برنامج منهج التائبين - الحلقة : 14 - علاقة الدعاة والمربين مع التائبين. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠45برنامج منهج التائبين - قناة الرحمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج منهج التائبين - الحلقة : 14 - علاقة الدعاة والمربين مع التائبين.


2019-05-19

مقدمة :

الدكتور بلال:
 بسم الله الرحمن الرحيم، أحمد الله تعالى رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صاحب الخلق العظيم، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 أخوتي الكرام، أخواتي الكريمات؛ معاً نبدأ حلقة جديدة في: "منهج التائبين" بمعية شيخنا الفاضل فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، السلام عليكم سيدي.
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الدكتور بلال:
 سيدي الفاضل، نتحدث اليوم عن تعامل المربين، أو الدعاة مع التائبين، كيف يتعامل المربي مع التائب؟ كيف يدعوه إلى الله؟ وأنطلق من قوله تعالى:

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

[ سورة النحل:125]

 كيف يتعامل المربي مع التائب؟

كيفية تعامل المربي مع التائب :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أبتدئ الإجابة عن هذا السؤال الطيب:

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة: 269]

 الداعي يحتاج إلى حكمة كبيرة، بين التيئيس وبين التساهل، لا نريد ديناً صلباً يكسر، ولا ليناً فيعصر، بينهما.

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

[ سورة الرحمن: 78]

 أي تحبه، وتخافه في وقت واحد، القضية ليست سهلة، دائماً أن تمسك العصا من طرفها سهل جداً، أما من وسطها فتحتاج إلى حكمة.
 فالداعية يتخول أخوانه بالموعظة، لو الدعوة استمرت طويلاً صار هناك ملل، وسأم، أنا قناعتي الآن أن الإنسان يصغي فترة محدودة، أقلها عشر دقائق، وأكثرها أربعين دقيقة، أما درس طويل جداً فيصاب بالملل.
 لذلك اجلس إلى الطعام وأنت تشتهيه، وقم عنه وأنت تشتهيه، هذا في الطعام، وفي الدعوة إلى الله كذلك، تكلم والناس متشوقون لسماع كلامك، وأنهِ الدرس وما زالوا متشوقين.
 أحب أن ألفت النظر إلى موضوع دقيق: الدرس المفتوح ممل جداً، المفتوح، هذا الدرس ينتهي بعد أربعين دقيقة، بعد ثلاثين، المستمع مضطرب، صار مطمئناً، له مواعيد بعد الدرس، فهذا الوقت المفتوح لا ينجح إطلاقاً، كانوا:

((يتخوَّلنا بالموعظة))

[متفق عليه عن عبد الله بن مسعود]

 من حين لآخر.
الدكتور بلال:
 مخافة السأم.

التنوع بالطرح يشد الناس إلى الدين :

الدكتور راتب :
 أيضاً السأم مشكلة كبيرة، فأنت من حين لآخر ألقِ كلمة موجزة، واضحة، مشوقة.
 أما النقطة الدقيقة جداً أن سيدنا عمر قال: كنت قد أعددت كلاماً قاله عني أبو بكر، معنى ذلك أي داعية يستطيع أن يتكلم ساعات طويلة بلا تحضير، لكنه يتكلم كلاماً غير منظم، أما إذا أعددت كلاماً، الفكرة شرحت، دعمتها بنص قرآني، بحديث صحيح، بتطبيقاتها العملية، بقصة مؤثرة، هذا التنوع بالطرح، من نص قرآني إلى نص نبوي إلى حقيقة علمية إلى تطبيق عملي هذا يشد الناس.
 وأنا أذكر دائماً: لو أخذت ابنك معك إلى الخطبة وسألته عما بقي في ذهنك؟ القصة فقط، القصة حقيقة مع البرهان عليها، والقرآن استخدمها كثيراً.

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

[ سورة يوسف: 111]

 إذاً القصة طريق دقيق جداً، والتخول من حين لآخر، لا يكون هناك ثقل بالخطاب الديني، له وقت محدد، واضح، محضر، كنت قد أعددت كلاماً قاله عني أبو بكر.
الدكتور بلال:

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾

[ سورة النحل:125]

الجدال يؤدي إلى ربط الكرامة بالفكرة :

الدكتور راتب :
 عندنا حسنة، وعندنا مجادلة بالتي هي أحسن، الحسنة صفة، أما المجادلة فصار عندك أنا، هذا الذي تجادله ربط كرامته بأفكاره، هنا:

﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

[ سورة النحل:125]

 أجمل عبارة، الحق معي أو معك، وهناك آية قرآنية:

﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى ﴾

[ سورة سبأ:24]

 وليس أنا مهتد وأنت ضال، هذا كلام غير مقبول.

﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى ﴾

[ سورة سبأ:24]

 فإذا كان هناك تواضع، وحكمة، وحقائق دامغة، وقوة بالتعبير، وتلطف في الجدال، بالمجادلة:

﴿ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

[ سورة النحل:125]

 بالجدال صار هناك ربط الكرامة بالفكرة، أما الدعوة فبالحسنى.
الدكتور بلال:
 وهو من أدب الاختلاف سيدي أن نلتزم بقول الشافعي: رأيي الصواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، لكن هذا سيدي ليس في الثوابت، في العقيدة، وإنما في التفاصيل التي تحتمل وجهات النظر.

ضرورة التدرج في الدعوة :

الدكتور راتب :
 أي أعطِ فلاناً ألف درهم ونصفه، ألف درهم ونصفه الهاء تعود على الألف أم على الدرهم؟ هذه قضية خلافية.
 الآن القضايا الأساسية في الدين الفرائض بنصوص قطعية، أما القضايا المتبدلة بحسب المكان والزمان، والظروف والأحوال، والبيئات، وأنواع الشعوب، ففيها نصوص ظنية الدلالة، لحكمة بالغةٍ بالغةٍ بالغة.
 سيدي أيضاً من مفردات تعامل المربين مع من يدعونهم إلى الله، ومن مفردات الحكمة والموعظة الحسنة التي تفضلتم بها موضوع التدرج، التدرج في الدعوة، بعض المربين يأتيه التائب إلى الله، اليوم تاب يأمره بكل أوامر الدين.
الدكتور راتب :
 يعطيه قائمة.
الدكتور بلال:
 فييئس، ويكاد يخرج من الدين.
الدكتور راتب :
 أنا أتساءل تأكيداً لكلامك ألم يكن من الممكن أن تلغى الآية التالية:

﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾

[ سورة النساء:43]

 الآية منسوخة، لِمَ بقيت لفظاً؟ ليعلم الدعاة إذا عندك ألف بند، مئة بند، أعطه ثلاثة اليوم، طبقهم قويت له إرادته، ثاني يوم ثلاثة أخر، التدرج منهج إلهي، وفي التعليم تدرج، وهناك أشياء ألغيت حكماً بقيت نصاً، بقيت نصاً لحكمة بالغة، كي يقلد الدعاة في آخر الزمان منهج الله عز وجل.
الدكتور بلال:
 حتى يتدرجوا مع من يدعونهم في الدعوة.
 أيضاً أحياناً سيدي من تعامل المربين، ربما المجافي للصواب مع التائبين، يأتيه التائب فيبدأ ويغرقه في الجزئيات، والتفاصيل، قبل أن يعطيه الكليات والعموميات.

حاجة الدين إلى تبسيط و عقلنة و تطبيق :

الدكتور راتب :
 أذكر تماماً إنساناً فرنسياً، أسلم في مصر، اجتمع بشيخ أبقاه في أحكام المياه ستة أشهر، بكتب الفقه يوجد شيء كهذا بالتفصيل، التقى مع الإمام محمد عبدو، طبعاً ترك الإسلام، على هذا التطويل ترك الإسلام، الإمام محمد عبدو قال له: الماء الذي تشربه توضأ منه.
 أنا الآن أقول: هذا الدين الآن يحتاج إلى تبسيط، وعقلنة، وتطبيق، تبسيط، وعقلنة لا تقم حداً بين العقل والدين، الذي خلق العقل هو الله، والذي أنزل هذا القرآن هو الله، الجهة واحدة، الذي أعطاك العقل هو رب العالمين، والذي أنزل هذا الوحي رب العالمين، فالشيء البديهي المسلم به أن النصوص يجب أن تتوافق مع العقل، أو أن العقل يتوافق مع النصوص، لابد من التمازج بينهما، غذّ عقله بالعلم، وقلبه بالحب، نصوص، نصوص، نصوص، وتفاصيل مملة، أحوال، واشتياق، وإقبال وحده مشكلة.
 " لا تكن داعية يشطح، ولا داعية ينطح، كن داعية ينصح ولا يقدح".
الدكتور بلال:
 سيدي أيضاً من الجوانب ربما السلبية في تعامل بعض المربين مع بعض التائبين أنه يحمله أحياناً على رأي فقهي واحد.
 أضرب مثلاً: يأتيه وقد أمضى شيئاً من عمره بغير صلاة، بعد أن كُلف، يقول: أنا تبت الآن إلى الله عز وجل، وعدت إليه، يقول له: إذاً ابدأ من اليوم بقضاء السنوات العشر السابقة فيمضي يومه وهو يصلي ليقضي ما فاته.

