برنامج منهج التائبين - الحلقة : 02 - أنواع الذنوب. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠45برنامج منهج التائبين - قناة الرحمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج منهج التائبين - الحلقة : 02 - أنواع الذنوب.


2019-05-07

مقدمة :

الدكتور بلال:
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 أخوتي أخواتي اينما كنتم؛ أسعدكم الله تعالى بالخيرات والبركات، نحن معاً في حلقة جديدة من برنامجنا: "منهج التائبين" نستضيف فيه كالمعتاد فضيلة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي.
 السلام عليكم سيدي.
الدكتور راتب:
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الدكتور بلال:
 شيخنا الفاضل وصلنا في نهاية اللقاء الماضي إلى الحديث عن الذنوب، وقسمتم الذنوب إلى ثلاثة أقسام، ذنب يغفر، وذنب لا يترك، وذنب لا يغفر، الذي يغفر ما كان بينك وبين الله، والصلحة بلمحة، وأريد الآن أن أدخل أكثر في العمق في الذنب الذي لا يترك.

حقوق العباد من الذنوب التي لا تغفر إلا بالأداء أو المسامحة :

الدكتور راتب:
 ما كان بينك وبين العباد، يوجد تجاوز، وعدوان، وذمة لم تدفع، ما كان بينك وبين العباد لا يغفر إلا بحالة دقيقة، الأداء أو المسامحة، دليلها الأول: جيء بصحابي جليل ليصلي عليه النبي، وقد توفاه الله، قال: أعليه دين؟ قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم، لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة.
 الدين من حقوق الآخرين ويجب أداؤه
أحدهم قال: عليّ دينه يا رسول الله، فصلى عليه، سأله في اليوم الثاني: أأديت الدين؟ قال: لا، سأله باليوم الثالث، قال: لا، باليوم الرابع قال له: أديت الدين؟ قال: نعم، قال: الآن ابترد جلده.
 فالذي لا يترك ما كان بينك وبين العباد، حقوق، واجبات، أما الذي يغفر مباشرة فما كان بينك وبين الله.
الدكتوربلال:
 الحقوق سيدي التي بيننا وبين العباد هل هي الحقوق المالية فقط؟
الدكتور راتب:
 أنواع الحقوق كلها، يوجد حق مالي، وحق ولائي، وحق إجتماعي، الأم يجب أن تزورها، شخص أرسل لأمه كل حاجاتها عن طريق السائق، هي تريد ابنها، لا تريد السائق.
الدكتور بلال:
 بالأداء أن يؤدي الحق، أو يسامحه صاحب الحق بالحق.
الدكتور راتب:
 إما أن يستسمح منه فيسمح له، أو بالأداء، تغفر بالأداء أو المسامحة، يغفر للشهيد- قدم حياته- كل ذنب إلا الدين، حق العباد.
الدكتور بلال:
 الذنب الذي لا يغفر هو الشرك.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾

[ سورة النساء: 48]

 فإن تاب المشرك، ووحد، وأناب؟

 

من آثر شهوته على طاعة الله فالطريق إلى الله غير سالك :

الدكتور راتب:
 المقصود لا يغفر إن مات على هذا الشرك، لأنه:

((أخوف ما أخاف على أمتي الشرك والشهوة الخفية))

[ أخرجه الإمام أحمد عن شداد بن أوس ]

 نحن عندنا شرك جلي واضح، شخص ملحد، الشرك الخفي:

((أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً - هذه انتهت - ولكن شهوة خفية، وأعمال لغير الله))

 من فضل شهوته سد عليه الطريق إلى الله
أي يوجد شهوة غلبت عليه، فلما اتبع الشهوة التي لا ترضي الله، معنى ذلك أنا أقول كلمة باجتهاد مني: ما قال الله أكبر ولا مرة، ولو رددها بلسانه ألف مرة، رأى أداء هذه الشهوة أكبر عنده من طاعة الله، قضية خطيرة، تتعامل مع خالق السماوات والأرض، تتعامل مع من أعد لك الجنة إلى أبد الآبدين، فإذا رأيت أن الشهوة أغلى عليك من طاعة الله فالطريق إلى الله ليست سالكاً، بل مسدوداً.
الدكتور بلال:
 إذاً الشرك إن تاب منه غفر له.
الدكتور راتب:
 الشرك الخفي:

((أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً - انتهت - ولكن شهوة خفية، وأعمال لغير الله ))

 إذا آثر المرء شهوته على طاعة الله صار بينه و بين ربه حجاب.
الدكتور بلال:
 والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((اليسير من الرياء شرك))

[الحاكم في مستدركه عن معاذ بن جبل]

 الرياء نوع من أنواع الشرك، لكن هذا الشرك الأصغر وليس الأكبر.

