كوبنهاجن - مختلفة : محاضرة في الوقف الإسكندنافي عن عظمة الإيمان بالله ومعرفة الآمر قبل معرفة الأمر - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠19محاضرة عن عظمة الإيمان بالله - الدنمارك
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

كوبنهاجن - مختلفة : محاضرة في الوقف الإسكندنافي عن عظمة الإيمان بالله ومعرفة الآمر قبل معرفة الأمر


2014-03-14

مقدمة :

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل و الوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 أيها الأخوة الأحباب؛ بادئ ذي بدء أشكر لكم دعوتكم الكريمة التي إن دلت على شيء فعلى حسن الظن بي، و أرجو الله أن أكون عند حسن ظنكم، إن وجدتم في كلمتي تلك ما كنتم تتوقعون فالفضل لله وحده، وإلا فحسبكم الله ونعم الوكيل.

الإسلام دين التسامح و العدل و الإحسان :

 أيها الأخوة الكرام؛ هناك من فروع الآداب فرع القصة، إن كانت طويلة جداً فهي رواية، و إن كانت أقصر منها فهي القصة، وإن كانت أقصر فهي الأقصوصة، وإن كانت أصغر فهي الحكاية، أضع بين أيديكم حكايات ثلاث؛ الأولى تمثل الشرق الأوسط، والثانية أوروبا، والثالثة أميركا.
 أحد أخوتي الكرام مهندس كبير، أحد كبار المحسنين في الشام كلفه أن يبحث له عن أرض مناسبة لبناء مسجد في جنوب دمشق، وجد أرضاً مربعة أحد أضلاعها باتجاه القبلة في جنوب دمشق، في حي القدم، فالأرض مناسبة جداً، لكن الذي يلفت النظر أن صاحب هذه الأرض تملكها من شهر واحد إرثاً، وهو مستخدم في مدرسة، فقير جداً، عنده ثمانية أولاد، ودخله لا يكفيه عشرة أيام، الآن تملك أرضاً ثمنها خمسة ملايين، فلما فاوضوه على السعر بعد أخذ ورد قبِل معهم على أربعة ملايين، فالمهندس الذي هو من أخواني كتب له شيكاً بمليونين، قال له: أين البقية؟ قال: عند التنازل، قال: أي تنازل؟ قال له: هذه الأرض سوف تغدو مسجداً لابد من أن تذهب إلى الأوقاف، وتقدم تنازلاً عن ملكيتها حتى نعطيك البقية، قال: مسجد؟! قال: مسجد، قال: أنا أبيع أرضاً لتكون مسجداً!! قال: طبعاً، قال: أنا أولى منكم لأقدمها إلى الله، والمسجد في القدم، ومئذنته أطول مئذنة، فهذا النموذج لإنسان فقير مدقع استحى أن يبيع أرضاً تغدو مسجداً، هذه حالة.
 أحد أخوتي الكرام طالب من طلابي، درس في لندن، في هذه المدينة روى لي أن إمام مسجد يخدم مسجداً في مانشستر، فيذهب كل يوم إلى مكان عمله، صعد المركبة ودفع للسائق مبلغاً كبيراً، خمسة جنيهات، لم يكن يملك مبلغاً أقل، فرد له التتمة، عدها فإذا هي تزيد عما يريده، جلس في المقعد وأتته خواطر متعددة أن الشركة عملاقة وكبيرة جداً وأنت أولى بهذه المبلغ منها، ولكن أنت إمام مسجد، ويوجد زيادة في المبلغ، وفي النتيجة دخل في صراع مع نفسه، في النهاية قبل أن يغادر المركبة أعطى السائق هذه الزيادة . السائق ابتسم قال: أأنت إمام هذا المسجد؟ قال: نعم، قال: والله أنا قبل يومين حدثت نفسي أن أزورك في المسجد لأتعبد الله عندك، ولكنني أردت أن أمتحنك قبل أن آتي إليك، هذا الإمام وقع مغشياً عليه، فلما صحا من غشيته قال: يا رب كدت أبيع الأسلام كله بهذا المبلغ البسيط، كم مسلم في العالم يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل؟
 لذلك أقول لكم أيها الأخوة؛ أنتم في هذه البلاد مسلمون، ولا أبالغ أهل هذه البلاد الأصليون لم يقرؤوا القرآن، ولا الحديث النبوي، ولم يقرؤوا السيرة، الإسلام عندهم هو أنت فقط، إن رأوك صادقاً عظم الإسلام عندهم، إن تكلمت بخلاف الواقع صغر الإسلام عندهم، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك ))

