برنامج تحية الإفطار - الحلقة : 03 - علة وجود الإنسان. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠27برنامج تحية الإفطار - قناة الرسالة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج تحية الإفطار - الحلقة : 03 - علة وجود الإنسان.


2019-05-08

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين.

العبادة علة وجود الإنسان في الحياة الدنيا :

 الله عز وجل في كتابه العظيم ضرب الأمثال، مثلاً إنسان أرسل ابنه إلى باريس لينال الدكتوراه من جامعة السوربون، باريس مدينة عملاقة، كبيرة، أطرافها متباعدة، فيها حدائق، فيها دور سينما، فيها دور لهو، فيها متاجر، فيها دوائر حكومية علة وجود الإنسان عبادة الله
نقول هذا السؤال الدقيق الأيديولوجي: ما علة وجود هذا الشاب في هذه المدينة العملاقة؟ إنها علة واحدة هي الدراسة، علة وجوده الوحيدة في هذه المدينة الدراسة، هذا لا يمنع أن يجلس في مطعم يأكل، لا يمنع أن يشتري كتاباً يقرأ به، مجلة راقية يتصفحها، هذا شيء لا يتناقض مع علة وجوده، لكن علة وجوده الأساسية، سبب وجوده في هذه المدينة، في هذا المكان هو الدراسة، ألا ينبغي أن نسأل ما علة وجودنا في الدنيا ونحن البشر ولنا خالق عظيم ورب كريم وإله مسير؟ لماذا جاء بنا إلى الدنيا؟ الحقيقة يوجد إجابات، افتح القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 للعبادة، والعبادة خضوع لمنهج الله عز وجل، خضوع لتعليمات الصانع، والجهة الصانعة هي الجهة الخبيرة الوحيدة، خضوع لتعليمات القوي، وتعليمات الغني، وتعليمات العلي، أنت حينما تقتني آلة بالغة التعقيد، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، لا تستخدمها قبل أن تقرأ تعليمات الصانع، وأنت أعقد آلة في الكون، وهذا التعقيد تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ألا ينبغي أن تسأل من حين لآخر: لماذا أنا في الدنيا؟ ما علة وجودي في الدنيا؟ ماذا ينبغي أن أعمل في الدنيا؟

 

من عرف نفسه عرف ربه :

 الحقيقة الدقيقة أن هذا الدين العظيم يمكن أن يضغط في كليات، أحد هذه الكليات الفكر، الأيديولوجيا، العقيدة من عرف نفسه عرف ربه
أنت في الدنيا الجانب العقدي في الإنسان، التفكيري، الأيديولوجي إن صح التعبير، ينبغي أن تقتطع من وقتك وقتاً لتعرف من أنت، أنت المخلوق الأول عند الله، أنت المخلوق المكرم، أنت المخلوق المكلف، من عرف نفسه عرف ربه، علة وجودك أن تؤمن بالله أولاً إيماناً مبنياً على التفكر في خلق السماوات والأرض، وهذا الكون ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وكماله، ثم أن تتبع تعليمات الصانع فتستقيم على أمر الله، افعل ولا تفعل، وهذه التعليمات لها جانبان؛ جانب سلبي هو الاستقامة، وجانب إيجابي هو العمل الصالح، تقول بالاستقامة أنا ما كذبت، ما غششت، ما أحبطت مسعى إنسان، ما فرقت بين زوجين، بالاستقامة والعمل الصالح أنفقت من مالي، من علمي، من جهدي، من سمعتي، من خبرتي، فهذا العمل الصالح جانبه السلبي الاستقامة، والإيجابي العمل الصالح، قال تعالى:

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[ سورة فاطر: 10]

العمل الصالح يصلح للعرض على الله إذا كان خالصاً و صواباً :

 وقد يغيب عن ذهن الأخوة المشاهدين أن علة وجودنا في الدنيا العمل الصالح، ما الدليل؟ الإنسان إذا قارب أجله يقول:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون : 99-100]

 ليكن ما تملكه في طاعة الله وخدمة الخلق
لم سمي العمل صالحاً؟ لأنه يصلح للعرض على الله، ومتى يصلح؟ إذا كان خالصاً وصواباً؛ خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.
 فالحقيقة الغنى والفقر بعد العرض على الله، بعد العرض على الله نقول: فلان غني، وفلان فقير، أما الحظوظ الدنيوية، القوة حظ، المال حظ، الوسامة حظ، الذكاء حظ، هذه الحظوظ الدنيوية أعطيت لنا في الدنيا عطاء ابتلاء، أنت إن كنت قوياً مبتلى بالقوة، إن كنت ضعيفاً مبتلى بالضعف، إن كنت غنياً مبتلى بالغنى، إن كنت فقيراً مبتلى بالفقر، أي ما أنت فيه الدعاء النبوي الرائع:

((اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ))

[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ]

 دقق في رزقتني مالاً فليكن في طاعة الله، في خدمة الخلق، في تأسيس جمعيات خيرية، معاهد شرعية، مستشفيات، إطعام الجياع، هذا المال قوام الحياة، أعطيتني جاهاً أستخدم هذا الجاه لنصرة الضعيف، لذلك إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله ينبغي أن تكون قوياً، لأن خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى، لذلك ورد:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 لكن إذا كان طريق القوة على حساب مبادئك وقيمك فالضعف وسام شرف لك، فابحث عن المال كي تنفقه في إطعام الجياع، وفي تعليم الأطفال، وفي رأب الصدع بين أفراد المجتمع:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 مرة ثانية لأن خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى، والعمل الصالح مرة ثانية يصلح للعرض على الله، ومتى يصلح؟ إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.

 

الله الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن :

 لكن إن عرفت الله خضعت لمنهجه، إن عرفت الله تقربت إليه، إن عرفت الله أحسنت إلى خلقه، إن عرفت الله كان عملك صالحاً في الدنيا، وكيف تعرفه؟ إما تلقيناً أو تفكيراً، هذه الآيات الكونية التي بين يديك عظيمة جداً، الله عز وجل قال مثلاً: غور فلسطين أدنى الأرض إعجاز قرآني

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: 2-4]

 هذا القرآن الكريم الذي جاءنا قبل ألف وأربعمئة عام أشار إلى أرض في الشرق الأوسط اسمها غور فلسطين هي أخفض نقطة في الأرض، لم يكن هناك أدوات لكشف المسافات، لم يكن هناك أشعة ليزر، القرآن الكريم جاء بحقائق قبل ألف وأربعمئة عام الآن كشفناها، هذا يؤكد بلا شك إطلاقاً أن الذي خلق الأكوان أنزل هذا القرآن.
 بالمناسبة في القرآن ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون والحياة، وهذه الآيات فيها إعجاز، أي فيها إشارات إلى حقائق لم تكن معروفة وقت نزول الوحي الآن عرفت، هذا يؤكد تأكيداً قاطعاً أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن.

 

الدعاء :

 اللهم لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، أو خاصة أو عامة، أو سر أو علانية، لك الحمد بالإسلام، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد على ما يسرت لنا من إتمام القرآن في رمضان، والتوفيق للصيام والقيام، اللهم لك الحمد كثيراً كما تُنعم كثيراً، لك الشكر كثيراً كما تُجزل كثيراً، لك الحمد على نعمك العظيمة وآلائك الجسيمة، لك الحمد بكل نعمك علينا يا رب العالمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018