الخطبة : 1138 - الصلاة والسكينة - السكينة عطاء إلهي . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1138 - الصلاة والسكينة - السكينة عطاء إلهي .


2010-02-05

الخطبة الاولى

الحمد لله نحمده ، ونستعين به ، ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وآل بيته الطيبين الطاهرين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .

من ذكره الله منحه السعادة والتفاؤل والسكينة

من ذكره الله منحه السعادة والتفاؤل والسكينة
أيها الأخوة الكرام ، ننطلق في هذه الخطبة من قوله تعالى :

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .

( سورة العنكبوت الآية : 45)

أولاً : تنهى نهياً ذاتياً ، هذا هو الوازع الذي هو أصل في الدين ، أما الرادع هو منع خارجي :

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

، بعض العلماء قالوا : ذكر الله أكبر ما فيها ، لكن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ يقول : "ذكر الله لك وأنت تصلي أكبر من ذكرك له ، لأنك إن ذكرته أديت واجب العبودية ، لكنه إذا ذكرك منحك الأمن ":

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ .

( سورة الأنعام الآية : 81-82 )

منحك التوفيق ، منحك السعادة ، منحك التفاؤل ، منحك قوة الشخصية ، منحك رؤية سديدة ، ألقى في قلبك النور .

 

السكينة ثمرة من ثمار الصلاة

من جملة هذه المنح موضوع الخطبة اليوم ، إذا ذكرك الله وأنت في الصلاة منحك السكينة ، ما السكينة ؟ لقد وردت في القرآن الكريم في عدة آيات من أبرز هذه الآيات :

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾

( سورة الفتح الآية : 4)

وقال تعالى :

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ .

( سورة الفتح الآية : 18)

موضوع الخطبة اليوم إحدى ثمار الصلاة السكينة ، لا سعادة بلا سكينة ، ولا سكينة بلا إيمان .

 

السكينة هي الغاية المثلى للحياة الرشيدة و تزهر بغير عون من المال :

السكينة هي الغاية المثلى للحياة الرشيدة ، هذه السكينة تزهر بغير عون من المال، قد تكون فقيراً ويمنحك الله السكينة فتسعد بها ولو فَقَدَ كلَّ شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملَك كل شيء ، لا تحتاج إلى الصحة ، قد يكون المرء مريضاً وقد ألقى الله في قلبه السكينة .
أيها الأخوة الكرام ، هذه السكينة ليست مِلْكَ أحد ، فيمسكَها أو يرسلَها ، ولكنها في متناول كل واحد من البشر إذَا هو دفع ثمنها .
عظمة هذا الدين دين البشر ، دين أي إنسان ، بالدين لا يوجد طبقية ، بالدين لا يوجد فئة مختارة ، لا يوجد فئة متميزة ، هذه السكينة لكل البشر ، بشرط أن تدفع ثمنها ، ما مِن نعمة تُحجب معها السكينة إلا وتنقلب بذاتها إلى نقمة ، المال نعمة إذا حجبت مع المال السكينة أصبح المال نقمة ، وما من محنة تحفها السكينة إلا وتكون هي بذاتها نعمة ، ينام الإنسان على الشوك مع السكينة فإذا هو مهاد وثير ، وينام على الحرير وقد أمسكت عنه السكينة فإذا هو شوك القتاد .
يعالج المرء أعسر الأمور ومعه السكينة فإذا هي هوادة ويسر ، ويعالج أيسر الأمور وقد تخلت عنه السكينة فإذا هي مشقَّة وعسر ، يخوض المخاوف والأخطار ومعه السكينة فإذا هي أمنٌ وسلام ، ويعبر المناهج والسبل وقد أمسكت عنه السكينة فإذا هي مهلكةٌ وبوار .
هذه السكينة لا تعز على طالب كائناً من كان في أي زمان ومكان ، وفي أي حال ومآل ، وجدها إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام في النار ، وجدها يوسفُ عليه الصلاة والسلام في الجُبِّ ، كما وجدها في السجن ، وجدها يونس عليه الصلاة والسلام في بطن الحوت في ظلمات ثلاث ، وجدها موسى عليه الصلاة والسلام في اليم ، وهو طفلٌ مجرد من كل قوة وحراسة ، وجدها أصحاب الكهف في الكهف ، حينما افتقدوها في الدور والقصور ، ووجدها نبينا عليه الصلاة والسلام وصاحبه في الغار ، والأعداء يتعقبونه ، ويَقُصُّون الآثار ، ويجدها كل مؤمنٍ أوى إلي ربه يائساً ممن سواه ، قاصداً بابه وحده من دون كل الأبواب .

