برنامج منهج التائبين - الحلقة : 10 - الدعوة إلى الله2 - التطابق عند الداعية بين أفعاله وأقواله. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠45برنامج منهج التائبين - قناة الرحمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج منهج التائبين - الحلقة : 10 - الدعوة إلى الله2 - التطابق عند الداعية بين أفعاله وأقواله.


2019-05-15

مقدمة :

الدكتور بلال:
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، غافر الذنب، وقابل التوب، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 أخوتي، أخواتي؛ أينما كنتم بتحية الإسلام نحييكم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحن معاً في حلقة جديدة نسير فيها في: "منهج التائبين" نتلمس هذه الخطا المباركة في طريق التوبة إلى الله تعالى، لعلنا نحظى برضاه جميعاً وهذا أعظم المنى، ضيفنا الدائم فضيلة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي.
السلام عليكم سيدي.
الدكتور راتب :
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ورفع الله قدركم.
الدكتور بلال:
 أكرمكم الله سيدي.
 سيدي، في اللقاء السابق تحدثنا عن الدعوة إلى الله، وما زال في الموضوع بعض التتمات التي أحبّ أن نعرج عليها.
 بادئ ذي بدء، يقول تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 أريد بياناً لبعض ما في هذه الآية من عبر؟

التطابق بين الأفعال و الأقوال عند الداعية :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 تفقد الأقوال قيمتها عندما لا تتمثل بالأفعال
بحسب نص هذه الآية، ما من إنسان أفضل عند الله ممن دعا إلى الله، قطعية الدلالة، فالدعوة إلى الله صنعة الأنبياء، والدعوة إلى الله آثارها في الدنيا والآخرة، والأعمال الصالحة تتنامى.
 لكن إن لم يكن هناك في الحركة اليومية تطابق بين القول والفعل فقدت قيمتها، هي تسمى الآن مصداقية، الإنسان يقبل من الطبيب علمه فقط، ولا تعنيه استقامته، يقبل من المهندس علمه فقط، يوجد شق طولي في البناء، يا ترى هذا يجب أن يهدم أم يرمم؟ لا نعرف، المحامي ترجو إدراكه للقوانين، إلا الداعية إلى الله لا يمكن أن تقنع به إلا أن يكون هناك مصداقية بين أقواله وأفعاله.
 أذكر مرة يوجد عالم بالشام، ألقى درساً في العلاقات الزوجية، القسم النسائي بنت هذا العالم في الدرس، سألتها امرأة: والدك في البيت كما يقول؟
 الناس لا يرضون من الداعية أن يكون فصيحاً متكلماً، وذاكرته قوية، يريدونه مثلاً أعلى، والحقيقة المثل الأعلى متعلق بالكلام والفعل.
 النبي الكريم كان قدوة لأصحابه، قدوة بأعلى مستوى.
الدكتور بلال:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

[ سورة الأحزاب: 21]

الدكتور راتب :
 فالداعية وحده لا يكفي أقواله، بل أقواله مع أفعاله، مع حسن تقييمه، فدعا إلى الله وعمل صالحاً، أي حركته بالحياة، كسب ماله، إنفاق ماله، اختيار زوجته، تربية أولاده، قضاء وقت العطلة في طاعة، في معصية، لهوه، فرحه، جوانب كثيرة.

 

حرص كل إنسان على سلامته و سعادته و استمرار وجوده :