[ ورد في الأثر ]

 أنت هنا لك وضع، وفي بلاد الشرق الأوسط لك وضع آخر، إن أخطأت في بلادك يشار إليك باسمك فقط، فلان أخطأ، أما هنا فلا يشار إليك باسمك بل يشار إلى دينك فأنت هناعلى ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك.
 أنا أقول لإخوتي المهاجرين؛ أنت معك رسالتان؛ رسالة من بلادك لهذه البلاد، الإسلام عظيم، الإسلام دين التسامح، دين العدل، دين الإحسان، هذه رسالة من بلادك إلى بلادهم، وإذا ذهبت إلى بلادك فانقل رسالة ماذا شاهدته في هذه البلاد من أشياء إيجابية، القانون فوق الجميع، تكافؤ الفرص، كلام كثير يوجد عن إيجابيات هذه البلاد، فإذا ذهبت إلى بلدك معك رسالة، وإذا أتيت من بلدك إلى هنا معك رسالة.
 أخواننا الكرام؛ هذه القصة قال: كدت أبيع الإسلام كله بمبلغ قليل.

من أدى واجب العبودية منح الحكمة و السكينة و الأمن :

 شاب في أميركا أحبّ فتاة فاستأذن والده للزواج منها، قال له: لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري، فلما أحب الثانية قال: لا إنها أختك وأمك لا تدري، فلما أحب الثالثة قال: لا إنها اختك وأمك لا تدري، فضجر وحدث أمه بالقصة، قالت له: خذ أيا شئت فأنت لست ابنه وهو لا يدري.
 أيها الأخوة؛ لذلك ورد أن لا خير في دين لا صلاة فيه . قال تعالى:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾

[سورة طه:14]

 فالصلاة ذكر، والله عز وجل قال:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[سورة البقرة:125]

 وقال تعالى:

﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

[سورة العنكبوت: 45 ]

 الشاهد أنك إن أديت الصلاة كما أمر الله بها، وذكرته فيها، أديت واجب العبودية، لكن الله إذا ذكرك ماذا يعطيك؟ يعطيك الحكمة، والحكمة أكبر عطاء إلهي، يعطيك السكينة، والسكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو امتلكت كل شيء، يعطيك الأمن، قال تعالى:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ*الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 81-82]

 لو أن الله عز وجل قال: أولئك الأمن لهم، أي ولغيرهم، أما

﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾

 يوجد تقديم وتأخير، يقول علماء النحو: إن هذا التقديم والتأخير يعني الحصر.
 لا يتمتع بنعمة الأمن إلا المؤمن:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ*الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 81-82]

الفرق بين إيمان إبليس و الإيمان الذي أراده الله :

 لذلك ورد:

(( ليس كل مصلّ يصلي ))

[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب ]

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾

[سورة طه:14]

(( ليس كل مصلّ يصلي إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي))

 دقق الآن؛ يا ترى إبليس مؤمن؟ أنا أقول لكم مؤمن، الدليل قال:

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

[ سورة ص : 82 ]

 آمن بالله رباً، وآمن به عزيزاً، لكن إبليس لعين، فما الفرق بين إيمان إبليس وبين الإيمان الذي أراده الله؟ الحقيقة الإيمان الذي أراده الله هو الذي يحملك على طاعة الله، حتى الإنسان لا يقع ضحية فهم خاطئ، الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله لا يقدم ولا يؤخر، لذلك:

(( ليس كل مصلّ يصلي ))

[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب ]

 و:

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]

 المسلمون مليار وثمانمئة مليون، ويتربعون على نصف ثروات الأرض، وبينهم قواسم مشتركة لا تملكها أمة ومع ذلك فقراء ومتحاربون، أي أعداء الأمة يتعاونون على خمسة بالمئة قواسم مشتركة، والمسلمون يتقاتلون وبينهم خمسة وتسعون بالمئة قواسم مشتركة، هنالك مشكلة أنا طبعاً سامحوني أرى أن الحقيقة المرة هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، لا تقع في أوهام كفيفة.

