الخطبة : 1063 - وعود الله عز وجل للمؤمنين . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1063 - وعود الله عز وجل للمؤمنين .


2008-01-18

الخــطــبـة الأولــى :

     الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

وعودُ الله للمؤمنين :

     أيها الإخوة الكرام، بادئ ذي بدء، نقرأ كلام الله فإذا هو طافح بالوعود للمؤمنين:

1 ـ الاستخلاف في الأرض:

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾

( سورة النور الآية: 55 )

2 ـ تمكين الدين في الأرض:

     أول وعد:

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

( سورة النور الآية: 55 )

3 ـ الأمن بعد الخوف:

     الوعد الثاني:

﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾

( سورة النور الآية: 55 )

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

( سورة النور الآية: 55 )

4 ـ نصر الأنبياء والمؤمنين:

     بشرط أن يعبدوني.
     وعد آخر:

﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة غافر الآية: 51 )

5 ـ الغلبة لجند الله:

     وعد آخر:

﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

( سورة الصافات )

6 ـ نصر الله للمؤمنين:

     وعد آخر:

﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الروم الآية: 47 )

     هذه الوعود أيها الإخوة، دققوا، لزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، المفارقة الحادة بين واقع المسلمين المؤلم وبين وعود رب العالمين الرائعة كيف نوفق بينهما.

 

حقائق مهمة :

     الحقيقة ينبغي أن أنطلق في هذا الموضوع الدقيق، والذي يمس كل مؤمن وكل مسلم وكل عربي، ينبغي أن أنطلق في هذا الموضوع من حقيقتين:

الحقيقة الأولى:

     الحقيقة الأولى: أن الحقيقة المُرة أفضل ألف مَرة من الوهم المريح.

الحقيقة الثانية:

     وأن الحقيقة الثانية مستحيل وألف ألفِ ألف مستحيل أن يتخلى الله عنا.

﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

     ولأبدأ بالتفاؤل، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يحب الفأل الحسن.

 

معالم مهمة من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام :

     أولاً نحن قريبو عهد من ذكرى الهجرة، فإذا كان للدعوة الإسلامية خط بياني فقد وصل هذا الخط في الطائف إلى النهاية الدنيا، سخر الناس منه، وكذبوه، وناله الصغار بالأذى حتى أدميت قدماه، وقال دعاءه الشهير الذي يحتاجه كل مسلم اليوم:

(( اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس، يا رب المستضعفين إلى من تكلنا ؟ إلى عدو ملكته أمرنا ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر بسند فيه ضعف ]

     أيها الإخوة، ومع أن الخط البياني للدعوة الإسلامية وصل في الطائف إلى الحضيض، لكن في أثناء العودة إلى مكة سأله سيدنا زيد: كيف تعود إلى مكة وقد أخرجتك ؟ فقال كلمة شحنت بالثقة بالله:

(( إن الله ناصر نبيه ))

[ ورد في الأثر ]

     وليس بعيداً عنكم حينما تبعه سراقة، إنسان ملاحق هدر دمه، وضعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، يلحقه سراقة من أجل مئة ناقة، يقول له النبي عليه الصلاة والسلام، والقصة معروفة عندكم: كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ؟ كلام كالخيال، شرذمة ملاحقة مضطهدة نكل بها وقتلت، نبيها رأس هذه القلة مهدور دمه، ملاحق، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً يقول: يا سراقة، كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ أي إنني سأصل سالماً، وسأنشئ دولة حرة كريمة، وسأحارب أكبر دولتين، وسوف تأتيني غنائم كسرى، ويا سراقة لك سوار كسرى، كان عمر يعتلي المنبر، وقد جاءت كنوز كسرى، فقال: أين سراقة ؟ تصور دولة من العالم الثالث ضعيفة جداً، الدنيا كلها تحاربها، شعبها يعاني ما يعاني، مواطن من هؤلاء وعد أن يأخذ شيئاً ثميناً من البيت الأبيض، نفس المسافة، فكان سراقة في المسجد، جاء بسواري كسرى، وقال بخ بَخ: أعيرابي من بني مدلج يلبس سواري كسرى.

