برنامج ويتفكرون 2 - الحلقة : 10 - إتقان صنع الله - خلق السمع والبصر - تقديم السمع على البصر تقديم أهمية وتقديم خلق - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج ويتفكرون 2 - الحلقة : 10 - إتقان صنع الله - خلق السمع والبصر - تقديم السمع على البصر تقديم أهمية وتقديم خلق


2018-01-10

مقدمة :

الدكتور بلال:
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على الرحمة المهداة والنعمة المزجاة، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 أخوتي الكرام، أخواتي الكريمات، أينما كنتم أسعد الله أوقاتكم بالخير واليمن والبركات والطاعات، بتحية الإسلام أحييكم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحن معاً في حلقة جديدة من برنامجنا:"ويتفكرون"، نبحر فيها متفكرين بآيات الله الكونية والتكوينية والقرآنية، نستضيف في حلقاتنا جميعها فضيلة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الدكتور بلال:
 سيدي اليوم نتحدث عن آية من آيات الله في الكون فيها آيات قرآنية كثيرة، ربنا جلّ جلاله يقول:

﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾

[سورة الإنسان: 2]

﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾

[سورة الإسراء: 36]

 السمع والبصر، أكثر من سبع عشرة آية ورد فيها السمع مقدماً على البصر، في جميع الآيات التي تتحدث عن خلق الإنسان، عن إنشاء الإنسان قدم فيها السمع على البصر، فما تعليقكم؟

 

تقديم السمع على البصر تقديم أهمية و تقديم خلق :

الدكتور راتب :
 الإنسان ينام في غرفة نومه، استمع إلى صوت في غرفة الضيوف يستيقظ، فدائرة الكشف السمعية أوسع بكثير من الدائرة البصرية، وهو نائم لا يرى إلا غرفة النوم، أما السمع فيستمع إلى أصوات بعيدة، فالإنسان محصن بسمعه تحصيناً أكبر من تحصين بصره، أحياناً السائق يقود مركبته يستمع إلى صوت غريب في المحرك، هذه ليست قضية سهلة، أمامه لا يوجد شيء، والمركبة تنطلق، و لكن هناك صوتاً غريباً يسمعه، قدم السمع على البصر لأن دائرة الأمان في السمع أكبر بكثير، أما البصر فبغرفة النوم فقط.
الدكتور بلال:
 هذا تقديم أهمية، أيضاً هل هو تقديم خلق، هل السمع يخلق قبل البصر؟
الدكتور راتب :
 طبعاً في بعض الأبحاث العلمية نشأة السمع قبل البصر.
الدكتور بلال:
 ينشأ السمع وهو في بطن أمه..
الدكتور راتب :
 في بطن أمه بعد أشهر تأتي الرؤية – البصر-.
الدكتور بلال:
 قال تعالى:

﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾

[سورة الإسراء: 36]

 أيضاً يحضرني هنا لما تكلمتم عن السمع بالجهات الست أما البصر فبأقل:

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

دائرة الرؤية أضيق دائرة :

الدكتور راتب :
 ما لا عين رأت هذه أصغر دائرة، إنسان سافر إلى أمريكا أو إلى الصين مثلاً، لكن يوجد مئتا دولة، ما لا عين رأت، أما سمع بكوالالمبور في ماليزيا؟ أما سمع بموسكو في روسيا؟ ولا أذن سمعت، أما الخواطر فلا نهاية لها:

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ..))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 هذه أضيق دائرة:

(( ..وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

الدكتور بلال:
 الخواطر أوسع شيء...
الدكتور راتب :
 ليس لها حدود، تصور إنساناً يبلغ طوله مليون كيلو متر.
الدكتور بلال:
 أستاذنا الفاضل يوجد آيات أخرى غير الآيات التي في الخلق والتي تتحدث عن أن السمع قبل البصر، هناك آيات يقدم الله البصر عن السمع، قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا ﴾

[سورة السجدة: 12]

الحكمة من تقديم البصر على السمع في آيات أخرى :