علة خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :

 الله عز وجل قال:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

 ما علة هذه الخيرية؟

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

((كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر؟ - كأن الصحابة صعقوا- قالوا: يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن؟ نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال : نعم، وأَشدُّ منه سيكون - صعقوا صعقة أشد - قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً ))

[ زيادات رزين عن علي بن أبي طالب]

 شاعر في الجاهلية أو في عهد سيدنا عمر خاطب شخصاً اسمه الزبرقان قال:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
***

 نقاد الأدب عدواً هذا البيت أهجى بيت قالته العرب، ودخل الشاعر إلى السجن بحكم سيدنا عمر، هذا البيت شعار كل إنسان الآن أليس كذلك؟ بيتك واسع، زوجتك تروق لك، ليكن من بعدي الطوفان، حينما ننتمي إلى ذواتنا انتهينا عند الله عز وجل، إن لم نحمل همّ أمتنا انتهينا عند الله، إن لم تأمر بالمعروف ولم تنه عن المنكر خرجت من دائرة المقبولية عند الله عز وجل.

من طبق سنة النبي فهو في مأمن من عذاب الله :

 لذلك يا أخواننا الكرام؛ هنالك أشياء جد مؤلمة، أمتنا تزيد عن مليار وثمانمئة مليون، وتتربع على نصف ثروات الأرض، وبينها قواسم مشتركة لا تملكها أمة، الآمال والآلام و اللغة والدين ومع ذلك لم نملك أن نكون الأمة التي أرادها الله حينما قال تعالى:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

 بل ينطبق علينا قوله تعالى:

﴿ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 من هؤلاء الأمم، لكن لا تنسوا أن الله عز وجل يقول:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

 وقفة لغوية، اذا شخص سألك: هل أنت جائع؟ ماذا تقول له ؟ لا، لا سمح الله ولا قدر، أنت إنسان عظيم، ولك مكانة كبيرة، لو قال لك: هل أنت سارق؟ تقول له: لا ؟! تقول له: ما كان لي أن أسرق، هذا الشيء مستحيل وألف مستحيل، لا أقبل به، ولا أرضى به، علماء النحو عددوا اثنيعشر فعلاً تنفى به هذه الصفة. لكن الله ماذا يقول:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

 ما دامت سنتك يا محمد قائمة في حياتهم فلن يعذبوا:

﴿ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُم وَهُم يَستَغفِرونَ ﴾

[سورة الأنفال: ٣٣]

 فنحن جميعاً معنا بحبوحتان؛ بحبوحة الاستغفار، وبحبوحة طاعة رسول الله.

كيفية استعادة دورنا القيادي بين الأمم :

 آية ثانية:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 نحن لسنا مستخلفين الآن، ولا ممكنين، ولا آمنين بلا سبب، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، لذلك أيها الأخوة؛ ما لم نصطلح مع الله، ما لم نرجع إلى الله، ما لم نطبق منهج الله، ما لم نأمر بالمعروف، ما لم ننه عن المنكر، لن نستطيع استعادة دورنا القيادي بين الأمم، لذلك الله عز وجل قال:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 قانون:

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 أي دين وعد بتمكينه:

