برنامج منهج التائبين - الحلقة : 04 - أركان التوبة : العلم - الحال – العمل، والعلم ما ينبغي أن يعلمه المؤمن بالضرورة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠45برنامج منهج التائبين - قناة الرحمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج منهج التائبين - الحلقة : 04 - أركان التوبة : العلم - الحال – العمل، والعلم ما ينبغي أن يعلمه المؤمن بالضرورة.


2019-05-09

مقدمة :

الدكتور بلال:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صاحب الخلق العظيم، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.
 أخوتي الأكارم، أخواتي الكريمات، نحن معاً في حلقة جديدة من برنامجنا: "منهج التائبين" نرسم الخطوات التي توصلنا إن شاء الله تعالى إلى بر الأمان، وإلى توبة نصوح يرضى الله بها عنا جميعاً.
 ضيفنا الدائم لهذه الحلقات شيخنا الفاضل الدكتور محمد راتب النابلسي، فاسمحوا لي أن أرحب به باسمكم جميعاً.
 السلام عليكم سيدي.
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الدكتور بلال:
 شرفتم سيدي المكان والزمان.
الدكتور راتب :
 وأنا سعيد بكم.
الدكتور بلال:
 بارك الله بكم، سيدي وصلنا في اللقاء الماضي إلى أن التوبة علم، وحال، وعمل، هذه أركانها، يعلم أنه مذنب فيندم، فيندفع إلى الإصلاح، نريد أن نفصل، نبدأ بالعلم، ما أهمية العلم في التوبة؟ ما هو العلم اللازم ليتوب الإنسان؟

أركان التوبة :

1 ـ علمٌ :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض
ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، الصلاة فرض، والصلاة لا تتم إلا بالوضوء، فالوضوء فرض، القضية دقيقة جداً، ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، فلذلك أنت حينما تتعلم تكتشف الذنب، فالذنب لا بد من طلب العلم حتى تكتشف أنك مذنب، أو غير مذنب، أما إذا شخص لم يطلب العلم يتوهم أنه على حق، فمادام هناك ذنب لا بد من طلب العلم حتى تكتشف أنه ذنب.
الدكتور بلال:
 فالتوبة واجبة، والعلم واجب.
الدكتور راتب :
 ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، إذاً طلب العلم هو الأصل، أنت بالعلم تكتشف ما إذا كنت على حق أو على باطل، أنت مذنب أم غير مذنب.
الدكتور بلال:
 هذا العلم سيدي، يقول الإنسان: علوم الشريعة كثيرة، هل هناك علم ينبغي أن يتعلمه؟

العلم هو المنطلق لكلّ شيء :

الدكتور راتب :
 هذا المظلي معه مظلة، يا ترى شكلها بيضوي أم كروي أم مستطيل؟ لا يعرف، ولا يعرف ما نوع نسيجها، خيط طبيعي أم صناعي؟ كم حبل؟ لا يعرف، قد يجهل خمسين معلومة، إلا معلومة واحدة، طريقة فتحها، إن جهلها نزل ميتاً.
 هناك ما يجب معرفته بالضرورة من أحكام الإسلام
هذا سماه العلماء ما ينبغي أن يعلم بالضرورة، تاجر، صانع، متعلم، غير متعلم، يوجد حد أدنى من طلب العلم، يشمل جميع الناس، وإلا هناك معصية، والمعصية لها عقابيل خطيرة جداً.
 إذاً نحن نتكلم الآن عما ينبغي أن يعلم بالضرورة، أركان الإيمان، أركان الإسلام، الأحكام الشرعية المتعلقة بحرفته، كتاجر، كطبيب، كمحام، كمهندس، الأركان الخمس، أركان الإيمان، أركان الإسلام، مع الأحكام الشرعية الدقيقة التي تتصل بحرفتك، هذا ينبغي أن يعلم بالضرورة.
الدكتور بلال:
 كمن يدخل السوق بغير علم.
الدكتور راتب :
 كمن يستخدم مظلة لا بد من أن يعرف طريقة فتحها.
الدكتور بلال:
 وهناك من يدخلون السوق سيدي بغير علم فيأكل الربا شاء أم أبى، لأنه لا يعلم، إذاً سيدي العلم هو المنطلق في التوبة.
الدكتور راتب :
 والله قال:

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل: 43]

 إما أنك تعلم، أو لا تعلم، تعلم تعلم، لا تعلم:

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل: 43]

الدكتور بلال:
 هذا هو العلم.
الدكتور راتب :
 مفتاح العلم السؤال.
الدكتور بلال:
 مفتاح العلم السؤال.
 جزاكم الله خيراً، هذا العلم، الحال هو الندم.

