مختلفة - الأردن - المحاضرة : 14 - عمان مسرح المدارس المستقلة الدولية - نفحات تربوية من القرآن والسنة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠23ندوات مختلفة - الأردن
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - الأردن - المحاضرة : 14 - عمان مسرح المدارس المستقلة الدولية - نفحات تربوية من القرآن والسنة .


2014-04-07

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

التّفوق و التّطرف :

 أيها الأخوة الكرام؛ من أدق تعريفات الإنسان أنه عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، فإذا لبى الإنسان حاجة عقله وحاجة قلبه وحاجة جسمه تفوق، فإذا اكتفى بواحدة من هذه الثلاث تطرف، وفرق كبير بين التفوق والتطرف، العقل يحتاج إلى علم، والقلب يحتاج إلى حب يسمو به، والجسم يحتاج إلى طعام وشراب يعينه على النشاط والحركة، وما لم نغذ عقولنا وقلوبنا وأجسامنا نتطرف.

اتباع منهج الله عز وجل :

 الشيء الثاني؛ على سطح الأرض هناك رقم سمعته قبل أيام تسعة مليارات، كنت أقول في كلامي السابق: سبعة مليارات، كنت في ألمانيا قبل أسابيع أحدث إحصاء تسعة مليارات إنسان ما منهم واحد إلا وهو حريص على سلامته، أو على سلامة وجوده، وعلى كمال وجوده، وعلى استمرار وجوده، سلامة وجودك بما أنك أعقد آلة في الكون، هذا التعقيد تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة البالغة التعقيد صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، فأنت انطلاقاً من حرصك على سلامتك، ومن حرصك على سعادتك ينبغي أن تتبع منهج ربك، أنت حينما تنطلق إلى طاعة الله تنطلق إلى سلامتك، بربكم لو كنتم تتجولون في مكان ثم قرأتم لوحة كتب عليها: حقل ألغام ممنوع التجاوز، هل تشعر أيها المواطن أن هذه اللوحة وضعت حداً لحريتك أم ضماناً لسلامتك؟ في اللحظة التي نفهم فيها أن أحكام الدين الأشياء المحرمة في الدين ضمان لسلامتنا نكون فقهاء، وحينما نتصور أن الجهة الوحيدة التي ينبغي أن نتبع تعليماتها هي الجهة الصانعة لأنها الجهة الخبيرة، وقد قال تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14 ]

 مرة ثانية؛ انطلاقاً من حرصنا على سلامتنا وعلى سعادتنا ينبغي أن نتبع منهج بنا.

 

حرص الإنسان على سلامته و سعادته و استمراره :

 أيها الأخوة الكرام؛ الإنسان جبل على حب سلامة وجوده، سلامة وجودك باتباع تعليمات الصانع، لكن كمال وجودك أن تتصل به، أنت حينما تصلك باقة ورد، فيها ألوان زاهية، رائحة عطرية، تشعر بلذة، حينما تلقي نظرة على جبل أخضر تشعر بلذة، هذه اللذائذ، أما حينما تتصل بأصل الجمال، كل شيء جميل في الكون أخذ من جمال الله مسحة، أحياناً طفل صغير له وجه يأخذ بالألباب، هذا الجمال من صنع الله عز وجل، فالذي صنع الجمال هو الجميل، فأنت حينما تتصل بأصل الجمال عندئذ لو يعلم الملوك- كما قال بعض العارفين بالله- ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف.
 أي مؤمن يشعر بضيق؟ مستحيل، يحس بكآبة؟ لا، هذا المؤمن موصول مع الخالق، مع القوي، مع الغني، مع الجميل، مع الحكيم، مع الرحيم، لذلك إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى، فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً. قال تعالى:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم: 4]

 أيها الأخوة الكرام؛ إذاً سلامة وجودنا بالاستقامة، وكمال وجودنا بعمل صالح نتقرب به إلى الله، لقوله تعالى:

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[ سورة فاطر: 10]

 لذلك ورد في بعض الآثار: " لا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله علماً، ولا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله قرباً".
 فلا بد من أن تزداد بعلمك، ولا بد من أن تزداد بقربك من الله عز وجل، سلامة وجودك بالاستقامة، كمال وجودك بالاتصال بالله، الآن استمرار وجودك بأولادك، أولادك استمرار لك، كل شيء آمنت به إذا زرعته في قلوب أولادك كان استمراراً لك، لذلك الذي ربى أولاداً صالحين لو أن المنية أدركته أنا أقول: لم يمت، أولاده استمرار له، فلذلك ثلاث حقائق كبرى؛ إن استقمت على أمر الله حققت السلامة، وإن عملت عملاً صالحاً تقربت به إلى الله حققت السعادة، وإن ربيت أولادك حققت الاستمرار.