[ هذه القصة ذكرها الذهبي في تاريخ الإسلام، وابن كثير في البداية والنهاية ]

 

لا قيمة للدنيا :

     أيها الإخوة، أخطر شيء في حياتنا أن نُهزَم من الداخل، قد نعاني ما نعاني، لكن قد يسأل سائل: ما الحكمة ؟
     الحكمة أيها الإخوة، أن الدنيا محدودة، وهي أحقر من أن تكون عطاءً لمخلوق، كائناً من كان، بل هي أحقر من أن تكون عقاباً.
     لو تصورنا رقم ( واحد ) في الأرض، وأصفارا إلى الشمس، وكل ميليمتر صفر، كم هذا الرقم ؟ ثلاثة أصفار ألف، ثلاثة أُخر مليون، ثلاثة ثالثة ألف مليون، ثلاثة رابعة مليون مَليون، مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وكل ميليمتر صفر، هذا الرقم ضعه صورة لكسر، وضع المخرج لا نهاية، القيمة صفر، فالدنيا أمام ما وعد به المؤمنين لا شيء، بل إن أكبر خسارة أن نخسر الآخرة.

أنواع النصر :

1 ـ النصر المبدئي:

     لذلك قالوا: هناك انتصار مبدئي، يكفي أن تكون مؤمناً ذا عقيدة سليمة، أن تكون موحِّداً، أن تكون مستقيماً، ولو مات الإنسان لكان منتصرا انتصارا مبدئيًّا.
     أصحاب الأخدود ألم يُحرقوا ؟ أثنى الله عليهم، ماشطة بنت فرعون:

(( و هِيَ تُمَشِّطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ سَقَطَتْ الْمِدْرَى مِنْ يَدَيْهَا، فَقَالَتْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِي ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ، قَالَتْ: أُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْبَرَتْهُ، فَدَعَاهَا، فَقَالَ: يَا فُلَانَةُ وَإِنَّ لَكِ رَبًّا غَيْرِي ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِيَ وَأَوْلَادُهَا فِيهَا، فَأَمَرَ بِأَوْلَادِهَا فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَاحدًا وَاحِدًا، إِلَى أَنْ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَبِيٍّ لَهَا مُرْضَعٍ، وَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ ـ سكتت، وكأنها تضعضعت ـ قَالَ: يَا أُمَّهْ اقْتَحِمِي، فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَاقْتَحَمَتْ ))

[ أحمد ]

     النبي عليه الصلاة والسلام:
     (( لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ مَرَّتْ بِهِ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ ))، قال: يا جبريل ما هذه الرائحة ؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون، هذا هو النصر المبدئي ولو أنه قتل، ولو أنه حرق، ولو أنه هدم بيته، والذي هدّم سبعين ألف بيت في غزة لم يزل حياً، وهذه السنة الثالثة، وأمد الله بعمره، لم يزل حياً يعاني ما يعاني.

2 ـ النصر الاستحقاقي:

     أيها الإخوة الكرام، هذا انتصار مبدئي، وهناك انتصار استحقاقي، كانتصار الصحابة يوم بدر:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 123 )

3 ـ النصر التفضلِّي:

     الآن نسأل الله إن لم نستحق النصر الاستحقاقي أن ننتصر تفضلاً كما انتصر الروم على الفرس، قال تعالى:

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ (5) ﴾

( سورة الروم)

4 ـ النصر الكوني:

     أما إذا كان الفريقان المتصارعان بعيدين عن الدين بُعد الأرض عن السماء فالذي ينتصر هو الأقوى، الذي يملك السلاح الأكثر جدوى، الذي يملك سلاحا مداه المجدي عشرة كيلو، والمدرعة في الطرف الآخر مداها المجدي ثلاثة كيلو، إذاً: هذه الطائرة يمكن أن تدمر مئتي دبابة، إذا ابتعد الفريقان كلياً عن منهج الله فالمنتصر هو الأقوى، فعندنا انتصار مبدئي، وانتصار استحقاقي، وانتصار تفضلي، وانتصار كوني، والمعركة بين حقين لا تكون، لأن الحق لا يتعدد، وبين حق وباطل لا تطول، لأن الله مع الحق، وبين باطلين لا تنتهي.

لا أحد يستطيع إفساد هداية الله لخلقه :

     أيها الإخوة الكرام، لو أن قوى الأرض اجتمعت بكل إمكاناتها، بكل بأسها، بكل قوتها، بكل إعلامها، بكل أموالها، بكل حلفائها، لو أن أهل الأرض اجتمعوا على أن يلغوا هداية الله لخلقه لا يستطيعون، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 36 )

     الله موجود:

 

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾

( سورة طه )

     نحن في أمسّ الحاجة إلى أن نثق بالله عز وجل، ولن يتخلى عنا:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) ﴾

( سورة السجدة)

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) ﴾

( سورة القلم )

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) ﴾

( سورة القصص )

     أيها الإخوة الكرام، هذه آيات القرآن الكريم.

