الدرس : 203 - فائدة لابن القيم الجوزية - من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 203 - فائدة لابن القيم الجوزية - من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه.


2015-11-14

 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

النعم التي منحها الله للإنسان :

 أيها الأخوة الكرام؛ عالم جليل اسمه ابن القيم الجوزية- بعض العلماء فاقوا أستاذتهم، وأستاذ ابن القيم كان ابن تيمية- هذا العالم الجليل له كتاب اسمه: الفوائد، والحقيقة من أروع ما قرأت من هذه الفوائد يقول: "من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه"، الإنسان جبل على حبّ من أحسن إليه، وبغض من أساء إليه، فإذا عرفت نعمه عرفت أنه منحك نعماً ثلاث؛ منحك نعمة الإيجاد، لا شك أن أحدكم أحياناً يتصفح كتاباً، وقد يلفت نظره أن هذا الكتاب نضد قبل ميلاده، أنت ولدت سنة ألف و تسعمئة و ثمان و ثلاثين تفتح كتاباً طبع سنة ألف و تسعمئة و ثلاث و ثلاثين، أثناء طبع الكتاب هل كان لك وجود؟

﴿هَل أَتى عَلَى الإِنسانِ حينٌ مِنَ الدَّهرِ لَم يَكُن شَيئًا مَذكورًا﴾

[سورة الإنسان: ١]

 لم تكن موجوداً إطلاقاً، من منحك نعمة الإيجاد؟ لك اسم. ومن منحك نعمة الإمداد؟ ومن منحك نعمة الهدى والرشاد؟ منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، ثلاث نعم، لذلك من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، أي مستحيل وألف مستحيل أن تعرفه ثم لا تحبه.

 

وجوب أن تكون العلاقة بيننا وبين الله قائمة على الحب :

 الله عز وجل صاحب الأسماء الحسنى قوي، رحيم، لطيف، حسيب، لذلك جزء كبير جداً من عقيدتك أن تعرف أسماء الله الحسنى، وصفاته العلا، طبعاً ليس دعاية، في موقعي مشروحة هذه الأسماء بتفصيل شديد، أي كل اسم آخذ ثلاثين صفحة لم يسبقه كتاب، كتابي الوحيد الذي فيه شرح لأسماء الله الحسنى، طبع عشرين طبعة خلال سنة ونصف من فضل الله، والكتاب بين أيديكم تستطيع أن تحمله، يوجد بالموقع تحميل كتب اضغط الزر يكون عندك الكتاب مجاناً.
 فمن أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، الحب أصل خلقنا، حياتنا بيده، الموت بيده، الصحة بيده، المرض بيده، الغنى بيده، الفقر بيده، السعادة بيده، الشقاء بيده، ومع كل ذلك ما قبل أن نعبده قهراً أو إكراهاً، أراد أن تكون العلاقة بيننا وبينه علاقة حب فقط، قال تعالى:

﴿ يُحِبُّهُم وَيُحِبّونَهُ ﴾

[سورة المائدة: ٥٤]

 قال تعالى:

﴿ وَالَّذينَ آمَنوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾

[سورة البقرة: ١٦٥]

 كل شيء من أمورنا بيده ومع ذلك ما أراد أن نعبده إكراهاً، قال:

﴿لا إِكراهَ فِي الدّينِ ﴾

[سورة البقرة: ٢٥٦]

 أراد أن نأتيه مختارين، أن نأتيه بمبادرة منا، أراد أن نحبه.

 

كل إنسان مجبول على سلامة وكمال واستمرار وجوده :

 إذاً من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، أين المشكلة؟ أين مشكلة أهل النار في النار؟ مشكلة معلومات، قال تعالى:

﴿وَقالوا لَو كُنّا نَسمَعُ أَو نَعقِلُ ما كُنّا في أَصحابِ السَّعيرِ﴾

[سورة الملك: ١٠]