﴿ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 فإن لم يمكن الاستنباط القطعي معنى ذلك أن فهمنا للدين لم يرض الله عز وجل، الدين التزام، الدين استقامة، الدين أن تقيم أمر الله في نفسك أولاً، وفي بيتك ثانياً، وفي عملك ثالثاً، إن أقمت أمر الله في نفسك وبيتك وعلمك أديت ما عليك، مثلاً وللتقريب آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد كان مكروهاً، حينما يصلي العيد ينفر الناس من المسجد، والصلاة لا تكون إلا في المسجد، فصعد إلى المنبر قبل أن يصلي فأمسكه أحد من ثوبه قال: هذا ما فعله رسول الله، لكنه صعد المنبر، قال شخص آخر: أما هذا فأدى الذي عليه، فأنت يجب أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منهجاً بيننا، فالإنسان عندما يقصر أو يسمح لابنته أن تتفلت قليلاً و يسكت، ولا يعترض، و لا يصحح، الخطأ يرتفع، وكلما ارتفعت دوائر الباطل ضاقت دوائر الحق، أما إذا أنت مثلاً نصحت ولدك، نصحت من حولك، فأصبح هناك أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، علة خيريتنا كأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن لم نفعل ذلك فنحن كما قال الله عز وجل:

﴿ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة : 18 ]

 لا شأن لنا عند الله.

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعده للمؤمنين :

 يجب علينا أن نتساءل تساؤلاً دقيقاً أن في القرآن آيات كثيرة جداً تعد المؤمنين بالنصر:

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

[ سورة الصافات : 173]

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم : 47]

 آيات كثيرة جداً، وأنا أقول: زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعده للمؤمنين، فدائماَ وأبداَ لا تحاب نفسك، حينما تجد أن وعد الله لم ينطبق عليك لا تحاب نفسك، ابحث عن السبب، ابحث عن العلة، لذلك ورد:

(( ليس كل مصلّ يصلي ))

[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب ]

 مع أن المصلين فيما أظن مليار، إذا مليار وثمانمئة مليون فأنا أرجح أن الذين يصلون ملياراً، ومع ذلك لا يوجد نصر، معنى ذلك أنه يوجد خلل كبير، وما لم نعرف أين الخلل لن نفلح في حياتنا، لكن الأثر القدسي:

(( ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي))

[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب ]

كيفية معرفة عظمة الله :

 السؤال كيف تعرف عظمة الله؟ الله عز وجل لا تدركه الأبصار إنما العقول تصل إليه.
 أخواننا الكرام؛ بين الأرض وأقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية،ماذا تعني السنة الضوئية، يقطع الضوء في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر، في الدقيقة ضرب ستين، في الساعة ضرب ستين، في اليوم ضرب أربع وعشرين، في السنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، في الأربع سنوات ضرب أربع، ابنك الصغير بالآلة الحاسبة بدقائق يضرب ستين بستين بأربع وعشرين بثلاثمئة وخمسة وستين بأربع سينتج رقم كبير جداً، هذه هي المسافة بين الأرض وأقرب نجم ملتهب، إذاً الشمس تتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض، وبينهما مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وفي برج العقرب نجم صغير يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، هذا الإله العظيم يعصى؟ ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنــــــــــا  فإنا منحنا بالرضا من أحبنــــــــــــــــــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنــابنـــــــــــــــــــا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنـــــــــــــــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغـــــــــــل  وأخلص لنا تلقى المسرة والهنـــــــــا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكــن  فما القرب والإبعاد إلا بأمـــــــــــــرنــــا
فيا خجلي منه إذا هـو قال لـــــــي  أيا عبدنــــــــا ما قــــــــــــــــرأت كتابنــــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جــرى  أما تختشي من عتبنا يوم جمعنــــا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً  وتنظــــــــــــر مـا به جـــــــــــاء وعدنــــا
فأحبابنا اختاروا المحبة مذهبـــــاً وما  خالفوا في مذهب الحب شرعنا
فـلو شاهدت عيناك من حسننـــا  الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة  لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعــى  سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنــــــــــــا
***

 أيها الأخوة الكرام؛ إذاً الأثر القدسي الصحيح:

(( ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي))

[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب ]