 

وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ

     شيء آخر:

﴿ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة يوسف )

     هذا الطفل الذي وضع في البئر ليموت، سيدنا يوسف، ماذا كانت النتيجة ؟ أنه أصبح عزيز مصر:

 

﴿ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة يوسف )

     من كان يتوقّع أن الجهة الشرقية القوية التي رفعت شعار ( لا إله )، وتملك من القنابل الذرية والنووية ما لا يصدق، أن تتهاوى كبيت العنكبوت، من كان يظن ذلك ؟

 

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾

( سورة الإسراء )

     زهوق صيغة مبالغة، وصيغ المبالغة تعني كمًّا أو نوعاً، وأكبر باطل في الأرض كان زهوقا، ومليون باطل كان زهوقا.
     أيها الإخوة الكرام، إن جهةً قوية جداً تملك نواصي الأمور، السلاح بيدها، المال بيدها، الإعلام بيدها، الأقمار بيدها، الدول كلها معها، مع الباطل تملقاً لها، وخوفاً من انتقامها، وطمعاً بما عندها، هذه القوة العظمى إذا خططت لتبني مجدها على أنقاض الشعوب، أو تبني حياتها على إبادتهم، أو تبني عزها على إذلالهم، أو تبني ثقافتها على محو ثقافتهم، أو تبني أمنها على إخافتهم، أو تبيني حياتها على موتهم، الآن دققوا والله الذي لا إله إلا هو ما سأقوله بعد قليل يختلط بدمي في كل قطرة دم، وفي كل خلية في الجسم، أؤمن بذلك، أن تنجح خططها على المدى البعيد هذا لا يتناقض مع عدل الله فحسب، بل مع وجوده، بل مع وجود الله:

 

﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

     مرة ثانية:

 

﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

 

معركة الحق والباطل من سننِ الله الجارية :

     أيها الإخوة، ولكن قد يسأل سائل: لمَ جمعنا الله مع بعضنا في هذه الأرض ؟ مؤمن وكافر، ملحد ومستقيم ؟ الجواب الدقيق: أن هذا قرار إلهي، والمؤمن يحترم قرار الله عز وجل، لأن الله واجب الوجود، وما سواه ممكن الوجود، ممكن الوجود أي: ممكن أن يوجد، وممكن ألا يوجد، ممكن أن يكون على ما هو كائن، أو على خلاف ما هو كائن، أليس من الممكن أن يكون الكفار في كوكب آخر ؟ فلا معركة، ولا غزوة بدر، ولا أُحد، ولا الخندق، ولا اليرموك، ولا القادسية، ولا هذا الذي يجري في العالم، أليس من الممكن أن يكون الكفار في قارة أخرى ؟ ممكن، أليس من الممكن أن يكونوا في حقبة أخرى ؟ ممكن، ولكن شاءت إرادة الله وحكمته المطلقة أن نكون معاً على وجه الأرض، إذاً: معركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية، هذا قدَرُنا، ولأن الحق ـ دققوا ـ لا ينمو إلا بالتحدي، ولأن الحق لا يقوى إلا بالتحدي، ولأن أهل الحق لا يستحقون الجنة إلا بالبذل والتضحية، هذه مشيئة الله، وهذه إرادته، وهناك مقولة رائعة جداً تدخل على قلب كل مؤمن الراحة والطمأنينة: " كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، فلا ينبغي أن يقع في ملكه ما لا يريد أبداً، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق "، هذه الكلمات على قلّتها تحل مئات المشكلات للمؤمنين، هناك حكمة بالغة، عرفها مَن عرفها، وجهلها مَن جهلها، وخطة الله تستوعب خطة أعداء الله، وتوظف للخير.