 إذاً أزمة أهل النار في النار أزمة علم فقط، لأنك أنت جبلت على حب سلامة وجودك، وعلى حب كمال وجودك، وعلى حب استمرار وجودك، سلامة الوجود بطاعة الله، أنت آلة معقدة جداً، ولك صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، وسلامة وجودك من يحب المرض من الحاضرين وأنا منكم؟ من يحب الفقر؟ من يحب القهر؟ من يحب المرض العضال؟ فنحن جميعاً جبلنا على سلامة وجودنا، والسلامة بالاستقامة، وكمال وجودنا بالسعادة، والسعادة بالاتصال بالله، واستمرار وجودنا بتربية أولادنا، أحد كبار خطباء الجامع الأموي بالشام توفي، أقيم العزاء له بالجامع، في اليوم الثالث من أيام التعزية قام ابنه وخطب خطاباً لا يقل عن والده، أنا والله بكيت، قلت: معنى هذا أن هذا الأب لم يمت، والعوام تقول: من خلف ما مات.
 فسلامة وجودك باتباع تعليمات الصانع، وهو الله، بالاستقامة أنا لم آكل مالاً حراماً، أنا ما اغتبت، الاستقامة كلها ترك، سلبية، إذاً السلامة استقامة، السعادة صلة بالله.
 تصور أنت معك سيارة، ويوجد طريق إلى هدف مهم جداً، ويوجد على الطريق صخور على عرض الطريق، هذه الصخور تحول بينك وبين السير، هذه المعاصي، إذا أنت أزحتها كلها أصحبت مستقيماً، لا يكفي تحتاج إلى أن تمشي، فإزاحة العقبات استقامة، لم تأكل مالاً حراماً، لم تغش إلخ، فالاستقامة نفي، والعمل الصالح حركة، أنفقت من مالي، من علمي، من وقتي، من جاهي، خدمت الفقير، أطعمت مسكيناً، وفقت بين متخاصمين، العمل الصالح إيجابي، عطاء.
 الاستمرار بأولادك، أنا ذهبت إلى أمريكا مرات عديدة لاحظت ملاحظة يعيشون حياة تفوق حدّ الخيال، أي على الشبكية شيء غير معقول، أي شيء تريده مؤمن، تقول: هذا البيت كم شخص فيه؟ عد كم سيارة فيه، عدد الأفراد يقابله عدد السيارات، ومع ذلك تقول له: ابنك، يغمى عليه رأساً، ابنه تربية أخرى، لذلك أقول: لو بلغت أعلى منصب في الأرض، وجمعت أكبر ثروة في الأرض، ولم يكن ابنك كما تتمنى، فأنت أشقى الناس، وحينما تعتني بابنك، قال تعالى:

﴿ رَبَّنا هَب لَنا مِن أَزواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعيُنٍ وَاجعَلنا لِلمُتَّقينَ إِمامًا﴾

[سورة الفرقان: ٧٤]

 سعادة الأب إذا رأى ابنه صالحاً، مستقيماً، ورعاً، له سمعة طيبة لا توصف، ولا يعرفها إلا من فقدها، وأحد أكبر أسباب شقاء الأب أن يرى أولاده ليسوا على ما يتمنى.

 

أكبر تجارة هي التجارة مع الله عز وجل :

 إذاً من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب الأشياء أيضاً أن تحبه ثم لا تطيعه، مستحيل، تعرفه تحبه، تحبه تطيعه، ومن أعجب العجب أن تسمع داعية ثم تتأخر عن الإجابة، دعاك لعمل صالح، دعاك للحج، دعاك للعمرة، دعاك لخدمة الخلق، دعاك لشيء طيب ولا تجيبه؟ ومن أعجب العجب أن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره، قال تعالى:

﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا هَل أَدُلُّكُم عَلى تِجارَةٍ تُنجيكُم مِن عَذابٍ أَليمٍ*تُؤمِنونَ بِاللَّهِ ﴾

[سورة الصف: ١٠-١١]

 أكبر تجارة مع الله، يقول شخص أحياناً: أنا ربحت بالسنة عشرين بالمئة عن رأس المال، بالعالم كله الربح التجاري من عشرة إلى اثني عشر بالمئة، ربح الصناعي عشرون، أما تشتري بمئة وتبيع بخمسة آلاف فهذا شيء غير معقول، هذا مع الله فقط، أي الأضعاف مضاعفة:

﴿مَن ذَا الَّذي يُقرِضُ اللَّهَ قَرضًا حَسَنًا ﴾

[سورة البقرة: ٢٤٥]

 إله يقول لك: أقرضني عملاً صالحاً، ابتغ به وجهي، يضاعف لك أضعافاً كثيرة، إذاً ومن أعجب العجب أن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره.