 إن هذا الإله العظيم إذا عرفته تفانيت في طاعته، و إن لم تعرفه تفننت في معصيته، مثال للتقريب من بلاد المسلمين؛ قد تأتيك ورقة من مدير البريد: تعال غداً تسلم رسالة مسجلة، هذه الرسالة من مدير البريد لا تحرك فيك شعرة وقد لا تذهب، قد تأتي رسالة من فرع لا تستطيع النوم لأيام، لماذا؟! إذا عرفت من هو الآمر تفانيت في طاعته، وإن لم تعرف من هو الآمر تفننت في معصيته، هذه حقيقة دقيقة .
 نحن ندرس الفقه وأبحاثه، والفرق الفقهية، والاختلافات، والترجيحات، كل هذا ضروري، ولكن لابد أن تعرف من هو الآمر، من هذا الذي أمرك أن تفعل كذا:

﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾

[سورة الحاقة30-33]

 آمن بالله لكنه لم يؤمن به عظيماً، فإبليس آمن بالله ولكن لم يؤمن به عظيماً، فلابد أن نراجع حساباتنا، لابد أن نؤمن بالله العظيم حتى نخضع له، حتى نستقيم على أمره، حتى نقطف ثمار هذا الدين، مثلاً للتقريب؛ بيت فيه ثلاجة و مكيف و مكواة ومروحة ، كل الأجهزة الكهربائية موجودة فيه، ولكن لا يوجد فيه كهرباء، لا قيمة لهذه الأجهزة إطلاقاً، فكل عمل ديني لم يرافقه استقامة و إيماناً وتوجهاً إلى الله لن تقطف ثماره، فالدين متعب، عبء، فبين أن تفهم الدين فهماً خاطئاً أو أن تفهمه فهماً عميقاً، فلو كنت ماشياً في الطريق ووجدت لوحة مكتوب عليها: ممنوع التجاوز حقل ألغام، هل ترى أن هذه اللوحة هي قيد لحريتك أم ضمان لسلامتك؟ حينما نفهم الدين قيداً لحريتنا، والمتفلتون أسعد منا مثلاً فهذا فهم سقيم إبليسي، أما حينما تفهم حدود الدين حدوداً لسلامتك فمن أجلك.

العلاقة بين الطاعة و نتائجها علاقة علميّة :

 لذلك أيها الأخوة؛ أنت عندما تطبق أوامر الله عز وجل إنما تطبق تعليمات الصانع، لأنك أعقد آلة في الكون، ولأن الله عز وجل جعل بين الطاعة وبين نتائجها علاقة علمية، فعندما يكون للبيت بابان؛ وأعطيت الأمر لأولادك أن يستخدموا الباب الأول فقط، لو أن أحد الأبناء استخدم الباب الثاني خلافاً لأمرك قد تعاقبه، لكن لا يوجد علاقة علمية بين ضرب هذا الطفل وبين الخروج من باب بالأصل صنع من أجل الخروج، ولكن أنت اخترعت هذه العلاقة، هذه تسمى علاقة وضعية، الأب من وضعها، لكن لو أن الابن وضع يده على المدفأة المشتعلة فاحترقت نقول: يوجد علاقة علمية بين المقدمة والنتيجة، أنت حينما تفهم حقيقة الدين نؤمن يقيناً أن هنالك علاقة علمية بين الأمر ونتائجه، والنهي ونتائجه، فعندئذ أنت انطلاقاً من حبك لذاتك، من حرصك على سلامتك، وعلى سعادتك، تتبع تعليمات الصانع، والجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها.
 مرة زعيم غطفان - هذا الزعيم من كبار المشركين - نعيم بن مسعود جاء ليحارب النبي في الخندق، فدقق وحدث نفسه ما الذي جاء بك إلى هنا؟ أجئت لتحارب هذا الرجل؟ ماذا فعل؟ هل نهب مالاً؟ لا، هل انتهك عرضاً؟ لا، هل سفك دماً؟ لا، أين عقلك؟ انطلق إلى معسكر النبي، ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم، النبي فوجئ به وسأله ما الذي جاء بك إلينا؟ قال: جئت مسلماً، قال: خذل عنا ما استطعت، وقد انتصر المسلمون في الخندق بسبب إسلام نعيم، وبسبب تفكيره في زمن قصير نقله من مشرك كبير إلى مسلم كبير.