حقيقة الغرب وحشٌ في صورة آدميٍّ :

     قبل خمسين عاما تقريباً، إن صح أن هناك سطحا عليه المبادئ والقيم الكبرى في العالم، طبعاً دعونا من المبادئ الصغرى، هذه فقاعات، المبادئ الكبرى، كان هناك شرق يؤمن بالمجموع، وقد سُحق الفرد فيه، وغرب يؤمن بالفرد، وقد سحق المجموع فيه، وكان الإسلام، الذي حصل أن الكتلة الشرقية التي رفعت شعار ( لا إله ) تداعت من الداخل، وانتهت، وكفى الله المؤمنين القتال، بقيت كتلة الغرب وكتلة الإسلام، الغرب قوي، نحن في مئتي عام نائمون، وهم يعملون ومستقرون، الغرب قوي جداً، وذكي جداً، وغني جداً، وبشكل موضوعي طرح قيماً رائعة جداً سابقاً، الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، تكافؤ الفرص، حق المقاضاة، شيء رائع جداً، بهذا الغنى، وتلك القوة، وهذا الذكاء، وتلك القيم خطف أبصار أهل الأرض، أصبح الذي يحمل ( غرين كارت ) كأنه دخل الجنة.
     مرة كنت راكبا سيارة، يقول السائق لزميلة: الله يطعمها لكل مشتهٍ، وكأنها الكعبة، أمريكا خطفت أبصار أهل الأرض، وكأنها نافست هذا الدين، وكأن المسلمين نسوا دينهم، وتعلقوا بها، أكبر إنجاز على الإطلاق أن الغرب بعد الحادي عشر من أيلول وبعد المواقف المنحازة لأعدائنا انحياز غير معقول الغرب سقط كحضارة، وبقي كقوة، والله قبل خمسين عاما قلّة قليلة جداً من المثقفين يعرفون حقيقة الغرب، أما الآن والله أطفالنا وصغارنا كشفوه على حقيقته، أكبر إنجاز ديني أن الغرب سقط، وقد يغيب عن أذهانكم أنه ما لم نكفر بالكفر فلن نؤمن بالله، الدليل:

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا (256)﴾

( سورة البقرة )

     مرة قلت على هذا المنبر: شكراً لك يا أمريكا، لقد أعنتنا على أن نكفر بك، أصبح الهدف هو الإسلام، والله الذي لا إله إلا هو أشتهي بيتا من اللَّبِن لكن فيه رحمة، وهؤلاء لا يرحمون أحداً:

 

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا (4) ﴾

( سورة القصص)

     وكأن لكل عصر فرعون، قبل خمسين عاما ما سمعت خبرا عندهم أنه قام بهذا العمل كاثوليكي أو بروتستانتي، مواطن، إذا أتوا إلى بلادنا قالوا: سني، وشيعي، وعربي، وكردي، وأشوري، ورقة الفتن الطائفية ورقة رابحة جداً بيد أعدائنا، ونحن ببطولتنا ووعينا يمكن أن نسقط هذه الورقة من يديه.

 

لم يبقَ إلاّ مبادئ الإسلام :

     أيها الإخوة الكرام، الذي حصل أنه لم يبقَ في ساحة المبادئ والقيم إلا الإسلام، سأخبركم بهذه المقولة التي قلتها آلاف المرات: هذا العالم الأمريكي الذي هداه الله إلى الإسلام حينما التقى بالجالية الإسلامية في بريطانية قال: أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور، لاتساع الهوة بينهما، ولكنني مؤمن أشد إيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لا لأنهم أقوياء، ولكن لأن خلاص العالم في الإسلام.
     أيها الإخوة الكرام، الدين الأول في العالم والأسرع نمواً هو الإسلام، والعالم بحاجة إليه، والذين يدخلون في هذا الدين بالألوف، وبالمئات كل يوم، وهذا الذي يقلق الغرب:

﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

     أقول لكم كلمة مختصرة: أنت قوي، هذا سر ضعفك، وأنا ضعيف، هذا سر قوتي.

 

لابد من العمل وتركِ النوم والكسل :

     أيها الإخوة الكرام، لعل هذه الأحداث دفعتنا إلى أن نصحوَ، دفعتنا إلى أن يحب بعضنا بعضاً، لعل هذه الأحداث دفعتنا إلى أن نعمل، لا أن نبقى نائمين.
     كنت أقول دائماً: المسلمون نائمون في ضوء الشمس، ضوء الشمس هو الوحي، والطرف الآخر يعملون في الظلام، والذي يعمل في الظلام قد يسبق النائم في ضوء الشمس.
     أيها الإخوة الكرام، العبرة أن نعمل وعود الله ثابتة، زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.