 

العدل و الإحسان :

 أذكر عندنا شارع في الشام، حيّ تراثي قديم، بيوت كلها قديمة عربية، حيّ تراثي وفيه جامع اسمه جامع الورد بسوق ساروجة، خطيب المسجد رأى بالمنام رسول الله، قال له: قل لجارك فلان إنه رفيقي بالجنة، أنا ليس من عادتي أن أروي منامات إطلاقاً، لكن هذا منام متميز، قل لجارك إنه رفيقي في الجنة، رؤية النبي حق، وهو معه شريعة، وفقه، وأصول، وفقه مقارن، وعبادات، ومعاملات، وعقيدة، طرق بابه قال له: لك عندي بشارة من رسول الله، ولكنني والله لن أقولها لك إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك، معنى هذا أنه عمل عملاً ضخماً سبب هذه البشارة، فامتنع عن أن يقول شيئاً، بعد إلحاح منقطع النظير قال له القصة، قال له: تزوجت امرأة، وفي الشهر الخامس من زواجي بها كان حملها في الشهر التاسع، قال له: بإمكاني أن أطلقها، أو أن أسحقها، أو أن أفضحها، والشرع معي، والقانون معي، وأهلها معي أيضاً، فقال: أردت أن أحملها على التوبة، وأن أسترها، جاء لها بولّادة وولدت، وفي صباح اليوم الذي ولدت فيه وضع هذا المولود الصغير تحت عباءته، ووقف أمام باب الجامع، إلى أن نوى الإمام صلاة الفجر، لا يوجد أحد فدخل ووضعه وراء الباب، بعد أن انتهت الصلاة بكى هذا الطفل، فتحلق المصلون حوله، هو تأخر حتى تأكد أن معظم المصلين تحلقوا حول هذا الطفل، ثم اقترب قال: خير ما القصة؟ قال: تعال وانظر لقيط، قال لهم: لقيط؟ أعطوني إياه أنا أكفله، أخذه أمام أهل الحي على أنه لقيط ورده إلى أمه، قال له: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة. سترها كان ممكن أن يفضحها، وإذا فضحها يمكن أن تقتل، عندنا عرف التي تخطئ تقتل، قال له: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة، فأنت بإمكانك أن تقيم العدل لكن يوجد أرقى من العدل ما هو؟ الإحسان:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسانِ ﴾

[سورة النحل: ٩٠]

 هذا إحسان، فأنت عندما تأخذ موقف الإحسان لك شأن آخر.
 أعرف تاجراً عنده موظف، هذا الموظف في مقتبل حياته، ويسافر إلى فروع الشركة في المحافظات، ويأتي بالأموال، حدثته نفسه أن يأخذ من هذه الأموال، أخذ منها مبلغاً كبيراً، متى كشف أمره؟ آخر العام أثناء الحسابات، يوجد فرق يقدر بسبعين ألفاً، فبإمكان هذا التاجر أن يودعه في السجن، يوجد أدلة، و لكن هذا الموظف قدم تصريحات كاذبة، وقدم طلبات للزبائن أقل بسبعين ألفاً، والمبلغ الحقيقي كان أكثر بسبعين ألفاً، يبدو أن هذا الإنسان غلب على ظنه الإحسان قبل العدل فلم يسامحه، أي طلب منه هذا الدين، فأخذه أقساطاً على مدة طويلة وسلم، يبدو أن هذا الشخص عندما رأى أن معلمه لم يدخله السجن أحبه، ثم حفظ كتاب الله كله، وتعين إماماً، أنا سافرت من عدة سنوات إلى أمريكا كان أكبر داعية في ديترويت، أي ممكن أن يكون بالسجن،

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسانِ ﴾

  قبل أن تنتقم، قبل أن تشتكي، انتظر، لعل هذا يتوب، لذلك الآية الدقيقة جداً:

﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثلُها فَمَن عَفا وَأَصلَحَ ﴾

[سورة الشورى: ٤٠]

 إذا غلب على ظنك أن عفوك عنه يصلحه ينبغي أن تعفو عنه، قال:

﴿ فَمَن عَفا وَأَصلَحَ فَأَجرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

 قال لك: حسابك عندي، مادام عفوت عنه، ولم تنتقم، ولم تأخذ حقك بالقوة، طبعاً عفوت عنه ليقينك أن عفوك عنه يصلحه.
 عفواً شخص دهس طفلاً، لكن الخطأ من الطفل، لأن هذا السائق كان يمشي بسرعة بطيئة جداً، قذف الطفل نفسه أمامه، حسناً هذا يستحق العقاب بالقانون لكنه ليس مذنباً أبداً، الخطأ من الطفل، أتى الأب عفا عنه، أسقط حقه الشخصي، الحق العام بسيط، فأنت فكر قبل أن تنتقم، وقبل أن تحاسب، و قبل أن تعاقب، يوجد مجال لو أنك عفوت عنه هذا العفو يصلحه؟ قال:

﴿ فَمَن عَفا وَأَصلَحَ فَأَجرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

.
 أخواننا الكرام؛ هذه الفكرة أو الفائدة لابن الطيب الجوزية مهمة جداً، نتابعها غداً إن شاء الله.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018