 الحقيقة نحن العبادات الشعائرية خمس عبادات، أما التعاملية فأنا أقول بالمئات، بالألوف، بعشرات الألوف، تبدأ من أخص خصوصيات الإنسان وتنتهي بالعلاقات الدولية، المؤمن الصادق يطبق بحركته اليومية منهج الله عز وجل، باختيار زوجته، باختيار حرفته، يوجد حرفة فيها شبهات، فيها إيذاء للناس، باختيار شراء بيته، بيت يكون مستوراً غير مكشوف مثلاً، باختيار الصنعة التي هو فيها.
 المؤمن الصادق يطبق بحركته اليومية منهج الله
وأنا أقول بالمناسبة: ألصق شيء بالإنسان حرفته وزوجته، فالبطولة أن يحسن اختيار الحرفة والزوجة، فهناك تفاصيل، لذلك لا بد من طلب العلم، الإنسان أعقد آلة بالكون، وهذا التعقيد تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة.
 وانطلاقاً من حرصه اللامحدود على سلامته، وعلى سعادته، وعلى استمراه، في الأرض ثمانية مليارات إنسان، ما منهم واحد إلا حريص على سلامته، من يحب المرض؟ الفقر؟ القهر؟ وحريص على سعادته، من لا يحب أن تكون زوجته صالحة؟ أن يكون أولاده أبراراً؟ بيته واسعاً؟ دخله معقولاً؟ كلنا، من لا يحب أن يعيش مئة وثلاثين سنة؟ والاستمرار بأولاده.
 فلذلك عندنا خصائص مشتركة للبشر جميعاً، لثمانية مليارات إنسان، منهج الله عز وجل يحقق لنا كل هذه الطموحات في حياتنا الدنيوية، والأخروية.
الدكتور بلال:
 إذاً:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة فصلت: 33]

التعاون علامة الإخلاص :

الدكتور راتب :

﴿ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 لا يكفي، هناك من يتوهم أنه هو الداعية الأول، يقلل من قيمة من حوله.

﴿ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 بالتعاون نرتقي عند الله
أنا واحد منهم، من باب الدعابة؛ هذا الذي يتوهم أنه الوحيد بالدعوة معه مرض التوحد، أنت واحد من مجموع دعاة، والإنسان كلما التقى مع الدعاة، الدعاة إذا تعاونوا، وتناصروا، وتبادلوا الخبرات، يرتقون جميعاً عند الله، وعند الناس، فإذا تبادلوا التهم في الإعلام أنا أقول مع الأسف الشديد: سقطوا من عين الله.
 أنا أقول والله أعلم: الدعاة إلى الله جميعاً في دائرة واحدة، بمعنى أنهم جميعاً على معلومات معقولة في كل فروع الدين، هذا تفوق في التفسير، نرمز لتفوقه بمثلث، هذا بالحديث، هذا بالسيرة، هذا بالعقود، ...إلخ، هذه المثلثات تميز الدعاة بعضهم بعضاً، هذه المثلثات متكاملة فيما بينها.
 لذلك علامة الإخلاص التعاون، وعلامة النفع من الدين التنافس، التعاون علامة إخلاص، التعاون علامة إدراك عميق، التعاون طاعة لله، الله قال:

﴿ وَتَعَاوَنُوا﴾

[ سورة المائدة: 2]

 أمر إلهي، ومع الأسف الشديد الشديد الطرف الآخر يتعاونون تعاوناً مذهلاً، وبينهم خمسة بالمئة قواسم مشتركة، والمسلمون أحياناً لا يتعاونون وبينهم خمسة و تسعون بالمئة قواسم مشتركة، هذا شيء مؤلم جداً.
الدكتور بلال:
 سيدي هل يحمل أيضاً:

﴿ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 دعا إلى الله، وعمل صالحاً:

﴿ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 هل يحمل معنى أنه عزا هذه الأخلاق وهذا العمل الصالح إلى الإسلام لا إلى ثقافته؟

 

التولي و التخلي :

الدكتور راتب :
 طبعاً، كلما افتقرت إلى الله كبرت عنده، وكلما اعتمدت على شخصك وقدراتك التي توهمتها صغرت عنده سبحانه، هذا التوحيد أساساً، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
 بصراحة الصحابة الكرام نخبة البشر، في بدر افتقروا إلى الله فانتصروا، هم هم، وفيهم سيد البشر، في حنين اعتدوا بعددهم فلم ينتصروا.
 أكاد أقول: هذا قانون مطبق على كل مسلم إلى ما شاء الله، تقول: أنا، دون أن تشعر بعلمك، بمكانتك، بخبراتك، بشهاداتك، بمالك، بذكائك، يتخلى عنك الله عز وجل، تقول: الله أعانني، فضل عليّ، رزقني هذه الزوجة الصالحة، متعني بصحتي، أعطاني حرفة أعيش منها، حينما تعزو هذا الخير إلى الله هذا الخير ينمو ويتنامى، ينمو ويزداد.
 فلذلك الملخص الملخص: تقول: أنا، يتخلى عنك، تقول: الله، يتولاك، أنت بين التولي والتخلي.
الدكتور بلال:
 سيدي، هناك أحياناً دعوة إلى الله في ظاهرها، في الظاهر هو يدعو إلى الله، لكن عملياً الدعوة ليست إلى الله، ما تعليقكم؟