سكينة النفس هي الينبوع الأول للسعادة :

السكينة الينبوع الأول للسعادة
يبسط الله الرزق مع السكينة ، فإذا هو متاع طيبٌ ، ورخاء وفير ، وإذا هو رغد في الدنيا ، وزادٌ إلى الآخرة ، ويمسك السكينة مع الرزق ، فإذا هو مثار قلق وخوف ، وإذا هو مثار حسد وبغض ، وقد يكون معه الحرمان ببخل أو مرض ، وقد يكون معه التلف بإفراط واستهتار .
يمنح الله الذرية مع السكينة فإذا هي زينة الحياة الدنيا ومصدر فرح واستمتاع ، ومضاعفة للأجر في الآخرة بالخلف الصالح ، ويمسك رحمته فإذا الذرية بلاءٌ ، ونكدٌ ، وعنتٌ، وشقاءٌ ، وسهرٌ بالليل ، وتعب بالنهار .
يهب الله الصحة والعافية مع السكينة فإذا هي نعمة وحياة طيبة ، ويمسك سكينته فإذا الصحة والعافية بلاءٌ يسلطه الله على الصحيح المعافى فينفق الصحة والعافية فيما يحطم الجسم ويفسد الروح ، ويزخر السوء إلى يوم الحساب .
ويعطي الله الجاه والقوة مع السكينة فإذا هي أداة إصلاحٍ ، ومصدر أمنٍ ، ووسيلةٌ لادخار الطيب الصالح من العمل والأثر ، ويمسك سكينته فإذا الجاه والقوة مصدرا قلق على فوته ، ومصدرا طغيان وبغيٍ ، ومصدرا حقدٍ وكراهية ، لا يقر لصاحبها قرار ، ويدخر بها للآخرة رصيداً ضخماً من النار .
سكينة النفس هي الينبوع الأول للسعادة ، ولكن كيف السبيل إليها إذا كانت شيئاً لا يثمره الذكاء ، ولا العلم ، ولا الصحة ، ولا القوة ، ولا المال والغنى ، ولا الشهرة والجاه ، ولا غير ذلك من نعم الحياة المادية ؟

الإيمان بالله واليوم الآخر مصدر السكينة الوحيد

المحرومون من نعمة الإيمان هم أكثر الناس قلقا
إن للسكينة مصدراً واحداً لا ثاني له ؛ إنه الإيمان بالله واليوم الآخر ، الإيمان الصادق العميق الذي لا يكدره شك ولا يفسده نفاق ، والعمل بمقتضى هذا الإيمان ، هذا ما يشهد به الواقع الماثل ، وما يؤيده التاريخ الحافل ، وما يلمسه كل إنسان بصير منصف في نفسه ، وفيمَن حوله .
لقد علمتنا الحياة أن أكثر الناس قلقاً ، وضيقاً ، واضطراباً ، وشعوراً بالتفاهة والضياع ، هم المحرومون من نعمة الإيمان وبرد اليقين .
إن حياتهم لا طعم لها ولا مذاق ، وإن حفلت باللذائذ والمرفهات ، إنهم لا يدركون لها معنى ، ولا يعرفون لها هدفاً ، سمعت قصة عن أحد أكبر خمسة مهندسين في العالم ، صمم جسر استنبول الأول الذي تعبره ثلاثمئة ألف سيارة في اليوم ، في أثناء افتتاح الجسر ألقى المهندس المصمم بنفسه في البوسفور ، ونزل ميتاً ، ذهبوا إلى غرفته في الفندق ، كتب ورقة قال فيها : قد ذقت كل شيء في الحياة فلم أجد لها طعماً فأردت أن أذوق طعم الموت .
أيها الأخوة ، هذه قصة معبرة ، إنسان بلا هدف حياته تافهة ولو كان غنياً ، ولو كان قوياً ، ولو كان صحيحاً ، ولو كان وسيماً ، ولو كان ذكياً ، إنسان بلا إيمان حياته تافهة ، حياته متناقصة ، أبى الله جل جلاله أن يسمح للدنيا أن تمد الإنسان بسعادة مستمرة بل متناقصة.