الموت نهاية كل شيء :

 إذاً يجب علينا أن نفكر ما دام هناك موت، فالموت ينهي كل شيء، قوة القوي، وضعف الضعيف، ينهي غنى الغني، وفقر الفقير، ينهي وسامة الوسيم، ودمامة الدميم، ينهي فصاحة الفصيح، وعي الذي لا يتكلم، ينهي كل شيء، لذلك ورد: أن يا عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت .
 كنت مرة في مصر و سمعت قصة من أحد الدعاة، هنالك رجل غني وكبير توفي وأولاده علموا بهذا النص: " عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت" هذه قصة من خيال القاص، فبحثوا عن شخص فقير جداً يكاد يموت من الجوع من شدة فقره، يمسك بكيس من القمح فتحه من نصفه وأخرج رأسه منه، ومن طرفيه مربوط بحبل، عرضوا عليه مبلغاً من المال مقابل أن يبقى مع والدهم في القبر تلك الليلة، فوافق ونام مع والدهم في القبر، فبعد أن دفن وانتهى الأمر جاء الملكان فاستغربوا من وجود شخصين، فسألاه الملكان: من أين جئت بهذه الحبلة؟ فأجاب: من البستان، فسألوه: كيف دخلت إلى البستان؟ فلم يجب فأشبعوه ضرباً لأنه لم يجب كيف دخل إلى البستان، فخرج من القبر وقال: أعان الله والدكم، قال الله تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 92-93]

طلب العلم فرض على كل مسلم :

 أيها الأخوة الكرام؛

(( ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي))

[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب ]

 إن الإنسان يأخذ الشهادة الابتدائية، الإعدادية فالثانوية وهكذا إلى أن ينتهي من تعليمه بعد ثلاث وثلاثين سنة من الدراسة، والجنة التي عرضها السموات والأرض ألا تحتاج إلى جهد؟ ألا تحتاج إلى استقامة؟ ألا تحتاج لطلب علم؟ ألا تحتاج إلى عمل؟ لذلك قالوا: طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب، لأن الله قد أودع قوة إدراكية في الإنسان، وأنا أسميها: الحاجة العليا في الإنسان، وما لم تلبّ هذه الحاجة العليا في الإنسان هبطت عن مستوى إنسانيتك إلى مستوى لا يليق بك، لذلك:

((....إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي))

 هل لك أن تلخص التجارة بكلمة واحدة؟ يوجد أنواع عديدة للتجارة تبدأ من تجارة السفن العملاقة إلى الإبرة، نعم، إنها الربح، فإن لم تربح فأنت لست تاجراً.
 فهل يمكن أن يضغط الدين كله بكلمة واحدة؟ أنا أقول لك: ممكن، إنها الاسقامة، فإن لم تستقم فلن تقطف من ثمار الدين شيئاً، فالدين من دون استقامة يسمى فلكلوراً إسلامياً، أقواساً إسلامية، بطاقة معايدة إسلامية، خلفية إسلامية، اهتمامات إسلامية، الإسلام شيء آخر، الإسلام منهج يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، فمن دون مبالغة قد يكون هنالك خمسمئة ألف بند، كيف تكسب المال؟ كيف تنفقه؟ كيف تمضي أوقات فراغك؟ كيف تربي أولادك، فهو منهج تفصيلي، لذلك طلب العلم فرض على كل مسلم، أن تعرف الحلال والحرام، مثال للتقريب؛ متى يمكن أن تعالج نفسك من الضغط المرتفع؟ الجواب بسيط: حينما تعلم أنك مصاب بضغط مرتفع، فأنت بحاجة إلى مقياس ضغط، فإذا استخدمته وأظهر نتائج غير طبيعية تذهب إلى الطبيب، وتأخذ الاستشارة الطبية المناسبة، فإن لم تطلب العلم لا يمكن أن تقيم نفسك، فطلب العلم واجب على كل مسلم، وحينما تنقل الدين إلى بؤرة اهتمامك، وتجعل الدين أصلاً في حياتك، و أن الدين هو تلبية للحاجة العليا في الإنسان، الآن أفلحت، الحاجة العليا القوة الإدراكية التي أودعها الله فيك، لو حذفت هذه القوة الإدراكية يصبح الإنسان مثله كمثل الأنعام، مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، كمثل الحمار يحمل أسفاراً، كأنهم خشب مسندة، ما لم تبحث عن الحقيقة، ما لم تبحث عن الإيمان، ما لم تبحث عن علة وجودك، وغاية وجودك، ما لم تبحث عن الحقائق العليا في هذا الدين فأنت في خطر كبير، لذلك:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

(( ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي))

[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب ]

آيات الله في النفس و في الآفاق :

 أخواننا الكرام؛ هذه الأرض تدور حول الشمس بمسار إهليجي - بيضوي - الآن الأرض في القطر الأطول، حينما تتجه نحو القطر الأصغر، المسافة قلت، فإذا قلت المسافة في قانون الجاذبية الجاذبية ازدادت، فلذلك الشمس تجذب الأرض إليها، فإذا جذبت الأرض إلى الشمس تبخرت في ثانية واحدة، لأن حرارة الشمس عشرون مليون درجة، ما الذي يحصل؟ الأرض ترفع سرعتها لينشأ من رفع السرعة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة فتبقى على مسارها:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر : 41 ]

 فهذه آية من آيات الله.
 أخواننا الكرام؛ آيات كثيرة جداً؛ القمر يدور حول الأرض دورة كل شهر، لو وصلنا بين مركز الأرض ومركز القمر بخط، ماذا يسمى؟ نصف قطر الدائرة التي هي مسار دوران القمر حول الأرض، ضرب اثنين يعطي القطر، ضرب ثلاثة فاصلة أربعة عشر يعطي المحيط، ضرب اثني عشر بالسنة، ضرب ألف بألف سنة:

﴿ وَإِنَّ يَومًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ ﴾

[سورة الحج: ٤٧]

 الآن لو قسمت المسافة على الزمن تنتج السرعة، يمكن أن نستنبط سرعة الضوء من هذه الآية، آينشتاين الذي اكتشف السرعة المطلقة للأرض هذه السرعة موجودة في القرآن، يوجد في القرآن إشارات علمية، لأن الأنبياء السابقين جاؤوا بمعجزات حسية كتألق عود الثقاب، يتألق هذا العود وينطفئ، يصبح رماداً، يصدقه من يصدقه، ويكذبه من يكذبه، لكن حينما جاء النبي الكريم لكل الأمم والشعوب:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 107]

 وهو خاتم الأنبياء، و خاتم الرسل، وكتابه خاتم الكتب، فمعنى ذلك لا بد من معجزة مستمرة، ولن تكون مستمرة إلا إذا كانت علمية، مثلاً رواد الفضاء صعدوا إلى القمر، وفي أثناء رحلتهم من الأرض إلى القمر صاح رائد الفضاء بأعلى صوته: لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً، فما الذي حصل؟ نحن عندنا في الأرض حدث فيزيائي اسمه انتثار الضوء، حينما تسلط أشعة الشمس على ذرات الهواء، ذرات الهواء تعكسها على ذرات أخرى، فأي مكان في الأرض في النهار يوجد ضوء، قد لا يكون هناك أشعة شمس لكن هناك ضوءاً، يأتي هذا الضوء من انتثار الضوء، لكن عندما صعد رواد الفضاء خمسة وستين ألف كيلو متر وانتهى الهواء ودخلوا في فضاء لا هواء فيه التغى انتثار الضوء، فصاح رائد الفضاء: لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 15]

 هذا الشيء عرفناه بعد ارتياد القمر، وهو مكتوب بالقرآن الكريم.
 ثم تبين من خلال علم الأجنة أن الذي يحدد جنس المولود - ذكر أو أنثى - ليست البويضة أبداً، إنما النطفة، قال تعالى:

﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى* مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾

[ سورة النجم : 45-46]