 

البشر على اختلاف مللهم وانتماءاتهم صنفان :

 أيها الأخوة الكرام؛ يوجد كلام قرآني بليغ جامع مانع قسم البشر على اختلاف مللهم، ونحلهم، وانتماءاتهم، وأعراقهم، وأنسابهم، وطوائفهم، وتياراتهم، اذكروا ما شئتم من هذه المصطلحات، هؤلاء البشر على كل هذه الاختلافات لا يزيدون عن صنفين فقط، هذان الصنفان جاءا من قوله تعالى:

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى *وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾

[سورة الليل: 1-4]

 كل واحد صباحاً يوجد بباله شيء يتحرك نحوه، هذا ليداوم في الجامعة لينال شهادة عليا ليتوظف بها، وعندئذ يأتيه دخل يعينه على الزواج، وشراء بيت، هذا يذهب إلى رحلة، هذا يذهب إلى حلّ قضية، فكل إنسان يتحرك بحسب ما عنده من هموم، ومن طموح، قال تعالى:

﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾

[سورة الليل: 4]

 لكن الله شاءت حكمته بجعل حركة البشر خاضعة لحقلين اثنين لا ثالث لهما، وهما قال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

[سورة الليل5-10]

 كلام دقيق وبليغ، آمن بالله لأنه آمن بالله اتقى أن يعصيه، ولأنه آمن بالله بنى حياته على العطاء، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ﴾

[سورة الليل: 5]

 لأنه صدق بالحسنى، صدق بالجنة والنار، صدق بالآخرة، لأنه صدق بالآخرة اتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، قال تعالى:

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل: 7-9]

 كذب بالجنة آمن بالدنيا، فلما كذب بالجنة استغنى عن طاعة الله، ولما كذب بالجنة بنى حياته على الأخذ، اسأل نفسك سؤالاً دقيقاً: ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ؟ إذا كان الذي يسعدك أن تعطي فأنت من أتباع الأنبياء وإذا كان الذي يسعدك أن تأخذ فأنت من أتباع الأقوياء، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا.
 أيها الأخوة الكرام؛ البشر على اختلاف مللهم، ونحلهم، وانتماءاتهم، وأعراقهم، وأنسابهم، وطوائفهم، وقومياتهم وتياراتهم صنفان،

﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

،

﴿بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾

 الأول سنيسره لليسرى، أي نيسره لما خلق له، وأما الثاني فسنيسره للعسرى، نسيره يدفع ثمن مخالفته، هذه الآية جامعة مانعة.

 

تميز الإنسان عن باقي المخلوقات بالقوة الإدراكيّة :

 أيها الأخوة الكرام؛ الجماد شيء مادي له وزن، وله أبعادٌ ثلاثة، الطاولة، هذه الطاولة لا يمكن أن تدرك شيئاً، شيء جامد، ثابت، لا يعقل، لا يفهم، لا يرى، لكن النبات شيء مادي له وزن، وله حجم، ويشغل حيزاً من الفراغ، وله أبعادٌ ثلاثة، بماذا يتميز عليه النبات؟ بالنمو، الجماد لا ينمو، الآن الحيوان، له وزن، وله أبعادٌ ثلاث، ويشغل حيزاً بالفراغ، وينمو كالنبات لكنه يتحرك، يمشي، الآن الإنسان، هو كيان مادي؛ وزن، طول، عرض، ارتفاع، وينمو مثل النبات، ويتحرك كبقية المخلوقات، بماذا تميز؟ تميز بأنه يفكر، تميز بقوة إدراكية أودعها الله فيه، الآن هذه القوة الإدراكية إذا لباها بطلب العلم هنا ارتقى عند الله، إن لم يلبها هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به، قد نأكل ونشرب ومعظم المخلوقات تأكل وتشرب، قد نتزوج ومعظم المخلوقات تقترن بأنثى، وقد ننام ومعظمها تنام، هناك مئات الصفات نشترك بها مع معظم المخلوقات، ما الذي يميز هذا الإنسان؟ بماذا أكرمه الله؟ بماذا ينفرد هذا الإنسان؟ أنه أعطي قوة إدراكية، فما لم تلبَّ هذه القوة الإدراكية بطلب العلم هبط الإنسان عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به، لذلك قال تعالى:

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الزمر:9 ]

 فرق كبير بين إنسان يعيش حياة بهيمية، هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به، لذلك قال تعالى:

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان : 44]

 قال أيضاً:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة : 5 ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018