 

لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار :

الدكتور راتب:
 بيت فيه كل الأدوات الكهربائية، كلها لكن لا يوجد كهرباء، كلها كتل بلاستيكية لا جدوى منها، فإذا جاء التيار كلها أدت وظيفتها.
 النقطة الدقيقة الآن: هذا التيار لو قطعته ميلي واحد، أو قطعته متراً انقطع التيار، لذلك أحياناً الصغائر للمسلمين العامين كالكبائر، هذه الصغائر إذا اجتمعت وكان هناك إصرار عليها انقطع التيار.
 مثلاً: طريق عريض، عرضه عبارة عن ستين متراً، عن يمينه واد سحيق، وعن يساره واد سحيق، أنت تمشي بالمنتصف، الصغيرة حرفت المقود سنتمتراً واحداً، لو ثبت هذا السنتمتر إلى الوادي، لذلك ورد في الأثر:

(( لا صغيرة مع الإصرار - لو حرفته تسعين درجة ثم رجعته نجوت - ولا كبيرة مع الاستغفار))

[ أخرجه الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]

الدكتور بلال:
 الصغائر مع الإصرار تقطع عن الله
لكن سيدي حتى يتضح فقط المقصود هذه الصغائر مثل الكبائر قصدتم بالحجاب، لكن في العقوبة طبعاً الكبائر عقوبتها مختلفة.
 إذاً سيدي أنتم جئتم إلى ما كنت أريد أن أصل إليه، الذنوب قسمناها إلى ثلاثة أقسام، أيضاً الذنوب كبائر، وصغائر، وبينتم الفرق بين الكبيرة والصغيرة.
الدكتور راتب:
 لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار، الصغيرة مع الإصرار قطعت عن الله، والكبيرة مع الاستغفار ألغت القطيعة.
الدكتور بلال:
 المسلمون اليوم يتهاونون بشأن الصغائر، لا يلتفتون لها.
الدكتور راتب:
 أنا أقول: مئة بيت أمامك بمدينة إسلامية، الزنا، والخمر، والقمار غير موجودة، لكن يوجد صغائر، الصغائر فعلت فعلها.
الدكتور بلال:
 كمثل القوم الذين حضر صنيعهم فكل واحد جاء بعود، فأججوا ناراً عظيمة فأنضجوا ما فيها كما قال عليه الصلاة والسلام.

 

من طبق منهج الله قطف ثماره :

الدكتور راتب:
 يوجد نقطة دقيقة جداً: لو فرضنا يوجد مكيف، إنسان ضغط الزر جاءه هواء بارد، قد يكون أُمياً، يأتي شخص معه دكتوراه بالتكييف، هو يعرف آلية عمل المكيف، لذلك تصور الشيء، أي ممكن أنت تطبق المنهج من دون بحث عميق عن حكمته، لمجرد أنك طبقته قطفت ثماره، أما الحكمة، والفلسفة، والمؤدى، فهذه تحتاج إلى علم، لذلك الداعية يحتاج إلى تعليل بيان الحكمة، بيان الأسباب، الموجبات، أما أي إنسان طبق هذا المنهج فقد قطف كل ثماره، الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، تنتفع به لو لم تعلم الأعماق، الفائدة، المؤديات، أما الثاني فيكون داعية، يقنع الناس بالدين.
الدكتور بلال:
 بعض الناس سيدي يفهون خطأ أن أوامر الدين تحد من حريتهم، وتوفقهم عند أشياء كثيرة، هذه افعل، وهذه لا تفعل.

أوامر الله ليست حداً لحرية الإنسان لكنها ضمان لسلامته :

الدكتور راتب:
 سأضرب على هذه الملاحظة منك - بارك الله بك - مثالاً: تمشي بالطريق، وجدت لوحة مكتوب عليها: حقل ألغام ممنوع التجاوز، بأعماق أعماقك هل ترى أن هذه اللوحة حداً لحريتك أم ضماناً لسلامتك؟ في اللحظة التي يفهم فيها المسلم أن أوامر الله ليست حداً لحريته لكنها ضمان لسلامته أصبح فقيهاً.
الدكتور بلال:
 سيدي الآن لو انتقلنا إلى موضوع لصيق بالذنب، قبل أن ندخل في التوبة ونحن مع منهج التائبين، العاصي لله عز وجل الذي وقع في معصية من المعاصي، أنا المسلم كيف أنظر إلى العاصي؟ كيف أتعامل مع العاصي؟

كيفية التعامل مع العاصي :

الدكتور راتب:
 أوامر الله ضمان لسلامة الإنسان
مبدئياً الله عز وجل لا ينظر إليه كإنسان، ينظر إلى معصيته فقط، الله يكره معصيته، أما هو فيحب عباده جميعاً.

((لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إليّ، هذه إرادتي في المعرضين فكيف بالمقبلين؟))

 الله لا يكره العاصي يكره فعله فقط.
الدكتور بلال:
 ونحن هكذا نتعامل مع العاصي، نكره فعله.
الدكتور راتب:
 أما لو عاد إلى الله فيعود صديقاً حميماً.
الدكتور بلال:

﴿ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ ﴾

[ سورة الشعراء: 168 ]

 أي من الكارهين، ورد سيدي في بعض الأحاديث وإن كان فيها ضعف: أن الذنب شؤم على غير فاعله، فإن عير ابتلي.
الدكتور راتب:
 إن عيره به ابتلي به، وإن ذكره فقد اغتابه.
الدكتور بلال:
 وإن رضيه شاركه، ما الحل؟

 

من شهد معصية فأنكرها كمن غاب عنها :

الدكتور راتب:
 شخص مقيم بأمريكا، سمع قريباً له ارتكب معصية، قال: والله لقد سررت بفعلته، دبر نفسه، هذا الذي يقيم على بعد عشرين كيلو متراً شريكه في المعصية، إذاً من شهد معصية فأنكرها كمن غاب عنها، ومن غاب عن معصية فأقرها كان كمن شهدها، فالقضية ليست سهلة.
الدكتور بلال:
 إذاً لا أعيره به.
الدكتور راتب:
 إن عيره بذنبه ابتلي به، إن ذكره فقد اغتابه.
الدكتور بلال:
 وإن رضي به شاركه بالإثم، إذاً لابد أن أنصح له مثلاً، وأنكر.

الفرق بين الفاجر و العاصي :

الدكتور راتب:
 أنصحه، والملاحظة الدقيقة بيني وبينه، النصيحة أمام الملأ فضيحة، والبطولة أن تنصحه بينك وبينه.
الدكتور بلال:
 والله هو الستير جلّ جلاله.
الدكتور راتب:
 والستير اسم مبالغ به، كثير الستر، لمئة ذنب أو لأكبر ذنب، إذا جاءت المبالغة متعلقة بالذات الإلهية فهي تعني شيئين نوعاً، وكماً.
الدكتور بلال:
 هذا العاصي لا نذكر ذنبه أمام الناس، لكن المجاهر بالفسق؟
الدكتور راتب:
 هذا هو الفاجر، الفاجر: اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس.
الدكتور بلال:
 هذا ليس له غيبة.
الدكتور راتب:
 هو لم يسأل، هو يفطر أمام الناس في الطريق، يتحدى هذا الدين العظيم، صار هذا فاجراً، له حساب آخر.
الدكتور بلال:
 ليس له غيبة، أما العاصي فلا نغتابه، لا نذكر بغيبته.
الدكتور راتب:
 أو ننصحه فيما بيننا وبينه.
الدكتور بلال:
 وهذا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الفريضة المطلوبة منا جميعاً.
 أيضاً سيدي في قضية الذنوب والمعاصي هناك معصية كثير من المسلمين يقول: والله ما كنت أريد أن أعصي، غلبتني نفسي، هذه معصية الغلبة هل هي أخف حالاً من معصية الكبر؟

 

الفرق بين معصية الغلبة و معصية الكبر و التحدي :

الدكتور راتب:
 أخف حالاً بكثير من معصية التحدي، هناك من يعصي الله غلبة، ما تحمل هذا الأمر زلت قدمه، فستر نفسه، الثاني تحدى الناس أمام الملأ، فعل معصية أمام الملأ متحدياً، ذاك لا غيبة له.
الدكتور بلال:
 الجهر بالمعصية تحدي للإله
معصية الغلبة، ومعصية التحدي، معصية التحدي تشبه معصية إبليس؟

﴿ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 34]

 لو جئنا إلى:

﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ﴾

[ سورة طه: 115]

 هذه غلبة؟
الدكتور راتب:
 غلبه، غابت عنه القضية فجأة، أو غلبته شهوته على ذلك، فهذا يجب أن يراعى، أن يحتاط له.
الدكتور بلال:

﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾

[ سورة طه: 115]

الدكتور راتب:
 على المعصية، لا يوجد تحد، لا يوجد عزم على المعصية.

 

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
 وإنما غلبة، بارك الله بكم سيدي، جزاكم الله خيراً.
 أخوتي الأكارم؛ لم يبقَ في نهاية هذا اللقاء الذي طاب بوجودكم وبمتابعتكم إلا أن نشكر لكم هذه المتابعة، سائلين المولى جلّ جلاله أن نلقاكم دائماً وأنتم جميعاً توابون إلى الله تعالى، منيبون إليه.
 إلى الملتقى نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018