برنامج منهج التائبين - الحلقة : 06 - التوبة الجماعية والتوبة الفردية. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠45برنامج منهج التائبين - قناة الرحمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج منهج التائبين - الحلقة : 06 - التوبة الجماعية والتوبة الفردية.


2019-05-11

مقدمة :

الدكتور بلال:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 أخوتي أخواتي بتحية الإسلام نحييكم؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحن معاً في مستهل حلقة جديدة من برنامجنا: "منهج التائبين" نبحر فيه مع حضراتكم حول معاني التوبة، وحول شروطها، وأركانها، وكيف ننهض معاً إلى الله تعالى.
 أيها الكرام؛ ضيفنا الدائم كالمعتاد فضيلة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي، فرحبوا معي به، السلام عليكم سيدي.
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ونفع الله بكم، وأعلى قدركم.
الدكتور بلال:
 بارك الله بكم سيدي، أكرمكم الله سيدي، جزاكم الله خيراً.
 سيدي نحن نتحدث عن التوبة، نتحدث اليوم عن قضية التوبة الجماعية، بمعنى أن الله تعالى يقول:

﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة النور: 31]

 لماذا قال الله تعالى:

﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً ﴾

[ سورة النور: 31]

عظمة هذا الدين أنه دين فردي وجماعي بآن واحد :

الدكتور راتب :
 فيما يبدو أن التوبة لا تقطف ثمارها إلا إذا كانت جماعية، لو فرضنا أن مئة بيت جميعهم التزموا التوبة، لم يبق هناك شعور بالغربة، هذا البيت ملتزم، وهذا ملتزم، تطبيق الدين أسهل بكثير، لأنه عندما يكون هناك توبة جماعية يكون هناك عرف جماعي، مبادئ مشتركة، وقيم مشتركة، وتطلعات مشتركة، ومخاوف مشتركة، التوبة الجماعية نقطف بها ثمار التوبة، لكن عظمة هذا الدين أنه دين فردي وجماعي بآن واحد، لو طبقه إنسان وحده من بين ملياري مسلم الآن، طبقه وحده يقطف كل ثماره الفردية، ليس الجماعية، أي يوجد سكينة، وتوفيق بزواجه، وأولاده أبرار، وبناته صالحات، محجبات، ودخله مشروع، وسعادة أسرية، هذا الدين لو طبقه واحد فقط من بين ملياري مسلم يقطف كل ثماره الفردية، أما لو طبقته الأمة فتقطف ثماره الجماعية، والدليل:

دين الإسلام دين فردي وجماعي بآن واحد

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33]

 أي يا محمد ما دامت سنتك قائمة في حياتهم هم في مأمن من عذاب الله، أما الآية الشاهد للإسلام الفردي:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء: 147 ]

 أي هذا الكون مسخر تسخير تعريف وتسخير تكريم، تسخير التعريف أن تؤمن وتسخير التكليف أن تشكر، فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك، عندئذٍ تنتهي المصائب، الآية تقول:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء: 147 ]

 أما كأمة، هذه الأمة إذا طبقت الإسلام، اعتمدته في أنظمتها وقوانينها، تقطف ثماره الجماعية، تأتي الآية تقول:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33]

 هذا يعني أن الفرد لا عذر له، لو أن الأمة ما طبقته، طبقه وحدك تقطف كل ثماره الفردية، طبقته الأمة تقطف كل ثماره الجماعية، أما الله عز وجل فالأكمل:

﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة النور: 31]

الدكتور بلال:
 ثم قال:

﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة النور: 31]

 أي ربط التوبة الجماعية بالفلاح.

 

الفرق بين النجاح و الفلاح :

الدكتور راتب :
 يوجد فرق دقيق جداً بين النجاح والفلاح، النجاح أن تنجح في جمع الأموال، بيل غيتس، جوبز، النجاح أن تنجح في اختيار زوجة صالحة، أن تنجح في اختيار مهنة، دخلها كبير، وجهدها قليل، هذا نجاح، لكن الفلاح شيء آخر، أنت حينما تنجح مع ربك معرفة وطاعة وتقرباً، وتنجح مع نفسك، وأن تعرف الله، وأن تطبق منهجه، تنجح في بيتك باختيار زوجة صالحة، وتربية أولادك، وتنجح في عملك إتقاناً وربحاً المفلح هو المتفوق في كل شيء
إذا جمعت النجاحات كلها فهذا فلاح، وكلمة الفلاح جاءت بأماكن في القرآن كثيرة، ولم ترد أية كلمة نجاح، فالمفلح هو المتفوق، أي عرف الله، فاستقام على أمره، وتقرب إليه، واختار زوجة صالحة، وربى أولاده، نجح في بيته، نجح في عمله، نجح في علاقاته كلها، انقلب النجاح إلى فلاح، النجاح أحادي، والنجاح شمولي.
الدكتور بلال:
 إذاً من هنا ذكر الله تعالى:

﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة النور: 31]

 فالتوبة الجماعية تؤدي إلى الفلاح.
الدكتور راتب :
 طبعاً، لأن الأمة إن طبقت هذا الدين قطفت ثماره الجماعية، والفرد إن طبق هذا الدين قطف ثماره الفردية.
الدكتور بلال:
 فتفلح الأمة.
 يوجد آية أخرى قريبة من هذه الآية الشيء بالشيء يذكر، إذ يقول تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119]

 ما فائدة ذلك؟

 

الاستعانة بحاضنة إيمانية تعين على التوبة :

الدكتور راتب :
 عندنا حالة جديدة، أحياناً الإنسان وحده يشعر بالغربة، الله عز وجل وضع له الحل، كن:

﴿ مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119]

 لابد للمؤمن من صحبة المؤمنين
عش معهم، لتكن النزهة مع المؤمنين، السهرة مع المؤمنين، علاقات العمل لا شيء فيها، لكن علاقات العمل غير حميمة، أما العلاقات الحميمة فمع المؤمنين.
 لذلك دائماً وأبداً عندنا لعبة اسمها شد الحبل، جلست مع جماعة، استطاعوا أن يشدوك إليهم، إلى ترك الصلاة، دعهم فوراً، أما إذا أمكنك أن تشدهم إليك فابقَ معهم، هذه اللعبة ميزان.

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119]

 كأن هناك معنى ضمنياً، إنكم إن كنتم وحدكم قد تزل قدمكم، كن مع الصادقين، تحتاج بالتعبير المعاصر إلى حاضنة إيمانية، إلى مؤمنين تسهر معهم، النزهة معهم، السفر معهم، هذه حاضنة إيمانية.
 آية ثانية:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا ﴾

[ سورة الكهف: 28]

 قد يتوهم متوهم أن أغفلنا فعلاً متعدياً، جعلناه غافلاً، المعنى أغفلنا وجدناه غافلاً، عاشرت القوم فما أبخلتهم، عاشرت القوم فما أجبنتهم.

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ ﴾

[ سورة الكهف: 28]

 وجدناه غافلاً.

﴿ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف: 28]

الدكتور بلال:
 إذاً سيدي يحيط الإنسان نفسه بحاضنة إيمانية تعينه على التوبة.

 

علاقات العمل شيء والعلاقات الحميمة شيء آخر :

الدكتور راتب :

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾

[ سورة الكهف: 28]

 لكن هذا لا يمنع علاقات العمل، أنت بشركة، يمكن هذه الشركة إدارتها غير ملتزمة بالشرع، أنت عندك دوام، المطلوب منك إتقان عملك فقط، علاقتك بالعمل علاقة عمل فقط، أما العلاقة الحميمة، علاقة سفر طويلة، سهرة طويلة، لقاء مستمر، لقاء حميم، علاقات العمل شيء والعلاقات الحميمة شيء آخر، الحميمة مع المؤمنين.
 إذاً:

((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ))

[أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه]

 أما علاقات العمل فتبقى قائمة.
الدكتور بلال:
 لكن العلاقات الحميمة مع المؤمنين، وهذا ينقلنا إلى قضية الأخوة في الله، وإلى قضية الحب في الله، كيف أستطيع أن أميز أحبتي في الله؟

 

الحبّ في الله عين التوحيد والحبّ مع الله عين الشرك :

الدكتور راتب :
 قالوا: الحب في الله عين التوحيد، والحب مع الله عين الشرك.
الدكتور بلال:
 ما الفرق بينهما سيدي؟
الدكتور راتب :
 الحب في الله أن تحب الله، أن تحب أنبياءه جميعاً، رسله جميعاً، رسول الله، أصحابه الكرام جميعاً، من دون تمييز، العلماء الربانيين، المساجد، الأعمال الصالحة، أي كل شيء يمت بصلة إلى الله أن تحبه.
الدكتور بلال:
 حتى لو أحبّ زوجته وأولاده.
الدكتور راتب :
 طبعاً، لأن الله عز وجل خلق بينهما المودة، هذا شيء طبيعي، كل شيء مشروع إن أحببته حب في الله، إن أحببت جهة منعتك أن تصلي، حب مع الله، الحب مع الله عين الشرك، الحب في الله عين التوحيد.
الدكتور بلال:
 إذاً هذه الأخوة الإيمانية مطلوبة في هذا الزمان.

