برنامج منهج التائبين - الحلقة : 07 - التواب وعلاقة التوبة بالتواب. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠45برنامج منهج التائبين - قناة الرحمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج منهج التائبين - الحلقة : 07 - التواب وعلاقة التوبة بالتواب.


2019-05-12

مقدمة :

الدكتور بلال:
 بسم الله:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن: 1- 4]

 والصلاة والسلام على النبي العدنان، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان.
 أخوتي أخواتي؛ نحن معاً في: "منهج التائبين" نترسم خطا التائبين لنسير إليها إلى رب العالمين، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم دائماً من التائبين والمنيبين، رحبوا معي بفضيلة شيخنا محمد راتب النابلسي، السلام عليكم سيدي.
الدكتور راتب :
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ونفع الله بكم.
الدكتور بلال:
 أكرمكم الله سيدي، وبارك بعلمكم.
 مازلنا نأخذ هذه النفحات الطيبة من منهج التائبين، ونعيش مع هذه المعاني الطيبة، اليوم الحديث عن التواب جلّ جلاله، وعلاقة التوبة بالتواب، يقول تعالى في كتابه الكريم:

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الحجر:49]

 وكثير من المسلمين يقفون هنا ولا يتابعون الآية:

﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾

[ سورة الحجر:50]

 هذه الثنائية، أو ذاك التوازن بين الغفور الرحيم وأن هناك عذاباً أليماً، الرغب والرهب، والخوف والطمع، كيف نفهمهما؟

 

بطولة الإنسان أن يحبه من حوله مع الخوف منه :

الدكتور راتب :

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

[ سورة الرحمن:78]

 النجاح هو أن يحبك من حولك ويهابونك بالوقت ذاته
أي هذا الاسم، هذه الآية فيها شيء دقيق جداً، ينبغي أن تحبه بقدر ما تخافه، وأن تخافه بقدر ما تحبه، وهذا الدرس للمربي، للأب، للأم، لرئيس الدائرة، من الخفير للأمير، هؤلاء الذين حولك ينبغي أن يحبوك، من إحسانك، ومن إكرامك، ومن محبتك لهم، وفي الوقت نفسه ينبغي أن يخافوك، لئلا يتجاوز الإنسان حدوده.
 فالحقيقة أن يحبك الناس فقط ليس هذا نجاحاً، أو أن يخافونك فقط ليس نجاحاً، فالبطولة أن تمسك العصا من الوسط، هذا الذي حولك يحبك بقدر ما يخافك، أو يخافك بقدر ما يحبك.

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

[ سورة الرحمن:78]

الدكتور بلال:
 الجلال، الهيبة، هذا الخوف.
الدكتور راتب :
 الهيبة والعظمة والإكرام هو الحب، هذا الدرس للأب، للأم، ولرئيس الدائرة، ولكل إنسان صاحب قيادة، صاحب صلاحية.
الدكتور بلال:
 إذاً هذا الشخص سيدي الذي أغرق بالمعاصي، وأكثر منها، إذا قلت له: عد إلى الله، وتب إلى الله، قال: إن ربك غفور رحيم، هذا يخطئ.

 

عبادة الله على جناحي الرغبة والرهبة :

الدكتور راتب :
 هذه فيها سذاجة، غفور رحيم، لكن الله قال:

﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾

[ سورة الحجر:50]

 غفور رحيم لمن تاب، وأناب، غفور رحيم لمن ندم، أما لمن أصرّ على المعصية فنقول له تابع الآية:

﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾

[ سورة الحجر:50]

الدكتور بلال:

﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ﴾

[ سورة طه:82]

الدكتور راتب :

﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ﴾

[ سورة طه:82]

الدكتور بلال:
 إذاً سيدي الأمر الأول أن نعبد الله على جناحي الرغبة والرهبة، والخوف والطمع، متى يغلب الإنسان جانب الخوف ومتى يغلب جانب الطمع؟

 

حكمة الإنسان في تغليب جانب الخوف أو الطمع برحمة الله :