الدعوة نوعان؛ دعوة إلى الله ودعوة إلى الذات :

الدكتور راتب :
 والله الدعوة لن تكون حرفة، فإن كانت مشبوهة في هدفها الله عز وجل قناعتي الأكيدة لا يكتب لها القبول، كلمة دقيقة: يكتب الله لدعوة القبول و هذا علامة إخلاص صاحبها، لا يوجد إخلاص لا يوجد قبول.
الدكتور بلال:
 هناك دعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله
إذاً هناك دعوة إلى الذات وليست دعوة إلى الله.
الدكتور راتب :
 دعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله، الدعوة إلى الله الخالصة أساسها الاتباع، هناك دعوة إلى الذات أساسها الابتداع، تبدع حتى تنفرد، يوجد دعوة إلى الله خالصة أساسها التعاون بين الدعاة، ودعوة إلى الله أساسها التنافس، دعوة إلى الله أساسها الاعتراف بالآخر، ودعوة إلى الذات أساسها إلغاء الآخر.
فلذلك البطولة أن نتعاون، أن نتبادل الخبرات، أن يحب بعضنا بعضاً، أن نكون وحدة، والآن من فضل الله يوجد مشاريع كثيرة لإنشاء اتحادات بين الدعاة إلى الله، وهذه لاقت قبولاً رائعاً جداً.
الدكتور بلال:
 لله الحمد والمنة.
 سيدي لو دخلنا أكثر في قضية الدعوة، وأخلاق الدعاة، وأنتم تحدثتم الآن عن بعض أخلاق الدعاة، لو تكرمتم ببعض قواعد الدعوة إلى الله، الأساسيات والعموميات؟

قواعد الدعوة إلى الله :

الدكتور راتب :
 القدوة قبل الدعوة، الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، لذلك القدوة قبل الدعوة، أي أب لم يتكلم ولا كلمة توجيهية أمام أولاده، لكن لم يروا منه كلاماً لا يليق، ما بدل ثيابه أمام أولاده، ما تابع أشياء على الشاشة لا ترضي الله، ما دام الأب منضبطاً انضباطه دعوة إلى الله، القدوة قبل الدعوة، وهي دعوة صامتة.
 خاطب القلب والعقل
والإحسان قبل البيان، املأ قلب من تدعوه بإحسانك ليفتح لك عقله لبيانك.
 والأصول مع الفروع، هناك مرض اسمه: الغرق في الجزئيات، الإنسان بحاجة إلى جزئيات وكليات يجمع بينهما، مخاطبة العقل والقلب معاً.

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾

[ سورة الانفطار: 6]

 خاطب القلب.

﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾

[ سورة الانفطار: 7]

 خاطب العقل.
 المضامين لا العناوين، المبادئ لا الأشخاص، قواعد الدعوة موضوع مهم جداً، كل إنسان طمح أن يكون داعية ما لم يطبق هذه القواعد لا ينجح، بل إن قمة التطبيق عند رسول الله، فالدعاة قدوتهم رسول الله، تتبعوا سيرته كيف دعا لأصحابه، كيف دعاهم، لم يثقل عليهم، لم يكلفهم ما لا يطيقون، يتجاوز على مسيئهم، هذه كلها مناهج للدعوة.

 

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
 جزاكم الله خيراً سيدي، وأحسن إليكم.
 أخوتي الأكارم؛ أسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من التائبين المريدين، وأن نلتقيكم دائماً وأنتم في أحسن حال، نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018