السكينة ثمرة من ثمار دوحة الإيمان ومن ثمار التوحيد :

السكينة ثمرة من ثمار دوحة الإيمان
أيها الأخوة ، إن هذه السكينة ثمرة من ثمار دوحة الإيمان ، ومن ثمار التوحيد التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ، هي نفحة من السماء ينزلها الله على قلوب المؤمنين من أهل الأرض ، ليثبتوا إذا اضطرب الناس ، وليرضوا إذا سخط الناس ، وليوقنوا إذا شكّ الناس ، وليصبروا إذا جزع الناس ، وليحلُموا إذا طاش الناس ، لأنك مؤمن متصل بالله تتمتع بميزات لا يعلمها إلا الله ، ميزات نفسية ، واثق من رضاء الله ، واثق من محبة الله لك ، واثق من أن هذه الدنيا لو أنها تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ، واثق بأن الله وعدك بجنة عرضها السماوات والأرض :

 

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ .

 


( سورة القصص الآية : 61 ) .

السكينة نور من الله وروح منه :

أيها الأخوة ، هذه السكينة نور من الله وروح منه ، يسكن إليها الخائف ، ويطمئن عندها القلِق ، ويتسلى بها الحزين ، ويستروح بها المتعب ، ويقوى بها الضعيف ، ويهتدي به الحيران ، هذه السكينة نافذة على الجنة يفتحها الله للمؤمنين من عباده ، منها تهب عليهم نسماتها ، وتشرق عليهم أنوارها ، ويفوح شذاها وعطرها ، ليذيقهم بعض ما قدموا من خير ، ويريهم نموذجاً لما ينتظرهم من نعيم ، في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة ، إنها جنة القرب من الله ، ومع القرب السكينة ، ماذا يفعل أعدائي بي ؟ قال أحد العلماء : بستاني في صدري ، إن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن حبسوني فحبسي خلوة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة ، فماذا يفعل أعدائي بي ؟ قال تعالى :
أين وجد سيدنا إبراهيم الجنة وقد ألقي في النار ؟

﴿ وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ .

( سورة محمد الآية : 6)

عرفها لهم يوم كانوا في الدنيا ، ينعموا من هذه النسمات بالروح والريحان ، والأمن والإيمان .

 

أسباب السكينة لدى المؤمن :

1ـ المؤمن هدي إلى فطرته التي فطره الله عليها :

