برنامج تحية الإفطار - الحلقة : 20 - الإنسان هو زمن فَلَو فكر في المستقبل انضبط بالحاضر وكفر عن الماضي. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠27برنامج تحية الإفطار - قناة الرسالة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج تحية الإفطار - الحلقة : 20 - الإنسان هو زمن فَلَو فكر في المستقبل انضبط بالحاضر وكفر عن الماضي.


2019-05-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله بيته الطيّبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

الوقت أخطر شيء بحياة كل إنسان :

 أيها الأخوة الكرام؛ ما قرأت تعريفاً جامعاً مانعاً قاطعاً للإنسان كتعريف الإمام الجليل الحسن البصري وهو سيد التابعين، قال: الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه.
 هناك تعريف دقيق للزمن هو البعد الرابع للأشياء، أمامي طاولة لها طول، وعرض وارتفاع، ولها وزن، ولها حجم، هذه الطاولة، لكن إذا سارت لها بعد رابع هو الزمن، إنسان بعده الرابع هو الزمن أي عمره، هذا البعد الرابع خطير جداً، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، وأنت في الدنيا من أجل العمل الصالح، قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 1-2 ]

 لأن مضي الزمن يستهلكه، رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.
 إذاً العصر هو الوقت، هو الزمن، والإنسان خاسر لا محالة، لكن يوجد شيء دقيق بحياتنا، عندنا إنفاق استهلاكي وإنفاق استثماري، لو أنفقت بعض مالك أو معظم مالك في شركة استثمارية أرباحها طائلة، أنت إذا دفعت هذا الثمن، هذا المبلغ لهذه الشركة الاستثمارية التي أرباحها طائلة هذا المبلغ ثمرته، أما إذا أنفقته بأشياء استهلاكية، أكلت، وشربت، ولبست، وقمت بسياحة، استهلاك هذا المبلغ يدفعني إلى أن أقول: هناك إنفاق استثماري، العمل الصالح، صدقات، دعوة إلى الله، توفيق بين زوجين، رعاية أيتام، هذا الإنفاق استثماري، وهناك إنفاق استهلاكي والعياذ بالله معظم الناس يستهلكون أوقاتهم استهلاكاً رخيصاً في أشياء لا تقدم ولا تؤخر، في برامج لا تقدم ولا تؤخر، في كلام فيه غيبة ونميمة، ففرق كبير بين الاستهلاك والاستثمار، من هنا الله عز وجل جعل الإنسان زمناً، بضعة أيام، فأخطر شيء بحياتك هو الوقت.

بطولة الإنسان أن يعيش المستقبل :

 أنا أضيف لهذا أن هناك مصطلحاً دقيقاً جداً اسمه إدارة الأعمال، إدارة الأعمال تعتبر شهادة عليا في العالم الغربي، ونحن ينبغي أن ندير الأوقات، عندنا إدارة الوقت، إدارة الوقت متعلقة بإدارة الذات، من أنت؟ المخلوق الأول، المكلف، المخلوق الذي وعد بالجنة، فلابد من إدارة الذات مع إدارة الوقت.
الوقت أثمن ما في حياة الإنسان، هو بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، لذلك:

(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[ أخرجه الشيرازي عن سهل بن سعد و البيهقي عن جابر ]

 البطولة أن نعيش المستقبل، معظم الناس يعيشون الماضي والحاضر، يقول لك: أنا درست في البلد الفلاني هندسة، أنا الآن مهندس في المكان الفلاني، أما المستقبل فلماذا يبتعد الناس عن ذكره؟ لأنه يحمل خبراً صعباً، يحمل خبر مغادرة الدنيا، رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.
 لذلك معظم الناس يعيشون ماضيهم وحاضرهم، يقول لك: أنا درست في القاهرة، أنا الآن مهندس في هذا المكان، لكن البطولة، والذكاء، والعقل، والرشاد، والصلاح أن تعيش المستقبل، لماذا يفر الناس من المستقبل؟ لأنه ينطوي على حدث جلل وهو مغادرة الدنيا، من كل شيء إلى قبر، من مكانة اجتماعية، من بيت فخم، من مركبة فارهة، من منصب رفيع، إلى قبر.
 لذلك الموت ينهي كل شيء، ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي قوة القوي وضعف الضعيف، ينهي ذكاء الذكي، ينهي محدودية المحدود، يلغي كل شيء، فالبطولة أن تعد لهذه الساعة التي لا بد منها، أن تعد لساعة النزول في القبر، فالقبر للمؤمن روضة من رياض الجنة، وأما لغير المؤمن فحفرة من حفر النار.
 لذلك الليل والنهار يعملان فيك، كنت في السابعة عشرة شاباً يلفت النظر، بصحته وأناقته، لكن في الثمانين أصبحت شيئاً آخر، الليل والنهار يعملان فيك.. أن عبدي كبرت سنك، وضعف بصرك، وانحنى ظهرك، وشاب شعرك، فاستحِ مني فإنا أستحي منك، أنت بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، لذلك الموت ينهي كل شيء، ينهي القوة والغنى والوسامة والذكاء والجمال، فلذلك البطولة والذكاء أن تعد لهذه الساعة التي لا بد منها، أن تعد لها معرفة بالله، استقامة على أمره، عملاً صالحاً، دعوة إليه، حتى تأتي هذه الساعة متوجة لحياة تقول فيها بلسان حالك: يا رب لم أر شراً قط.

العاقل من عرف الله و استقام على أمره :

 لذلك:

(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[ أخرجه الشيرازي عن سهل بن سعد و البيهقي عن جابر ]

 والليل والنهار مهما طال الليل ومهما طال النهار فلا بد من طلوع الفجر، لا بد من طلوع الفجر، لا بد من حركة حاسمة تنهي كل شيء.
 أنا الذي أراه أن يعبد الإنسان ربه ليكون سعيداً بعد الموت، أعرف إنساناً صالحاً حفر في بيته قبراً، وكان يضطجع فيه كل يوم خميس، ويتلو قوله تعالى:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِي*لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾

  فيخاطب نفسه ويقول لها: قومي لقد أرجعناك.
 فالإنسان إذا فكر بالمستقبل ينضبط في الحاضر، ويكفر عن الماضي، فلا بد من لحظة نتأمل فيها هويتنا، وسر حياتنا، وعلة وجودنا، وماذا ينتظرنا بعد الموت، وماذا ينتظرنا في البرزخ، وماذا ينتظرنا في الآخرة، هذا كله من لوازم الإيمان.
 إذاً البطولة أن تعرف الله، أن تستقيم على أمره، أن تتقرب إليه.

الدعاء :

 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018