقت استهلاكاً :

الدكتور راتب :
 استهلاكاً التوسع بالمباحاة، سهرات، حديث لا طائل منه، أي هذا الذي تتحدث عنه ليس لك علاقة به إطلاقاً، ولن تستطيع أن تقعل شيئاً فيه، فترداد أفكار مكررة، تعليق على أحداث طارئة، كلام فارغ لا ينتهي بشيء، لو قرأت آية، لو قرأت سورة، لو عملت عملاً صالحاً، لو قرأت كتاباً، انتفع من شيء.
الدكتور بلال:
 إذاً كأننا نقول: استثمار الوقت هو أن يعمل عملاً ينفعه بعد مضي الزمن.
الدكتور راتب :
 عندنا عمل ليس له أثر مستقبلي، فرضاً شخص حضر وليمة، أكل فيها أطيب طعام على الإطلاق، لكن بعد أسبوعين أصابه ألم في رأسه، ألم شديد جداً، لو تذكر هذا الطعام الطيب هل يذهب هذا الألم؟
 الاستمتاع بالحياة ليس له أثر مستقبلي.
الدكتور بلال:
 هذا استهلاك الوقت.
الدكتور راتب :
 أثر آني استهلاكي، الشخص أحياناً يستهلك حاجاته الثمينة، وهناك إنسان يتاجر بها، معه مبلغ من المال، دخل لمطاعم غالية جداً استهلك المال، بقي بلا دخل، وإنسان آخر يستهلك الطعام استهلاكاً بسيطاً، ويتاجر بالباقي.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ ﴾

[ سورة الصف:10]

 التجارة أن تربح، أن تنفق رأس مالك، وأن تقبض الثمن.
الدكتور بلال:
 جزاكم الله خيراً سيدي.
 لعلنا استقصينا أسباب ضعف الإيمان في هذا اللقاء، البعد عن الأجواء الدينية لفترة طويلة، المجتمع الفاسد، الانشغال بالدنيا دون تركها، لكن أن يعمل فيها لا لها، ثم تحدثنا عن طول الأمل، في ختام طول الأمل أريد الإشارة إلى قوله تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 1-2]

 فالله تعالى يقول: الإنسان خاسر.

أركان النجاة :

الدكتور راتب :
 والله أنا ما قرأت في حياتي تعريفاً جامعاً مانعاً قاطعاً للإنسان كهذا التعريف، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، فهو زمن، هو زمن بتعريف الإمام الجليل الحسن البصري، لأنه زمن، أقسم الله له بمطلق الزمن فقال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1]

 دقق، جواب القسم مخيف:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 2]

 خاسر، لماذا يا رب؟ لأن مضي الزمن وحده يستهلك الإنسان.

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 1-2]

 إله يقسم.

﴿ إِلَّا﴾

[ سورة العصر:3]

 رحمة الله في إلا:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر:3]

 سماها الإمام الشافعي: أركان النجاة، أي لا بد من أن تبحث عن الحقيقة.
الدكتور بلال:
 هذا الإيمان.
الدكتور راتب :
 ولا بد من أن تتحرك وفقها.
الدكتور بلال:

﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[ سورة العصر:3]

الدكتور راتب :
 ولا بد من أن تدعو إليها كفرض عين.
الدكتور بلال:

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾

[ سورة العصر:3]

الدكتور راتب :
 ولا بد من أن تصبر على البحث عنها، والعمل بها، والدعوة إليها.
الدكتور بلال:

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر:3]

 هذه السورة جامعة مانعة فيها أركان النجاة، وكان أصحاب النبي لا يتفرقون إلا على هذه السورة.

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
 إيمان، وعمل، ودعوة، وصبر.
 جزاكم الله خيراً، وأحسن إليكم، ننتقل في اللقاء القادم إن شاء الله إلى مظاهر ضعف الإيمان بعد إن انتهينا من أسباب ضعف الإيمان.
 أخوتي، أخواتي؛ أشكر لكم حسن المتابعة، وأشكر لشيخنا حسن الإلقاء، وأسأل الله عز وجل أن نلقاكم دائماً وأنتم في أحسن حال، إلى الملتقى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018