لابد من الصلح مع الله :

     أروي لكم قصةً صغيرة في عهد الحسن البصري، هذا الرجل من التابعين الأجلاء جاءه وفد من علية القوم يشكو أميراً ظالماً بالغ في البطش برعاياه، قال: إن ظلم الأقوياء نقمة الله عز وجل، ونقم الله عز وجل لا ترد بالسيوف وحدها، ترد بالسيوف أولاً، وبالصلح مع الله ثانياً.
     هنا المشكلة، يجب أن نصطلح مع الله، يجب أن نرتب أوراقنا مع الله، يجب أن نعود إلى الله يجب أن نعود إلى منهج الله، ظلم الأقوياء لا يرد بالسيوف فقط، يرد بالصلح مع الله، وبالسيوف معاً، لا بد من أن نجمع مع المقاومة الإيمان، ومع المقاومة الاستقامة، ومع المقاومة الإخلاص، لا بد من أن نقدم لله عز وجل ثمن النصر، والنصر موجود، والكرة في ملعبنا، والله ينتظرنا.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد الآية: 7 )

     كنت أدعو وأقول: اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك، وحتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا.

 

أنواع الجهاد :

1 ـ جهاد النفس:

     أيها الإخوة، دققوا، هناك جهاد نفسي عندي هو الأصل، الصحابة الكرام رجعوا من غزوة فقالوا رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى، هذا الجهاد النفسي دليله في القرآن الكريم:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) ﴾

( سورة العنكبوت)

2 ـ جهاد الدعوة:

     هناك جهاد آخر هو الجهاد الدعوي:

﴿ وجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾

( سورة الفرقان )

3 ـ الجهاد البنائي:

     هناك جهاد ثالث هو الجهاد البنائي:

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

     ما طالبنا ربنا بالقوة المكافِئة، وهذه رحمة الله عز وجل، طالبنا بالقوة المتاحة.

4 ـ الجهاد القتالي:

     الجهاد الرابع الجهاد القتالي، إذا نجحنا، وأسأل الله أن ننجح في الجهاد النفسي، والجهاد الدعوي، والجهاد البنائي، ينتظر أن ننجح أيضاً في الجهاد القتالي، هذا هو الطريق، لذلك نحن الآن بحاجة إلى العمل، بحاجة إلى أن نسكت، ونعمل، لا أن نتكلم بلا عمل، أن نسكت وأن نعمل، والله سبحانه وتعالى معنا:

﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾

( سورة الصافات )

﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الروم الآية: 47 )

﴿ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

( سورة النساء )

     هذه وعود الله عز وجل.وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.
     أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخــطبـة الثانية :

     الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الدين هو التوحيد :

     أيها الإخوة الكرام، حقيقة الدين هي التوحيد، لذلك ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، وحينما تؤمن يقيناً كما قال الله عز وجل:

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (10) ﴾

( سورة الفتح )

     حينما تؤمن أن سيدنا هود حينما قال:

 

﴿ ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة هود الآية: 55 )

     هذه آية دقيقة جداً، ما مِن قوي مع الله عز وجل، القوي بيد الله:

 

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) ﴾

( سورة الزمر)

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 54 )

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) ﴾

( سورة الكهف)

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف )

     ما دام التعلق بالله، والتوكل عليه، والطلب منه، والثقة به فالله يقول:

(( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ ))

[ متفق عليه ]

     وحسن الظن بالله ثمن الجنة.

 

التوحيد أن لا ترى مع الله أحدًا :

     والله أيها الإخوة، نحن في محنة كبيرة، الله عز وجل مِن سننه أنه يمتحن عباده امتحانين صعبين: أحدهما أن الله يقوي أعداءه إلى أن يتوهم ضعاف المؤمنين أنهم آلهة يفعلون ما يقولون، لذلك من ضعف إيمان المؤمنين أن عدداً ليس بالقليل أيقن أن لا نجاح إلا بالانبطاح أمامهم أبداً، رأوا أن الأمر بيدهم، وأن النصر بيدهم، والإعلام بيدهم، والحلفاء معهم، فلا بد من أن نبطح لهم، هذه رؤية شركية، أما حينما تؤمن أن الله بيده كل شيء وأنه لا إله إلا الله، وأنه:

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (10) ﴾

( سورة الفتح )

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة هود: من الآية 123 )

     أيعقل أن يقول الله لك: اعبدني، ويسلمك إلى غيره، مستحيل وألف مستحيل.
     مرة أحد الطغاة من الولاة قال لسعيد بن جبير: سأقتلك، قال: والله لو علمت أن حياتي بيدك لعبدتك من دون الله، هذا التوحيد ألا ترى مع الله أحدا، أن ترى أن يد الله تعمل وحدها، أن ترى أن كل من في الأرض دُمى تتحرك، أحياناً تستوعب خطة الله خطة أعدائه لحكمة بالغة، عرفها مَن عرفها، وجهلها مَن جهلها.