أيها الأخوة الكرام ، أسباب السكينة لدى المؤمن ، أول أسباب السكينة لدى المؤمن أنه هدي إلى فطرته التي فطره الله عليها ، هي فطرة متسقة ، ومنسجمة ، ومتجاوبة مع فطرة الوجود الكبير كله ، فعاش المؤمن مع فطرته في سلام ووئام لا في حرب وخصام ، ومع من حوله في شفافية ومشاركة لا في وحشة وعداوة ، تفاصيل المنهج الإلهي ينطبق على تفاصيل الفطرة ، أنت حينما تصطلح مع الله تصطلح مع فطرتك ، إن في القلب شعثاً لا يلمُّه إلا الإقبال على الله ، غني عنده فراغ ، قوي عنده فراغ ، ذكي عنده فراغ ، وسيم عنده فراغ، في القلب فراغ لا يملأه إلا الإيمان بالله والاتصال به ، إن في القلب شعثاً لا يلمُّه إلا الإقبال على الله ، وفي القلب وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله ، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفة الله ، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه ، وفي القلب نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه ، وقضائه وقدره ، والصبر على ذلك إلى يوم لقائه ، وفي القلب فاقة لا تسدها إلا محبته ، والإنابة إليه ، ودوام ذكره ، وصدق الإخلاص له .
المؤمن هدي إلى فطرته التي فطره الله عليها
وتظل الفطرة الإنسانية تحس بالتوتر والجوع والظمأ حتى تجد الله ، وتؤمن به وتتوجه إليه ، عندها تستريح من تعب ، وترتوي من ظمأ ، وتأمن من خوف ، وتحس بالهداية بعد الحيرة ، وتشعر بالاستقرار بعد التخبط ، وتطمئن بعد القلق .
أيها الأخوة الكرام ، إن الإنسان خلق عجيب ، جُمع بين قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله ، فمن عرف جانب الطين ونسي نفخة الروح لم يعرف حقيقة الإنسان ، ومن أعطى الجزء الطيني فيه غذاءَه ورِيَّه ولم يعط الجانبَ الروحي غذاءَه وريَّه من الإيمان بالله والإقبال عليه فقد بخس الفطرة الإنسانية حقها ، وجهل قدرها ، وحرمها ما به حياتها وقوامها .
قد تتراكم على هذه الفطرة صدأ الشبهات ، أو غبار الشهوات ، وقد تنحرف وتتدنس باتباع الظن أو اتباع الهوى ، أو التقليد الجاهل للأجداد والآباء ، أو الطاعة العمياء للسادة والكبراء ، وقد يصاب الإنسان بداء الغرور والعجب فيظن نفسه شيئاً يقوم وحده ويستغني به الله ، بَيْدَ أن الفطرة الأصيلة تذبل ولا تموت ، وتكمن ولا تزول ، فإذا أصاب الإنسان من شدائد الحياة ومصائبها ما لا قبل له به ، ولا يد له ولا للناس في دفعه ولا رفعه ، فسرعان ما تزول القشرة السطحية المضللة ، وتبرز الفطرة العميقة الكامنة ، الآن بعد انكشاف الغرب ، وبعد لؤم الغرب ، وبعد عدوان الغرب ، وبعد استباحة الحقوق الإنسانية في الغرب ، بدأ الناس يعودون إلى فطرتهم ، بدأ الدين يقوى ، بدأ الشعور أن الحل في الإسلام .

 

2ـ وضوح الغاية والطريق عند المؤمن :

وضوح الغاية والطريق عند المؤمن
أيها الأخوة الكرام ، إنّ غير المؤمن يعيش في الدنيا تتوزعه هموم كثيرة ، وتتنازعه غاياتٌ شتى ، هذه تميل به إلى اليمين ، وتلك إلى الشمال ، فهو في صراع دائم داخل نفسه ، وهو في حيرة بين غرائزه الكثيرة أيها يرضي غريزة البقاء أم غريزة النوع ؟ وهو حائر مرة أخرى بين إرضاء غرائزه وبين إرضاء المجتمع الذي يحيا فيه ، وهو حائر مرة ثالثة أيّ فئات المجتمع يرضي ؟ وهنا يذكرون الحكاية المشهورة ؛ حكاية الشيخ وولده وحماره ، من دون سكينة ، من دون صلة بالله ، من دون معرفة بالله ، من دون إيمان باليوم الآخر ، الإنسان في حيرة ، ركب الشيخ ومشى ولده وراءه فتعرض الشيخ للوم النساء ، ركب الولد ومشى الشيخ فتعرض الولد للوم الرجال ، ركبا معاً فتعرضا للوم دعاة الرفق بالحيوان ، مشيا معاً والحمار أمامهما فتعرضا لسخرية الأولاد ، ماذا بقي ؟ أن يحمل الحمار ، من دون إيمان ، من دون سكينة ، من دون منهج ، من دون هدف ، من دون وحي إلهي ، من دون بيان نبوي ، من دون يقينيات ، من دون ثوابت ، من دون مبادئ ، من دون تصورات صحيحة الإنسان في حيرة ، والآن البشر جميعاً في حيرة :

 

كل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
* * *

 

أيها الأخوة ، استراح المؤمن من هذا كله ، وحصر الغايات كلها في غاية واحدة، عليها يحرص وإليها يسعى وهي رضوان الله تعالى ، لا يبالي معها برضى الناس أو سخطهم، شعاره ما قاله ذاك الشاعر :