 الآن المعركة التي تمت بين الروم والفرس تمت في غور فلسطين، وبعد اكتشاف أشعة الليزر تبين أن غور فلسطين أعمق نقطة في الأرض، ستمئة متر تحت سطح البحر في الأردن، قال الله تعالى:

﴿ غُلِبَتْ الرُّومُ*فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾

[ سورة الروم : 2- 3]

 إذا يوجد في القرآن إشارات علمية تزيد عن ألف وثلاثمئة إشارة، هذه الإشارات العلمية هي الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، فالمادة الأولى التي يجب أن تدرس الآن أن تكون في مواجهة الطرف الآخر هي الإعجاز العلمي، لأن قوة الإقناع بها مئة بالمئة، فيجب أن نستنبط أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن، فلذلك الإنسان بفطرته يحب أن يكون مؤمناً، فإذا وجد بين يديه وسائل، دراسات، حقائق، هذه تزيد إيمانه، لذلك طلب العلم فرض على كل مسلم ومسلمة.
 أخواننا الكرام؛ آخر وقفة علمية المشيمة كما تعلمون قرص لحمي ينزل مع المولود، هذا القرص اللحمي يجتمع فيه دم الأم مع دم الجنين، وكل دم زمرة ولا يختلطان، لو اختلطا تموت الأم مع ابنها فوراً، إذا أعطينا شخصاً دماً من غير زمرته يموت فوراً بانحلال الدم، فكيف لا يختلط دم الأم مع الجنين؟ بين الدمين يوجد غشاء عاقل يقوم بأخذ السكر من دم الأم يضعه في دم الجنين، ثم يأخذ الأوكسجين من دم الأم يضعه في دم الجنين، ثم يأخذ الأنسولين من دم الأم يضعه في دم الجنين، فيحترق السكر بالأوكسجين بواسطة الأنسولين في دم الجنين فينتج حرارة الجنين في بطن أمه، نتيجة لذلك الغشاء العاقل ينقل من دم الأم إلى دم الجنين عوامل المناعة كلها، جميع الأمراض التي أصيبت أمها منه هو ناج منها، ثم يأخذ المواد التي يحتاجها جسم الجنين، وهذا العمل لا يستطيع أن يقوم به طبيب على وجه الأرض، فالمواد الضرورية للجنين تنقل بحكمة بالغة، والنسب تتبدل كل ساعة، هذا الشيء فوق طاقة البشر، أحياناً الأم حامل، ويوجد طعام ناقص وهو بحاجة إلى البوتاس، وهي لم تأكل طعاماً فيه بوتاس، فيقوم هذا الغشاء بإحداث شهوة في شهية الأم ابنها بحاجة إليه، فالطعام التي تشتهيه الأم وهي حامل هو الطعام الذي يحتاجه الجنين:

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

[ سورة لقمان : 11 ]

 أخواننا الكرام؛ إن جسم الإنسان مليء بآيات الله، مثل حكمة عدم تواجد نهايات حسية في الشعر، أو تواجد نهايات حسية في نقي العظام، فعند الكسر لا تستطيع تحريكها من شدة الألم، وعدم حراكها ثلاثة أرباع الشفاء.
 في الدماغ مئة وأربعون مليار خلية استنادية لم تعرف وظيفتها حتى الآن، يوجد أربعة عشر مليار خلية قشرية فيها الذاكرة حجمها كحبة العدس تتسع لسبعين مليار صورة:

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

[ سورة لقمان : 11 ]

أتحسب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر
***

 أخواننا الكرام؛ توجد مئات الموضوعات التي تشد الناس إلى الله فأرجو الله أن تتابعوا في طلب العلم، يجب أن تخصص وقتاً يومياً في طلب العلم، ويوجد اليوم من تيسير العلم الشيء الذي لا يصدق، فالضغط على جهاز يعطيك بسؤال معين أجوبة عديدة، فيجب على الإنسان اقتطاع شيء من وقته الثمين في طلب العلم، وكلما ازددت علماً ازددت من الله قرباً، والدعاء يقول: " لا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله علماً، ولا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله قرباً ".

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018