2 ـ حالٌ :

الدكتور راتب :
 طبعاً العاصي إن لم يشعر بالندم معنى هذا لم يتب، هو علم، وحال، الحال الندم، ضيعت.
 شخص فرضاً يوجد شيك له بمئة ألف، موضوع على الطاولة على عكس وجهه، ظنه ورقة عادية فمزقه، وهذا الشيك لا يعوض، ألا يتألم ألماً لاحدود له؟
 فهو علمٌ، وحال، وعمل، إذا كنت تخاف على شيء فضعه بمكان أمين، ضعه بصندوق محكم الإغلاق، علمٌ، وحال، وعمل.
الدكتور بلال:
 أنا أريد أن أفصل أيضاً في موضوع العمل، هو علم أنه مذنب فندم على ذنبه فانتفع، الآن يريد أن يصحح سلوكه.

3 ـ عملٌ :

الدكتور راتب :
 يوجد كفارات، الحقوق تؤدى، عليك مبلغ تؤديه، هناك إساءة لإنسان اعتذر منه، أسأت له أمام ملأ، اعتذر له أمام الملأ نفسه، أنا كنت مخطئاً، هذا موقف عال جداً بالإنسان.
الدكتور بلال:
 هذا إصلاح بما كان في الماضي، في الحاضر يعزم على عدم فعله؟
الدكتور راتب :
 الإقلاع عنه، والمستقبل يعزم على ألا يعود إليه، إذاً علمٌ، وحال، وعمل.
الدكتور بلال:
 إذاً التوبة النصوح، علمٌ، وحال، وعمل، يعزم على عدم العودة، ويندم على ما كان، ويستغفر الله عز وجل.

ترميم التوبة بالصدقة :

الدكتور راتب :
 لكن لو أن شخصاً زلت قدمه، وارتكب الخطأ نفسه، ماذا يفعل؟ يتوب مرة ثانية، يقول لي: التوبة صعبة.
 الصدقة ترمم التوبة
والحقيقة بالمناسبة: أهون توبة من الذنب أول مرة، في المرة الثانية أصعب، أنا أقترح لمن زلت قدمه بأنه أعاد المعصية أن يرممها بالصدقة.
الدكتور بلال:
 يضيف صدقة، لكن مهما تكرر الذنب لا ينبغي أن ييئس من التوبة.
الدكتور راتب :
 أبداً، لا يوجد غير التوبة.
الدكتور بلال:
 كما قال صلى الله عليه وسلم:

((ود الشيطان لو ظفر منكم بذلك))

 سيدي نلاحظ أحياناً ظاهرة هذا أذنب، وذاك أذنب، لكن هذا أذنب وعظم الذنب عنده بشكل كبير جداً، والآخر كأن شيئاً لم يحصل.

 

كلما كبر الذنب عند الإنسان صغر عند الله :

الدكتور راتب :
 كلما كبر الذنب عند الإنسان صغر عند الله، وكلما صغر عند الإنسان كبر عند الله، وكلما طلب الإنسان العلم يرى الذنب كبيراً، وكلما ابتعد عن العلم يرى الذنب صغيراً.
الدكتور بلال:
 إذاً سيدي، المؤمن هو الذي يعظم الذنب عنده، أما المنافق فذنبه كأنه ذبابة.
الدكتور راتب :
 لا تنظر إلى صغر الذنب، بل انظر على من اجترأت، على الله.
الدكتور بلال:
 سيدي، هناك مقولة تقولونها دائماً: إن من أسباب الوقوع في المعصية دائماً هو الجهل، فما تعليقك؟

الجاهل عدو نفسه :