الدكتور راتب :
 يبدو أن سرعة الضوء ثلاثمئة ألف كيلومتر بالثانية، سرعة الصوت ثلاثمئة وثلاثون متراً بالثانية، يوجد فرق كبير جداً، هنا التقديم لزاوية أخرى.
الدكتور بلال:
 من هنا نحن نرى البرق ربما قبل أن نسمع الصوت، هناك آية تلفت النظر لا تتحدث عن البصر لكن عن السمع فقط، قال تعالى:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

وصول الإنسان إلى الله بعقله أو سمعه :

الدكتور راتب :
 هنا ملمح خطير ودقيق، هذا الكون آية كبرى تدل على وجود الله وكماله ووحدانيته، أنت إما أن تفكر في خلق السموات والأرض فتصل إلى كل الحقائق، وإما أن تستمع إلى علم بأذنيك، فإما أن تأخذ العلم من تجربتك، أو من إصغائك لعالم، فهناك طريقان كل منهما يوصلك إلى الله، إما التفكر في خلق السموات والأرض أو أن تقرأ كيف تفكر بعض العلماء وجاؤوا بأفكارهم الرائعة، أنا مرة كنت في أمريكا يوجد تمثال من البرونز لأننشتاين، أنشتاين من كبار علماء الفيزياء له كلمة لا أنساها إطلاقاً يقول: كل إنسان لا يرى في هذا الكون قوةً هي أقوى ما تكون، عليمةً هي أعلم ما تكون، حكيمة هي أحكم ما تكون، رحيمةً هي أرحم ما تكون، هو إنسانٌ حي ولكنه ميت.
 فالإنسان قد يصل بتفكيره إلى الله..
الدكتور بلال:
 هذا العقل...
الدكتور راتب :
 وقد يصل بقراءة الكتاب المقدس - القرآن الكريم- إلى الله عز وجل.
الدكتور بلال:
 هذه نسمع..
الدكتور راتب :
 هذه نسمع أو نعقل، مثل إنسان تناول طعاماً جاهزاً نسمع، صنع طعاماً نعقل.
الدكتور بلال:
 قال تعالى:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

الجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن نتبع تعليماتها :

الدكتور راتب :
 أي أزمة علم، الإنسان جُبل على حبّ وجوده، وعلى حبّ كمال وجوده، وعلى حبّ استمرار وجوده، كمال وجوده واستمرار وجوده وحب وجوده مبني على تعليمات الصانع، قال تعالى:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

 لو طبقنا تعليمات الصانع، الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها هي الجهة الصانعة، والدليل قال تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14 ]

 لو فرضنا إنساناً عنده كومبيوتر سعره مرتفع جداً، أصابه عطب، له جار يبيع الخضراوات، هل يقدمه للجار لإصلاحه؟ لا، بل للشركة الصانعة لأنها هي الخبيرة، والآية تقول:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14 ]

 أنت حينما تطبق تعليمات الصانع تطبق تعليمات الخبير، ولا يوجد خبرة إلا فوقها خبرة إلا الله عز وجل هو الخبير الحقيقي في كل شأن الدنيا.
الدكتور بلال:
 سيدي لو دخلنا بموضوع ديني وتدبر لهذه الآية:

﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾

[سورة الإسراء: 36]

 أي سنسأل عن سمعنا وأبصارنا وقلوبنا؟

 

محاسبة كل إنسان على سمعه و بصره و قلبه :

الدكتور راتب :
 الإنسان إذا استمع إلى شيء لا يرضي الله سيحاسب، وإن نظر إلى امرأة لا تحل له سيحاسب، وإذا فكر في موضوع لا يجوز أن يفكر به سيحاسب، أي إذا تحركت فالله يراك، إذا تكلمت فالله يسمعك، إذا أضمرت فالله يعلمك، تتحرك يراك، تنطق يسمعك، تضمر شيئاً الله عز وجل مطلع عليك، الشيء الآخر قال تعالى:

﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

[ سورة طه: 7]