التوبة تجبّ ما قبلها :

الدكتور راتب :
 حمله ما لا يطيق، والتوبة تجب ما قبلها، هذا اجتهادي.
الدكتور بلال:
 يوجد رأي فقهي ومعتمد.
الدكتور راتب :
 وأي سلوك مغطى برأي فقهي معتمد فهو صحيح، عن علم، أو عن غير علم.
الدكتور بلال:
 كيف عن علم سيدي أو عن غير علم.
الدكتور راتب :
 أي هو فعله اختصاراً، لكن لا يعلم العلم الفقهي، وقد يكون العلم لصالحه.
الدكتور بلال:
 أيضاً من السلوكات التي ينبغي لفت النظر إليها، أحياناً الإنسان يتوب إلى الله عز وجل من مال كسبه ربما من شبهة، أو من مصدر فيه شيء، فيأتي أيضاً إلى بعض المربين ويقول له: تخلى عن مالك كاملاً حتى تتوب إلى الله، ما تعليقكم أيضاً؟

توبة المؤمن تطهر ماله :

الدكتور راتب :
 والله تعليقي: أحد كبار العلماء قال: توبة المؤمن تطهر ماله، كان بعمل غير مشكور، كسب مالاً معيناً، إذا أنفقه وبقي فقيراً عاد إلى معصيته السابقة، فتوبة المؤمن تطهر ماله، هذا رأي ابن تيمية.
الدكتور بلال:
 إن لم يكن هناك حقوق للعباد.
الدكتور راتب :
 يعمل مثلاً في دار سينما، موظف، وتاب إلى الله، وترك هذا العمل، الآن ماله من هذا المال عليه شبهة، مادام تاب إلى الله تفضل عليه بتطهير ماله.
الدكتور بلال:
 أما إذا اكتسبه من حرام والحرام من أشخاص فعليه أن يعيده.
الدكتور راتب :
 إنسانة تابت من عملها الفني، فأفتي لها أن مالها كله حرام، فقدته جميعاً، بقيت بلا رزق، عادت إلى الفن.
الدكتور بلال:
 إذاً سيدي هناك الأمر دقيق، والآن نوجه كل إنسان على شيء من العلم بغض النظر إذا كان مربياً أو عالماً، لأن كل إنسان معرض في عائلته أن يأتيه تائب، فالمنهج الأساس في التعامل مع التائب هو الحكمة، ألا نحمله ما لا يطيق، أن نتدرج معه في تطبيق الأحكام، أن نأخذ له من الآراء أخفها أم أيسرها؟

الحكمة في التعامل مع التائب :

الدكتور راتب :
 بشكل عام إذا سُئل العالم عن شيء لم يفعله السائل أعطه الفتوى الشديدة ردعاً له عن فعله، أما إذا سأله عن شيء فعله فأعطه الفتوى الخفيفة، وهذه الحكمة.

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة: 269]

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
 وهذا الذي صنعه ابن عباس رضي الله عنه يوم جاءه رجل، ورأى من حاله أنه يريد القتل، قال: هل للقاتل توبة؟ قال: ليس للقاتل توبة، وجاءه آخر يبدو أنه ابتلي بالقتل، فقال له: تُب إلى الله، قالوا: كيف فعلت؟ هذا لم يقتل، وهذا قتل.
 جزاكم الله خيراً سيدي، وأحسن إليكم، وشكر الله لكم.
 أخوتي، أخواتي؛ نشكر لكم حسن المتابعة، ونشكر لشيخنا الفاضل ما تفضل به وأمتعنا بكلماته الطيبة.
 نلتقيكم وأنتم دائماً في أحسن حال مع الله، ومع خلقه، إلى الملتقى أستودعكم عند الذي لا تضيع ودائعه.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018