 

إذا صح منك الودُّ فالكل هيــن ٌوكل الذي على التراب تــرابُ
فليتك تحلو والحياة مــــريرة وليتك ترضى والأنام غضــابُ
وليت الذي بيني وبينك عامــر وبيني وبين العالمين خـــرابُ

* * *

 

بطولة المؤمن أنه جعل همومه هماً واحداً :

أيها الأخوة ، من بطولة المؤمن أنه جعل همومه هماً واحداً ؛ هو سلوك الطريق الموصل إلى مرضاته تعالى ، والذي يسأل الله تعالى أن يهديه إليه في كل صلاة عدة مرات :

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾

، هو طريق واحد لا عوج فيه ولا التواء ، قال تعالى :

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ .

( سورة الأنعام الآية : 153)

الحق واحد لا يتعدد أما الباطل لا ينتهي تعدده ، عمرك القصير يمكن أن يستوعب الحق لكن مستحيل وألف ألف مستحيل أن يستوعب الباطل فالنصيحة أن تستوعب الحق وليكن الحق مقياساً لكل شيء .
أيها الأخوة ، ما أعظم الفرق بين رجلين أحدهما عرف الغاية وعرف الطريق إليها ، وآخر ضالٌّ يخبط في عماية ويمشي إلى غير غاية ، لا يدري إلامَ المسير ؟ ولا إلى أين المصير ؟ قال تعالى :

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ .

( سورة المُلْك الآية : 22)

3ـ الشعور بمعية الله عز وجل :

وهو معكم أينما كنتم
أيها الأخوة الكرام ، إنّ في أعماق الإنسان أصواتاً خفيةً تناديه ، وأسئلةً تُلحُّ عليه، منتظرةً الجوابَ الذي يَذهبُ به القلق ، وتطمئنُّ به النفسُ ، ما العالم ؟ ما حقيقة الدنيا ؟ ما حقيقة الكون ؟ ما حقيقة الإنسان ؟ مِن أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ هذه الأسئلة يجيب عنها الدين إجابات عميقة متناسقة متكاملة مرضية لا تحتاج بعدها إلى سؤال .
أيها الأخوة الكرام ، المؤمن وقد اتصل بالله يعيش في معية الله ، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ الشعور بمعية الله شعور لا يقدر بثمن ، قال العلماء : المعية العامة :

 

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ .

 

( سورة الحديد الآية : 4 ) .

معية العلم أما المعية الخاصة هي معية التوفيق ، معية الحفظ ، معية النصر ، معية التأييد :

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ .

( سورة الحديد الآية : 4 ) .

أما إن الله مع المؤمنين مع المتقين ، مع الصادقين ، هذه معية خاصة .
أيها الأخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .


***

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين .

السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء :

أيها الأخوة الكرام ، الإنسان إذا تعرف إلى الله ، واستقام على أمره ، انعقدت صلته مع الله ، هذه الصلة تحتاج إلى استقامة ، ليس معنى هذا أن المؤمن لا يخطئ ، المؤمن يخطئ لكنه لا يصر على خطئه ، مذنب تواب ، سريعاً ما يتوب إلى الله عز وجل ، فالإنسان إذا استقام على أمر الله بعد أن عرفه انعقدت صلته مع الله عز وجل ، من خلال هذه الصلة الصحيحة تأتي السكينة ، السكينة أكبر عطاء إلهي ، أنت إنسان آخر ، إنسان متفائل ، إنسان تشعر أنك على الطريق الصحيح ، إنسان تعيش ما وعدك الله به في جنة عرضها السماوات والأرض .
فلذلك أيها الأخوة ، الدين له أشكال وله حقائق ، أن تقوم وتصلي هذه عبادة من العبادات الأساسية ، لكن أن تنعقد الصلة مع الله في الصلاة هنا المعول عليه ، أن تنعقد الصلة مع الله في الصلاة ، إن انعقدت تنزلت السكينة ، والسكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ، ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك و نتوب إليك ، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام ، وأعز المسلمين ، انصر المسلمين في كل مكان ، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين ، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018