الدكتور راتب :
 والله أنا أولاً يخطر في بالي إذا جاءك إنسان وتلبس بمعصية، أنا أعطيه جانب الأمان، تب إلى الله، الله غفور رحيم، أعطيه شيئاً عن رحمة الله، عن عفوه، عن كرمه، وجدت إنساناً يستفتيك في معصية، أعطه أشد الفتوى، لأنه لم يرتكبها بعد، لمن ارتكبها أعطه الأشياء الإيجابية في التوبة الذي امتلأ يأسا يجب أن تطمعه برحمة الله
إذا الشخص لم يرتكبها بعد خوفه منها، فالحقيقة تحتاج إلى حكمة، والحكمة تقتضي أن ترى هذا السائل من هو؟ هناك سائل متلبس بمعصية، أعطه جانب الرحمة، وعفو الله عز وجل، وجانب يزمع على أن يفعل معصية أعطه جانب الخوف.
الدكتور بلال:
 هذا بالنسبة لمن يسأل، على الصعيد الشخصي، إنسان يأتيك وقد امتلأ قلبه يأساً من رحمة الله عز وجل، وبالمقابل إنسان مفرط في الناحية الأخرى، من ناحية الرحمة، وأن الله رحيم.
الدكتور راتب :
 الذي امتلأ يأساً ينبغي أن تعطيه الجانب الإيجابي من رحمة الله، والذي امتلأ طمعاً من رحمة الله ينبغي أن تعطيه الجانب السلبي.
 الحقيقة يوجد شيء دقيق جداً، لا يوجد فتوى عامة، لكل إنسان فتوى، حتى أن هناك قصصاً كثيرة أن العلماء أفتوا بطريقتين متناقضتين، فأجاب هذا قبل أن يفعل المعصية، وهذا بعد أن فعلها.
الدكتور بلال:
 سيدي جزاكم الله خيراً.
 إذاً نعود إلى علاقتنا بالتواب.

رحمة الله تسع كل من تاب إليه و أناب :

الدكتور راتب :
 التواب صيغة مبالغة، يوجد تائب اسم فاعل، التواب صيغة مبالغة.
الدكتور بلال:
 ما معنى المبالغة؟
الدكتور راتب :
 رحمة الله وسعت كل شيء
إذا جاءت صيغة المبالغة، الإجابة الدقيقة: أن المبالغة نوعان، كماً وكيفاً، أي الله يغفر ألف ذنب، ويغفر أكبر ذنب، كماً وكيفاً، توّاب لعدد من الذنوب الكثيرة، وتّواب لذنب كبير، ويقابل التواب اليائس من رحمة الله، يقترب اليأس من القنوط، والقنوط من الكفر.
الدكتور بلال:
 إذاً أي ذنب مهما عظم وبدا في عين الإنسان عظيماً فإن الله عز وجل يغفره.
الدكتور راتب :
 لأن هذا المذنب شيء، وعمله شيء، ورحمة الله وسعت كل شيء.
الدكتور بلال:
 الله أكبر، إذاً تسعه رحمة الله إن تاب وأناب، سيدي الفاضل من الأسماء المتصلة بقضية التوبة اسم الغفور الرحيم.

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الزمر: 53]

 التواب تكلمتم عنه سيدي، الآن الغفور؟

 

الله تعالى يغفر الذنب و لا يعاقب عليه :

الدكتور راتب :
 يغفر الذنب لا يعاقب عليه، ما دام غفر لا يعاقب عليه، لكن أحياناً الإنسان يذكر هذا الذنب، رحمة الله تقتضي أن ينسى هذا الذنب، إذا تاب العبد توبة نصوحة، أنسى الله حافظيه، وبقاع الأرض، كلها خطاياه وذنوبه، ذكر الذنب مؤلم جداً، لو قبل الله التوبة، لكن الله من تمام رحمته أنه يقبل توبته، وينسيه هذا الذنب.
الدكتور بلال:
 يغفره، وينسيه، وينسي الناس.
الدكتور راتب :
 والبطولة أنا أقول دائماً كلمة: إذا كنت تعرف عن إنسان ذنباً ارتكبه سابقاً، إن ذكرته به فقد أسأت إليه، فالأدب الكامل، والأخلاق الرفيعة، الذنب القديم لإنسان تعرفه يجب أن تنساه كلياً.
الدكتور بلال:
 هناك حالة تخطر لي الآن.

من ستره الله وتفضل عليه بالستر فعليه أن يصمت :

الدكتور راتب :
 يوجد نقطة دقيقة جداً: لو أن إنساناً ارتكب خطأ ينبغي ما دام الله قد ستره ألا يفضح نفسه.
الدكتور بلال:
 هذا الذي كنت أريد أن أسأل عنه.
الدكتور راتب :
 عندما يستر الله ذنبك عليك فلا تفضح ذنبك
حدثني أخ، شخص ذكر لإنسان غلطة كبيرة ارتكبها، قال لي: والله بعد عشرين سنة كلما رأيته تذكرت خطأه، أي بشكل أو بآخر الإنسان لا يغفر، أما الله فغفور رحيم، فإذا إنسان أخطأ لا يذكر خطأه أبداً، هذا الاعتراف بالذنب بالإسلام غير وارد إطلاقاً، ما دام الله سترك وتفضل عليك بالستر فينبغي أن تصمت.
الدكتور بلال:
 وهذا يحصل سيدي عند الخاطبين، الخاطب أو المخطوبة، إما أن يذكر لها ماضيه أو تذكر له ماضيها.
الدكتور راتب :
 والله أنا أقول: هذه حماقة كبيرة، أخطأت سابقاً قبل أن تخطبها، والله سترك، تفضح نفسك أمامها، لن تنسى هذا الخطأ.
الدكتور بلال:
 ما دمت تبت، كمن لا ذنب له.
الدكتور راتب :
 إذا تاب الله عليك فاقبل هذه التوبة واشكره عليها، ولا تفضح نفسك من خلال تذكر أخطائك.
الدكتور بلال:
 سيدي هنا يحضرني ما دمنا نتحدث اليوم عن علاقتنا بالتواب، بالله تعالى، وعلاقة التوبة بالله تعالى، يحضرني علاقة الأب بالابن، علاقة الأبوة في الإسلام، بمعنى أن نرى كيف يغفر لابنه، يسامحه، لا يريد به إلا خيراً، كيف وضح لنا ربنا هذه العلاقة من خلال شيء بسيط في حياتنا علاقة الأب والابن، أو الأم والابن؟