 يعلم سريرتك ويعلم ما خفي عنك، علم ما كان – الماضي- وعلم ما يكون – الحاضر- وعلم ما سيكون – المستقبل- وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
الدكتور بلال:
 الذي يضمره يعلمه الله لكن يحاسبه عليه إذا انقلب إلى عمل.
الدكتور راتب :
 لكن إذا أهمله ينقلب إلى عمل.
الدكتور بلال:
 لو استرسل مع الخواطر..
الدكتور راتب :
 مثلاً أنا أقول دائماً: لا صغيرة مع الاستغفار، صغيرة حركت المقود سنتمتراً وثبته ستكون بعد قليل في الوادي، الكبيرة تسعون درجة لكن تستطيع أن ترجعه، فلا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار.
الدكتور بلال:
 سيدي قال تعالى:

﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾

[سورة الإسراء: 36]

 تحدثنا عن تقديم السمع على البصر في الخلق تقديم أهمية وتقديم خلق، لكن هل في خلق الله تفاوت؟ الله عز وجل يقول:

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾

[سورة الملك: 3]

إتقان خلق الله عز وجل :

الدكتور راتب :
 في كل حياتنا يوجد صناعة درجة أولى ممتازة، وهناك أقل، وأقل، و هناك صناعة تجارية، نحن عندنا تفاوت، أما أنا فأرى عندما ربنا عز وجل قال:

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾

[سورة الملك: 3]

 أي أصغر مخلوق وأحقر مخلوق مثل أكبر مخلوق، يوجد برأس البعوضة مئة عين، وفي صدرها قلوب ثلاثة، قلب مركزي وقلب لكل جناح، وفي كل قلب أذينان وبطينان ودسامان، والبعوضة تملك جهازاً لا تملكه الطائرات، اسمه جهاز الاستقبال الحراري، حساسيته واحد على ألف من الدرجة المئوية، تملك جهاز تحليل دم، ما كل دم يناسبها، تملك جهاز تمييع للدم، جهاز تخدير، تحلل تميع تخدر، فإذا غمست البعوضة خرطومها في دم الإنسان وطارت لا يشعر بشيء لأنه تخدر، لكن حينما ينتهي مفعول التخدير يتألم، هذه البعوضة، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَستَحيي أَن يَضرِبَ مَثَلًا ما بَعوضَةً ﴾

[سورة البقرة: ٢٦]

 والمجرات، أي أحقر مخلوق عند أهل الأرض البعوضة، والبعوضة قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَستَحيي أَن يَضرِبَ مَثَلًا ما بَعوضَةً ﴾

[سورة البقرة: ٢٦]

 وقال تعالى:

﴿ فَما فَوقَها ﴾

[سورة البقرة: ٢٦]

 الآن كشف بالمجاهر الالكترونية كائن فوق البعوضة وعندي صورته.
الدكتور بلال:
 قال تعالى:

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

[ سورة السجدة : 7 ]

 هذا من إتقان خلق الله عز وجل.
الدكتور راتب :
 نعم، النبي صلى الله عليه وسلم شهد دفن صحابي، فهذا الذي حفر القبر ترك فرجة فغضب النبي صلى الله عليه وسلم قال له:

(( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ))

[ الجامع الصغير ومسند أبي يعلى الموصلي والطبراني في الأوسط عن عائشة ]

 أنا مرة وجدت عندما صنعت مكتبة في بيتي لها مسكة أفقية، قلت له: مائلة، قال: لا أبداً، فأحضر المتر بالفعل كان الطرفان على بعضهما، قلت له: لا، مائلة، عندما أصررت أحضر البيكار، ووضعه في أول مكان وقفل البيكار فإذا بها مائلة بقدر ربع ميليمتر.

 

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
 الله أكبر هذا من إتقان خلق الله عز وجل، جزاكم الله خيراً وأحسن إليكم، وأنتم أخوتي الأكارم الشكر موصول إليكم لحسن متابعتكم لما تفضل به شيخنا جزاه الله خيراً، على أن نلقاكم دائماً راجين الله عز وجل أن تكونوا في أحسن حال مع الله، ومع خلقه، وحتى ذلك الوقت نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، إلى الملتقى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018