برنامج تحية الإفطار - الحلقة : 18 - من أساليب الدعوة - التدرج - اللين. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠27برنامج تحية الإفطار - قناة الرسالة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج تحية الإفطار - الحلقة : 18 - من أساليب الدعوة - التدرج - اللين.


2019-05-23

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم في حدود ما يعلم ومع من يعرف :

 أيها الأخوة الأحباب؛ أيها الأخوة المشاهدون؛ تحدثنا سابقاً عن الدعوة إلى الله، وأن هذه الدعوة فرض عين على كل مسلم في حدود ما يعلم ومع من يعرف، قال تعالى:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف: 108]

 فالذي لا يدعو إلى الله على بصيرة، أي بالدليل والتعليل ليس متبعاً لرسول الله، هذه الدعوة - والكلام دقيق جداً- في حدود ما تعلم ومع من تعرف، فرض عين على كل مسلم، كنت في المسجد استمعت إلى خطبة تأثرت بتفسير آية تأثراً بالغاً، اذكر هذا التفسير لزوجتك، لأولادك، لأصحابك، لزملائك، لأقرانك، لمن كان في السوق، في سهرة معينة، الدعوة فرض عين على كل مسلم كفرض الصلاة، في حدود ما تعلم ومع من تعرف، والدليل القطعي قوله تعالى:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾

[ سورة يوسف: 108]

 على بصيرة أي بالدليل والتعليل، قال تعالى:

﴿ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف: 108]

 فكل إنسان لا يفكر أصلاً في نقل ما سمع من حق إلى من حوله، هو ليس متبعاً لرسول الله، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 31 ]

 إذاً هذه الدعوة فرض عين، أما التبحر والتعمق والتفرغ والغوص في أعماق هذا الدينـ وامتلاك الحجج القوية، والقدرة على أن ترد كل شبهة فهذا فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الكل، والدليل قوله تعالى:

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾

[ سورة آل عمران: 104 ]

 منكم للتبعيض، لذلك الشيء الدقيق جداً، أن هذا الذي تخاطبه املأ قلبه بإحسانك ليفتح لك عقله لبيانك، الإحسان قبل البيان، لأن الإنسان له عقل وقلب، والعقل غذاؤه العلم، والقلب غذاؤه الحب، فإذا غذيت عقله بالعلم، وربما غذيت قلبه بالحب سابقاً أصغى إليك، وخضع لتوجيهاتك، وكان مستجيباً لك، وما من شيء يفرح الداعية إلى الله إلا أن يستجيب من حوله له، لذلك البطولة أن تهيئ خطاباً لعقله بالعلم، وأن تهيئ خطاباً لقلبه بالحب، فالإنسان عقل يدرك، وقلب يحب- وإذا أضفنا- وجسم يتحرك، ما طريق خطاب الجسم؟ ادعه إلى عمل بجهده لتكون يده هي العليا، املأ عقله بالعلم، وقلبه بالحب، واملأ يده بمال حلال اكتسب من طريق حلال.

أساليب الدعوة إلى الله :

 الشيء الدقيق أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان مع أصحابه، والقرآن نزل، لماذا حرم الخمر بالتدريج؟ قال تعالى:

﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾

[ سورة النساء : 43 ]

 الآية منسوخة الآن، لماذا بقيت في القرآن؟ لنتعلم من القرآن أنه لا بد من التدرج في الدعوة إلى الله، خذ وطالب، بيّن قضية وتابعها، أما التعليم دفعة واحدة فهذا العمل غير مجد، إذاً التدرج لا الطفرة، ابنك ارتكب عشرة أخطاء اذكر له أحد الأخطاء، وتابعه، نجا منه، الخطأ الثاني، بالتدرج، فالتدرج أسلوب قرآني في الدعوة إلى الله، ونحن إذا قلدنا القرآن في الأساليب نفلح وننجح.
 شيء آخر؛ التربية لا التعرية، أنا لا أتمنى على أب أن ينصح ابنه نصيحة قاسية أمام أخوته، ولا أمام أصدقائه، النصيحة على انفراد نصيحة، و النصيحة أمام ملأ فضيحة، فالبطولة أن تنصح لا أن تفضح، البطولة أن تملأ قلبه بإحسانك ليفتح لك عقله لبيانك، فالتدرج لا الطفرة، والتربية لا التعرية.

اتخاذ الوسائل الدعوية الناجحة والمفرحة :

 التربية شيء عظيم، الله رب العالمين وربنا عز وجل، يريدنا أن نتلطف، أي الذي قال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات: 24]

 فرعون وهو أكفر أهل الأرض، والذي قال :

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص: 38 ]

 قال تعالى لسيدنا موسى:

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾

[ سورة طه: 43 -44 ]

 فإذا كان الله قد أمر نبياً من أولي العزم أن يتلطف مع فرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى، فلم الغلظة يا أخي؟ لم القوة غير المعقولة؟ لم الإقصاء؟ لم التحقير؟ هذه كلها أساليب لا ترضي الله عز وجل، إذا كنت مؤمناً ينبغي أن تدعو إلى الله بالحسنى، بالطريق الطيب، قال تعالى:

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾

[ سورة النحل: 125]

 أما إذا جادلت، قال تعالى:

﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

[ سورة النحل: 125]

 يوجد فرق كبير بين ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وبين وجادلهم بالتي هي أحسن، الإنسان بالمجادلة يربط أفكاره بشخصيته، بل يربطها بكرامته، فإذا أردت أن تجادل اتخذ أحسن كلمة، كي تملك قلبه، كي يأتي إليك طائعاً، كي يستجيب لأمرك، لذلك أحدهم قال للآخر: سأعظك وسأغلظ عليك، فقال له: ولم الغلظة يا أخي؟ لقد أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، أرسل موسى إلى فرعون، فلا بد من التلطف، لا بد من الحكمة، الموعظة الحسنة والمناقشة بالتي هي أحسن، هذه الوسائل نأخذها من كتاب الله، من كتاب خالق الأكوان، نستمدها من أفعال النبي العدنان، هذا الاستنباط من الكتاب والسنة يعطينا وسائل دعوية ناجحة، ومفرحة، ونستطيع بهذا أن نكون دعاة صادقين، لذلك قال تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

 أي يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليناً لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك، وأحبوك، وانصاعوا لأمرك، أنت أنت بالذات، لو لا سمح الله كان هذا الإنسان منقطعاً عن الله، لامتلأ قلب قسوة، ولانعكست القسوة غلظة وفظاظة، عندئذ ينفض الناس من حولك، إذاً اتصال، رحمة، لين، التفاف، انقطاع، قسوة، غلظة، انفضاض، هذا الآية الكريمة نحتاجها جميعاً في دعوتنا إلى الله.

الدعاء :

 اللهم أغننا بالعلم، وزينا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجملنا بالعافية، وطهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب.
 أيها الأخوة الكرام؛ أرجو لكم التوفيق والنجاح.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018