نظام الأبوة والبنوة من آيات الله الدالة على عظمته :

الدكتور راتب :
 الحقيقة هذا اجتهاد مني طبعاً، الله عز وجل واجب الوجود، الله عز وجل غفور رحيم، الأسماء الحسنى، الصفة الرائعة، الله أراد أن نعرفها من خلال مثل بشري، الأب مهما أسأت له يغفر لك، والأم كذلك، بل لو تفوقت على أبيك يفرح لك بذلك، لا يوجد غير الأب والأم لو تفوقت عليهما بالعلم أحياناً، أو بالمنصب، أو بالثروة، الأب والأم فقط يفرحان لك، فالله عز وجل جعل لك أباً وأماً تفهم من خلالهما مثلاً أعلى لله عز وجل، يفرح بتوبة عباده.

(( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد))

[ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]

الدكتور بلال:

﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾

[ سورة البلد:3]

 أقسم الله بهذا النظام.
الدكتور راتب :
 نظام الأبوة نظام يدل على عظمة الله
كما أن الكون من آياته الدالة على عظمته أيضاً، ونظام الأبوة والبنوة نظام آخر يدل على عظمة الله عز وجل.
الدكتور بلال:
 وهذه الرحمة التي في قلب الأب أو الأم إنما هي رحمة من الله.
الدكتور راتب :
 أذكر نبياً كريماً مرّ على امرأة تخبز على التنور، ابنها الصغير على طرف التنور، كلما وضعت رغيفاً مسكته، وشمته، وضمته، رحمة، هذا النبي- هكذا تروي القصص - قال: يا ربي ما هذه الرحمة؟ وقع في روعه أن هذه رحمتي وضعتها في قلب أمه، وسوف أنزعها، فلما نزع الرحمة من قلب الأم ألقته في التنور، شيء دقيق جداً.
 أنا مرة كنت بمستشفى أطفال، لفت نظري شيء، المحجبة تضم ابنها وتبكي، والسافرة تضم ابنها وتبكي، والتي في المدينة كذلك، وفي الريف كذلك، الله عز وجل أودع في قلب الآباء والأمهات رحمة، هذه الرحمة أودعها فيهم، شيء من فطرتهم، أما بر الأبناء بالآباء فتكليف، محبة الآباء والأمهات لأولادهم طبع، أما بر الأبناء لآبائهم فتكليف، وفرق كبير بين التكليف والطبع، فالمؤمن طبعاً من طبعه أن يحب أولاده، وحتى غير المؤمن، أما بر الوالدين فللمؤمنين.
الدكتور بلال:
 تكليف، وهذا يذكرنا سيدي بالقصة التي رواها ابن القيم الجوزية، عن هذا الطفل الذي أخرجته أمه من البيت خارجاً، فذهب بعيداً، وجلس يبكي ثم عاد إلى بابها، ففتحت الباب فوجدته على العتبة، قالت له: لا تحملني على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة بك وضمته، وجعلت تقبله.

((لا مَلْجأ، ولا مَنْجَا منك إلا إليك))

[متفق عليه عن البراء بن عازب]

 وهذه رحمة الله.
الدكتور راتب :
 والله يقبل التوبة مهما كثرت، لكن أول توبة أهون توبة، بعدها أصعب، فأنا أقترح على الأخوة المشاهدين أن يضموا إلى توبتهم الثانية صدقة، حتى ترمم التوبة الثانية.

 

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
عملاً صالحاً.
 بارك الله بكم سيدي وجزاكم خيراً، نتابع إن شاء الله في لقاءات قادمة منهج التائبين.
 أخوتي أخواتي؛ طاب هذا اللقاء بحضوركم، كل الشكر لفضيلة شيخنا على ما أمتعنا به من هذه المعلومات القيمة، نسأل الله تعالى أن نلتقيكم دائماً في منهج التائبين، وأنتم بأحسن حال مع الله، ومع خلقه.
 إلى الملتقى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018