برنامج تحية الإفطار - الحلقة : 08 - معرفة الله من خلال آياته الكونية والتكوينية والقرآنية. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠27برنامج تحية الإفطار - قناة الرسالة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج تحية الإفطار - الحلقة : 08 - معرفة الله من خلال آياته الكونية والتكوينية والقرآنية.


2019-05-13

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

معرفة الله من خلال آياته :

 أيها الأخوة المشاهدون؛ أيها الأخوة الأحباب؛ إن عرفنا الله عرفنا كل شيء:

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

 السؤال الكبير الكبير كيف نعرف الله؟ الله عز وجل ذات كاملة، لا تدركه الأبصار ولكن العقول تصل إليه، كالمركبة تماماً تأخذك إلى شاطئ البحر، ولن تستطيع هذه المركبة الأرضية أن تخوض بها البحر، فلذلك الله عز وجل هيأ لنا آيات هي قنوات رائعة سالكة لمعرفة الله، والدليل كما ذكرتكم سابقاً لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، قال تعالى:

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية :6]

 هذه الآية أصل في هذا الموضوع، الآيات ثلاثة أنواع، آيات كونية، وآيات تكوينية، وآيات قرآنية، الكونية هي خلقه، والتكوينية أفعاله، والقرآنية كلامه.

التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق إلى الله :

 الكونية موقفنا الرائع منها التفكر، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191 ]

 دققوا الفعل مضارع، والمضارع يفيد الاستمرار:

﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191 ]

 إذاً التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق إلى الله، وأوسع باب ندخل منه على الله، أي آية من هذه الآيات الرائعة.
 كلكم يعلم أخوتنا الكرام أن الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي أن مليون وثلاثمئة ألف أرض يمكن أن تدخل في جوف الشمس، وأن بينهما مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، يقطعها الضوء في ثماني دقائق، الأرض والشمس والمجموعة الشمسية كلها تساوي نقطة واحدة في درب التبابنة، هذا إله عظيم، لذلك هذه الأرض في دورتها حول الشمس تمر باثني عشر برجاً، أحد هذه الأبراج برج العقرب، مرة زرت متحفاً في أمريكا، هذا البرج على شكل قبة سماوية، هناك خطوط بين نجوم هذا البرج، فإذا هو عقرب حقيقة، الذي سماه العقرب ما أخطأ أبداً، هذا برج كبير جداً تمر به الأرض في أثناء دورتها حول الشمس، بل وتمر باثني عشر برجاً إحداها برج العقرب، أما هذا النجم الصغير الأحمر المتألق في برج العقرب واسمه قلب العقرب يتسع- الآن دقق- للشمس والأرض مع المسافة بينهما، هذا الإله العظيم يعصى؟ ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعتـــه  إن المحب لـمن يحب يطيع
* * *

 أي طاعة الله هي كل شيء، تطيع القوي، تطيع العليم، تطيع الرحيم، تطيع الخالق، تطيع من مصيرك إليه، شيء دقيق، فلذلك أيها الأخوة الكرام؛ التفكر في خلق السماوات والأرض أقرب طريق إلى الله، و أوسع باب ندخل منه على الله.

الخلق الحسن ثمرة الإيمان :

 هذا الكون بين أيدينا، تحت سمعنا وأبصارنا، هو الثابت الأول، هو الكتاب المفتوح، يقرؤه كل إنسان مسلم غير مسلم، عربي غير عربي، كتاب مفتوح، لذلك بعضهم قال كلاماً رائعاً جداً، قال: القرآن كون ناطق، والكون قرآن صامت، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي. وما لم ير المسلمون اليوم إسلاماً يمشي أمامهم، إن حدثهم فهو صادق، إن عاملهم فهو أمين، إن استثيرت شهوته فهو عفيف، هذا الإسلام شيء آخر إنسان مسلم له مئات الصفات، منضبط، عنده حدود لكل شيء، عنده منطلقات، عنده عقلية تتسم بالاتساع، عنده مبادئ، عنده قيم، عنده رحمة بقلبه، عنده لطف بمعاملته، ما لم يكن المؤمن إنساناً متميزاً متألقاً، تشد له الأبصار يوجد بإيمانه مشكلة، المؤمن إنسان تخلق بأخلاق الله، والله عز وجل يحب أن تتخلق بأخلاقه، يحبك رحيماً:

(( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي ))

[ الديلمي عن أبي بكر]

 يحبك حكيماً، قال تعالى:

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ﴾

[ سورة البقرة:269 ]

 يحبك لطيفاً، يحبك كاملاً، مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى، فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً، الخلق الحسن ثمرة الإيمان، الخلق الأصيل، فيه حلم، فيه رحمة، فيه شفقة، فيه بطولة، فيه ثبات، فيه قوة إرادة، فيه تمثل لمشكلات الآخرين، المؤمن يعيش لغيره، لا يوجد عنده فردية، عنده غيرية، لذلك المؤمن لا بد من أن تحبه، فإن لم يُحب المؤمن هناك مشكلة فيه، بل يعشق المؤمن لكماله، لتواضعه، للطفه، لحكمته، لحنكته، لذكائه، عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، هذا هو المؤمن، وأرجو الله عز وجل أن نكون ممن يخاطب به في القرآن الكريم، يا أيها الذين آمنوا، أكثر من مئتين وخمسين آية تخاطب المؤمنين يا ترى أيها الأخ المؤمن إذا قرأت هذه الآية:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ﴾

[ سورة آل عمران: 200 ]

 هل تشعر نفسك معنياً بهذا الخطاب؟ من علامة إيمانك أن تشعر أنك معني بهذا الخطاب.

الدعاء :

 اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغها به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، متعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا- دقق بذنوبنا- من لا يخافك ولا يرحمنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018