الدرس : 237 - مراتب الإيمان والنبوة والمؤمنين وأنواع الذنوب. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 237 - مراتب الإيمان والنبوة والمؤمنين وأنواع الذنوب.


2017-12-08

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

مراتب الإيمان :

 أيها الأخوة الكرام؛ مراتب الإيمان يقع على رأس هذه المراتب، مرتبة الرسالة، الرسول نبي معه كتاب، النبي الكريم معه القرآن، سيدنا موسى معه التوراة، سيدنا عيسى معه الإنجيل، أعلى مرتبة مرتبة الرسالة، والنبي عليه الصلاة والسلام هو سيد الأنبياء والمرسلين، الإنسان الأول بين خلق الله.
أيها الأخوة؛ أما النبوة فقد ورد:

(( نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا))

[أخرجه مسلم عن حنظلة]

 أي النبوة مرتبة إيمانية، اتصال دائم بالله عز وجل.

(( تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا))

[أخرجه مسلم عن حنظلة]

 علة وجودنا بالدنيا العمل الصالح
الرسول نبي معه رسالة، معه كتاب، أما المؤمنون فهناك مراتب بعددهم، لكل إنسان مرتبة.

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأنعام: 132]

 أي حجمك عند الله بحجم عملك الصالح.

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأنعام: 132]

 مرتبتك، حجمك، مكانتك بحجم عملك الصالح، لأن علة وجودك في الدنيا العمل الصالح، والدليل:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنين:99 - 100]

 ما العمل الصالح؟ هو العمل الذي يصلح للعرض على الله، ومتى يصلح العمل الصالح للعرض على الله؟ قال: إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.
 شرطان كل منهما شرط لازم غير كافٍ، إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.
 إذاً مراتب العمل الصالح متعلقة بالإخلاص، خالصاً وصواباً، أما المؤمنون فكل مؤمن له مرتبة بحجم عمله الصالح.

 

الدعوة إلى الله رأس الأعمال الصالحة :

 يقع على رأس الأعمال الصالحة الدعوة إلى الله، والدليل:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 أي أعلى مرتبة عند الله من سمح الله له أن يدعو إليه، والدليل:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 يوجد ملمح دقيق بالآية: تطابق الأقوال مع الأفعال، الأقوال سهلة، كل إنسان ثقافته عالية جداً، وعنده نصوص كثيرة، وطليق اللسان، وفصيح، يتكلم كلاماً رائعاً، لكن البطولة أن هذا الكلام الذي يتكلمه مطبق تماماً في حياته اليومية، لذلك الداعية بيته جزء من الدعوة، عمله المهني جزء من الدعوة، الإنسان شخصية متكاملة.

 

أنواع الذنوب :

 لكن لو الإنسان ارتكب ذنباً، هذه الذنوب ما أنواعها؟ قيل: هناك ذنب يغفر، ما كان بينك وبين الله، أي هناك تقصير بعبادة معينة، يا ربي تبت إليك، يلقي في روعك أن يا عبدي وأنا قد قبلت، أهون ذنب يتاب منه ما كان بينك وبين الله، لا يوجد حقوق، في حق الله عز وجل الله عز وجل غفور رحيم، والصلحة بلمحة.

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الزمر : 53]

 الذنوب مع الله تغتفر بالتوبة النصوح
والله لا أعتقد أنه يوجد بالقرآن كله آية أرجى من هذه الآية.

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا ﴾

[ سورة الزمر: 53]

 في المعصية.

﴿ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾

[ سورة الزمر: 53]

 لذلك بعض العلماء عدّ القنوت من رحمة الله نوع من الكفر، الله يقول لك:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾

[ سورة الزمر: 53]

 إلا أن الذنوب مع الله مغفورة، بالتوبة النصوح، لكن مع العباد إذا كان هناك حقوق، فلابد من أداء الحقوق أولاً، والتوبة ثانياً.
 يوجد بالورثة اغتصاب، الأخ الأكبر اغتصب معظم الإرث، تاب لله، هذه التوبة لا تصح ولا تقبل إلا إذا أرجع لأخوته الذين حرمهم نصيبهم من الإرث، لذلك الذنب يترك، وأكل المال الباطل يؤدى إلى أصحابه.
 إذاً ذنب يغفر، ما كان بينك وبين الله، وذنب لا يترك، ما كان بينك وبين العباد.
 مثلاً ما هو أعظم عمل يقوم به الإنسان في حقل الإيمان كله؟ الشهيد، ماذا قدم الشهيد؟ الغني قدم ماله، الوجيه قدم وجاهته، الحاكم قدم صلته لله، لكن ما الذي قدمه الإنسان؟ ما كان بينك وبين الله يغفر، ما كان بينك وبين العباد بالأداء أو المسامحة، فالنبي قال:

((يُغْفَرُ للشهيد كلُّ ذَنْب إلا الدَّيْنَ))

[مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله]

 لأن الدين متعلق بحقوق الخلق.