الدكتور راتب :
 الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، الجهل أكبر خطأ، وأكبر مشكلة، الجاهل عدو نفسه.
 الجاهل عدو نفسه
أي إنسان، الآن يوجد بالأرض ثمانية مليارات إنسان، هل هناك شخص من هؤلاء المليارات يتمنى الفقر؟ ولا شخص، المرض؟ القهر؟ الآن ثمانية مليارات من منا لا يتمنى أن يكون غنياً؟ أن يكون ماله حلالاً؟ زوجته صالحة؟ أولاده أبراراً؟ مسكنه واسعاً؟ مركبته فارهة؟ كلنا.
 من أين تأتي المشكلات، من الابتعاد عن منهج الله عز وجل، أي هذا المنهج كفيل أن تسعد في الدنيا وإن لم تقل - وأنا أعني ما أقول -: ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني فهناك مشكلة، خلقنا الله للسعادة، والسعادة ليست مالاً.
 جوبز الذي ترك سبعمئة مليار، قال على فراش الموت: هذا الرقم لا يعني عندي شيئاً، كشف الحقيقة، لكن متى؟ بعد فوات الأوان.
 بيل غيتس يملك ثلاثة و تسعين ملياراً، كشف الحقيقة بعد فوات الأوان، وأكبر مهندس ياباني أنشأ جسر البوسفور، أول جسر بين قاراتين، أثناء قص الشريط ألقى بنفسه بالبوسفور، ذهبوا إلى غرفته في الشيراتون، رأوه قد كتب ورقة: ذقت كل شيء في الحياة فلم أجد لها طعماً، أردت أن أذوق طعم الموت، معنى ذلك لم يكشف الحقيقة.
 مؤمن بسيط عرف الله قليلاً، واستقام على أمره، أحسن إلى خلقه، أسعد منه، السعادة شيء دقيق جداً، السعادة شيء، واللذة شيء، اللذة تحتاج إلى وقت، وإلى مال، وإلى فراغ، أما السعادة بمجرد أن تنعقد مع الله الصلة فأنت أسعد الناس.
الدكتور بلال:
 سيدي آتي الآن إلى آية كريمة، حقيقة تلفت النظر، وتثير تساؤلاً، نقرأ في كتاب الله أن الإنسان يتوب فيتوب الله عليه، لكن هناك آية يقول تعالى:

﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾

[ سورة التوبة: 118]

 ما معنى ذلك؟

قبول الله عز وجل توبة عبده أو حمله على التوبة من أجل أن يتوب :

الدكتور راتب :
 والله معنى دقيق، أي الله عز وجل إذا رأى عبده قد ندم ندماً شديداً، ندم عما مضى، وأقلع عن الذنب، وعزم على ألا يعود، تابوا فتاب عليهم، أي قبل توبتهم، أما:

﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾

[ سورة التوبة: 118]

 رآه شارداً، غافلاً، ساق له شدةً، ساق له شبح مصيبة، ساق له كآبةً، ساق له ضيقاً مالياً، هذه تاب عليهم، أي دفعهم إلى التوبة، حملهم على التوبة من أجل أن يتوبوا، أي:

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء: 27]

 الأسرة نواة المجتمع الأولى
أي يوجد شيء من السماء، من الله، هو التوبة، وشيء في الأرض هو التفلت، فكل الجهات الأرضية تتمنى التفلت، والسماوية تريد التوبة.
 بشكل عام الشيء بالشيء يذكر: نظام الأسرة؛ وحي السماء يؤكد هذا النظام، أنماط الأرض تفكك هذا النظام، فالشرع يقيد هذا النظام، هذه أسرة، نواة المجتمع الأولى، إن صلحت صلح المجتمع، بينما الجهات الأرضية تريد تفكك هذه الأسرة.
الدكتور بلال:
 التفكك، والتفلت.
 إذاً سيدي توبة العبد بين توبتين من الله يفتح له الباب، أو يحمله بشدة على التوبة، أو يقبلها منه، ما أرحمه جلّ جلاله.
 سيدي الفاضل، أمر أيضاً أريد أن أعرج عليه، ما علاقة التوحيد بالتوبة؟ التوحيد والتوبة معاً؟

 

علاقة التوحيد بالتوبة :

الدكتور راتب :
 ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، أنت حينما ترى أن علاقتك مع الله وحده، اعمل لوجهٍ واحدٍ يكفك الوجوه كلها، من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها.
 هذا التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، من هنا يمكن أن أقول: الله عز وجل لخص فحوى رسالات الأنبياء جميعاً بكلمتين، الآية تقول:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25]

 لذلك قالوا: التوحيد نهاية العلم، والعبادة نهاية العمل، أنت بين نهاية العلم ونهاية العمل:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25]

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
 إذاً التوحيد طريقٌ إلى التوبة، وطريقٌ إلى الله، بارك الله بكم سيدي، نختم بهذه الكلمات الطيبة، ونعود إن شاء الله في لقاء آخر لنتابع.
 أخوتي الأكارم؛ طاب هذا اللقاء بحسن استماعكم، ومتابعتكم، دائماً نسأل الله عز وجل أن نلتقيكم وأنتم في أفضل حال، إلى الملتقى نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018