 

أربعة أمور لابد أن تعلمها حتى يستقيم إيمانُك :

     مرة كنت في مؤتمر، وألقيت محاضرات طويلة، لكن في النهاية لكل ضيف دقيقة واحدة في حفل الختام، كان إلى جانبي مندوب دولة الآن تعاني ما تعاني، العراق، قال: والله لقد أصاب الشعب العراقي من البؤس ما لم يصَب به المسلمون في مئة عام، وبكى، ثم قال: والله لقد ارتقينا في سلم الإيمان ما لا نرتقي به في ثلاثمئة عام، ثم جاء دوري، قلت له: إذاً خطة الله استوعبت خطة أعدائه.

1 ـ يجب أن تعلم أن الله يعلم:

     بشكل أو بآخر، بلا مواربة، هل يستقيم إيمانك إذا توهمت أن الله لا يعلم ما يجري في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان ؟ هل يستقيم إيمانك ؟

﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا (59) ﴾

( سورة الأنعام)

     هذه ورقة، فما بالُك بصاروخ يقتل المئات، كذلك بعلمه، ولحكمة بالغة عرفها مَن عرفها، وجهلها مَن جهلها.

2 ـ يجب أن تعلم أن الله يقدِر:

     هل يستقيم إيمانك إذا توهمت أن الله لا يقدر ؟
     في تسونامي الله جمع أكبر أثرياء العالم، خمسة وعشرين ألفا في أجمل مكان في العالم، وجاء زلزال قوته مليون قنبلة ذرية.
     أحياناً هناك رافعات في معامل الحديد على أساس وشيعة كهربائية تحمل خمسين مليون طن، ما مِن قوة تنزع قطعة منها، أما عامل الونش فيضغط الزر ربع مليمتر فيسقط كله، هذا إيماني عند الله، كبسة ذر، فإذا انتهى القوي عنده ينهي على أتفه الأسباب، وقد تنتصر الدعوة بخيوط العنكبوت، من عظمة الله عز وجل يدمر على أتفه سبب، ويحمي بأقلّ سبب.

3 ـ يجب أن تعلم أن الله يَعنيه ما يجري في الأرض:

     هل يستقيم إيمانك إذا توهمت أن الله لا يعنيه ما يجري في الأرض ؟ أين قوله تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف )

     هل يستقيم إيمانك إذا توهمت أن الذي يفعله هؤلاء الأعداء فعلون من دون إرادة الله:

 

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)﴾

( سورة الأنفال )

     أي فعلوا شيئًا ما أردناه.

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)﴾

     المعنى الآخر أنهم سوف يتفلتون من قبضتنا.

 

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

( سورة إبراهيم)

4 ـ يجب أن تعلم أن ما يجري في الأرض هو لحكمةٍ:

     أيها الإخوة الكرام، الشيء الرابع والأخير، هل يستقيم إيمانك إذا توهمت أن الذي يجري بلا حكمة، والله لحكمة بالغة، عرفها مَن عرفها، وجهلها مَن جهلها، وأسال الله عز وجل أن يبدل هذه الأحوال، وأن نرى حكمة ربنا من هذه الشدة التي ساقها للمسلمين.

خاتمة :

     آخر شيء أقوله لكم: فرق كبير بين مريضين مريض أصيب بالتهاب معدة حاد، وله طبيب متفوق وقريب وحبيب، أعطاه حمية شديدة جداً، وأقام عليه النكير إذا أكل قطعة طعام خلاف هذا المنهج، لأن المرض قابل للشفاء، لأن شفاء المعدة الحاد سهل، يحتاج إلى حمية، أما المريض الثاني فمعه سرطان منتشر في كل أحشائه، سأل المريض نفس الطبيب: ماذا آكل ؟ قال: كُلْ ما شئت، هذا معنى قوله تعالى:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) ﴾

( سورة الأنعام الآية: 44 )

الدعاء :

     اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، لا تأخذنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، دمر أعداءك أعداء الدين اجعل تدميرهم في تدبيرهم، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، انصر عبادك المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، وفي شمالها وجنوبها، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018