ضرورة إعطاء صورة طيبة عن الدين :

الدكتور راتب :
 لا تمنع أن تكون مع الآخرين غير المحبين و الذين يمشون بشكل صحيح:

﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة الممتحنة: 8]

﴿ أَنْ تَبَرُّوهُمْ ﴾

[ سورة الممتحنة: 8]

 الخطأ من قبل المسلم في الغرب ينسب إلى الإسلام
أنت هناك لك عمل صالح، لك إعطاء صورة طيبة عن الدين.
 لي تعليق ضروري جداً: المسلم أخطأ في بلاد إسلامية، يشار إليه فقط، فلان أخطأ، إذا أخطأ في بلاد أخرى يشار إلى إسلامه، أنت على ثغرة من ثغر هذا الدين، فلا يؤتين من قبلك، الخطأ ببلاد أخرى يشار فيه إلى دينك، أما الخطأ في بلادك فيشار فيه إلى ذاتك.
الدكتور بلال:
 وهذا سيدي يعني اليوم الجاليات العربية والإسلامية التي أصبحت كبيرة جداً في بلاد المهجر فجزاكم الله خيراً على هذا التوضيح، لو نزيدهم، الكثير - لا أقول كثيراً حتى لا أعمم - أو بعض المسلمين هناك يقعون في مخالفة القوانين، ويقعون في بعض الأمور التي لا ترضي الله عز وجل فيسيئون إلى دينهم.
الدكتور راتب :
 والآخرون لهم بالمرصاد، وقد يكبرون هذا الخطأ مئة ضعف، لينالوا منهم، أنت إذا أخطأت مع الآخر نقلت الخطأ إلى دينك، أما إذا أخطأت في بلدك فيشار إليك فقط.
الدكتور بلال:
 ولا ننكر سيدي إنصافاً للأمانة أن هناك أخوة كراماً في هذه البلاد ينقلون أفضل صورة عن ديننا الحنيف.

 

التعميم من العمى :

الدكتور راتب :
 سأقول كلمة: كنت مرة في جامعة، أحضر فيها الماجستير، طالب من الطلاب يعطي ملخصاً عن أطروحته، فقال كلمة، فصاح به المشرف أن اسكت، هذا تعميم، والتعميم من العمى.
 التعميم من العمى
أنا تابعت القرآن، ماذا قال تعالى؟

﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾

[ سورة آل عمران: 199]

 ما قال إن أهل الكتاب، القرآن لم يعمم، لأن التعميم من العمى.
الدكتور بلال:
 ليسوا سواء، إذاً هذا منهج سيدي، جزاكم الله خيراً، فائدة على الهامش علينا ألا نعمم وإنما يوجد الصالح وغير الصالح.
الدكتور راتب :
 خصص ولا تعمم.
الدكتور بلال:
 جزاكم الله خيراً سيدي، وأحسن إليكم، أي في هذا اللقاء كأننا استفدنا فائدة مهمة جداً وهي أن يتعاون الإنسان مع أخوةٍ له في الله في توبة جماعية ليقطفوا جميعاً ثمار هذه التوبة، الثمار الجماعية في واقعهم.

 

التعاون حضارة و قوة :

الدكتور راتب :
 التعاون حضارة، التعاون قوة، التعاون مطلوب، الطرف الآخر يتعاونون وبينهم خمسة بالمئة قواسم مشتركة، ومع الأسف الشديد الطرف الأول المؤمنون لا يتعاونون وبينهم خمسة وتسعون بالمئة قواسم مشتركة.

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
 جزاكم الله خيراً سيدي، وأحسن إليكم.
 أخوتي الأكارم؛ في نهاية هذا اللقاء لم يبقَ لنا إلا أن نشكر شيخنا الفاضل على ما أفاد به وأجاد، فجزاه الله عنا كل خير، وأنتم جزاكم الله خيراً لحسن المتابعة، نسأل الله عز وجل أن نلتقيكم دائماً وأنتم في أحسن حال مع الله ومع خلقه إلى الملتقى، أستودعكم عند الله الذي لا تضيعه ودائعه.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018