 

حقوق الله أساسها المسامحة وحقوق العباد أساسها المشاححة :

 الآن حقوق الله عز وجل أساسها المسامحة، بينما حقوق العباد أساسها المشاححة، مع الله مسامحة، مع العباد مشاححة، فأتمنى على الإنسان ما دام قلبه ينبض يستطيع أن يصحح الماضي.
 لابد من أداء الحقوق
مرة حدثني أخ عنده محل لبيع حلويات بمركز المدينة، شخص ألقى له مئة ليرة وخرج، هو لم يفهم القصة، فكان هذا الشخص قد اشترى مرة بضاعة و لم يدفع ثمنها، من عشر سنوات، لكن المبلغ دفعه عشرة أضعاف فرق العملة، ما دام القلب ينبض تستطيع أن تصحح ما مضى.
 أذكر بجدة كنت مدعو دعوة رسمية للمملكة، جلست بفندق على البحر، رأيت أمامي بناء من أروع ما رأيت بحياتي، من أربعة عشر طابقاً، مستواه عال جداً، سألت عنه فحدثوني عن قصته، بدوي من شمال جدة، جدة توسعت صار قطرها تسعين كيلو متراً، عندما اقتربت جدة من أرضه ارتفع الثمن، جاء مكتب عقاري، اشترى الأرض بربع قيمتها، واستغل جهل صاحب الأرض بالسعر، وجد هذا البدوي أن هذا مبلغ فلكي، المبلغ الفلكي هو ربع قيمتها، اشتروا الأرض ثم أنشؤوا هذا البناء، والذين اشتروا هذا البناء هم ثلاثة شركاء في مكتب عقاري، أول شريك وقع من رأس البناء فنزل ميتاً، والثاني دُهس، أما الثالث فانتبه، ربط بين موت شريكيه وبين الضحك على صاحب الأرض بسعر بخس، بحث عنه كما قيل ستة أشهر حتى عثر عليه، ثم أعطاه الفرق، قال له: ترى أنت لحقت نفسك.
 وكل واحد منا إذا كان مخطئاً وقلبه ينبض يستطيع أن يصحح الخطأ، هناك أخطاء، وحقوق عباد، خطأ بالإرث، ما دمت حياً تستطيع أن تصحح ما وقعت به.
 إذاً هناك ذنب لا يغفر، وذنب يغفر، وذنب لا يترك، الذي يغفر ما كان بينك وبين الله، والذي لا يترك ما كان بينك وبين العباد، والشرط الأساسي الأداء أو المسامحة، إما أن تؤدي له حقه بالتمام والكمال أو أن يسامحك، إذا سامحك، "ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام" أمام الناس؟ أين شهامتك؟ أين مروءتك؟ سامحنا يا أخي، سامحتك، استحى، "ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام"، أما الذنب الذي لا يغفر فهو الشرك بالله، لكن للتوضيح مثل شخص معه أزمة قلبية، وبحاجة إلى مستشفى، وهناك طريق ينتهي به إلى المستشفى، وطريق ينتهي به إلى الملهى، إذا مشى بطريق الملهى لا يوجد شفاء، لا بد من أن تتوجه إلى المكان الصحيح.
 أخواننا الكرام؛ طالما الإنسان حي يرزق، وقلبه ينبض فعليه أن يصحح خطأه، وكل شيء يصحح في الدنيا، من بعد الموت انتهى الحساب.

﴿ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً َلِيمٍ ﴾

[ سورة الأنعام: 158]

طلب العلم واجب على كل مسلم :

 أخواننا الكرام؛ كل الإنسان يجب أن يقتطع من وقته الثمين وقتاً لمعرفة الله، معرفة كتابه، يوجد سؤال دقيق يوم القيامة.
 إذاً طلب العلم حتم واجب على كل مسلم، طلب العلم أو العلم الذي أدعو إلى طلبه ليس وردة تزين بها صدرك، لا، العلم الذي يجب أن يعلم بالضرورة كالهواء، علاقتك مع العلم الذي لابد من أن يعلم بالضرورة هو كالهواء تماماً، سبب الحياة أو الموت.
 طلب العلم واجب على كل مسلم
عفواً، لو أن مظلياً أراد أن يهبط في مظلة، قد يجهل شكلها، يا ترى هي دائرية حينما تفتح أم بيضوية أم مستطيلة أم مربعة؟ لا يعرف، قد يجهل شكل المظلة، نوع القماش، خيوط طبيعية أم صناعية؟ لا يعرف، عدد الحبال؟ لا يعرف، ألوان الحبال؟ لا يعرف، قد يجهل خمسين معلومة إلا معلومة واحدة إذا جهلها ينزل ميتاً، طريق فتح المظلة.
 العلماء سموا هذا العلم: ما يجب أن يعلم بالضرورة، أخي أنا لست شيخاً، ومن قال لك أنك شيخ؟ أنت مؤمن معك منهج، لا بد من تطبيقه.
 عفواً التاجر يجب أن يعلم أحكام البيع والشراء، هناك أحكام باطلة، أحكام ربوية: "من دخل السوق من دون فقه أكل الحرام شاء أم أبى"، تاجر، البيع الصحيح، الإيجاب، القبول، السعر، البيع لمدة، يا ترى المدة لها ثمن؟ النقدي له مبلغ، التقسط له مبلغ، للزمن ثمن، إشكال كبير، "من دخل السوق من دون فقه أكل الربا شاء أم أبى"، إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
 لا تقبل فتوى سهلة، المفتي الذي يقدم لك فتوى، يوجد فتاوى كثيرة، الحقيقة من أين يأتي الانحراف؟ من التأويل والفتاوى، القرآن ثابت، والحديث ثابت، إذاً من أين يأتي الانحراف؟ من تأويل النصوص، والفتاوى الباطلة.
 عفواً، أعلى منصب ديني في العالم الإسلامي، بمصر، فتوى مكتوبة بقرار وهي السماح بإيداع المال ببنوك ربوية تقرض بالفوائد، على أنها هبات من البنك، الفتوى مشهورة، أي أكبر معصية:

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

[ سورة البقرة : 279]

 بحرب من الله، فيها فتوى من أعلى جهة دينية بمصر، فأنت لا تقبل فتوى عادية هي فتوى قطاع عام، عندنا فتوى قطاع خاص، أنت تحتاج إلى فتوى قطاع خاص من عالم يخاف من الله عز وجل.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ إيمانكم جميعاً، وأهلكم، وأولادكم، وصحتكم، ومالكم، واستقرار بلادكم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018