برنامج ويتفكرون 2 - الحلقة : 02 - مقدمة2 - تعاريف إيمانية - الخالق والرب والمسير - الحق والباطل - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج ويتفكرون 2 - الحلقة : 02 - مقدمة2 - تعاريف إيمانية - الخالق والرب والمسير - الحق والباطل


2018-01-02

مقدمة :

الدكتور بلال:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 أخوتي أخواتي؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحن في مستهل حلقة جديدة من برنامجنا:" ويتفكرون "، أتشرف فيها باستضافة فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الدكتور بلال:
 أستاذنا الكريم أحسن الله إليكم، كنا في الحلقة السابقة قد بدأنا تدبر الآية القرآنية التي استمد منها عنوان برنامجنا، ووصلنا إلى قوله تعالى:

﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة آل عمران : 191 ]

 الآن سيدي عندما ناجوا الله تعالى قالوا:

﴿ رَبَّنَا ﴾

[ سورة آل عمران : 191 ]

 اسم الرب ما دلالته هنا بعد التفكر؟

 

الخالق والرب والمسير مصطلحات ثلاثة جمعت في الله :

الدكتور راتب :
 التفكر أقصر طريق إلى الله، وأوسع باب ندخل منه على الله، لأنه يضعنا وجهاً لوجه أمام عظمة الله، السؤال؟
الدكتور بلال :
 بعد التفكر قالوا: ربنا.
الدكتور راتب :
 فهم المصطلحات وتعريفها جزء من العلوم، هناك الخالق الذي خلق كل شيء من لا شيء، وبلا مثل سابق، إذا قلنا: الله خالق، أما حينما قال الله عز وجل:

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 14 ]

 أي عزا الخلق للإنسان أحياناً، أما إذا عزي للإنسان أنه خلق هذا المشروع، بمعنى أخذ شيئاً من كل شيء، وبمئة مثل سابق، هذا خلق الإنسان، قال تعالى:

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

[ سورة لقمان: 11 ]

 يوجد فرق نوعي بين الخلق إذا عزي إلى الله، خلق كل شيء من لا شيء، وبلا مثال سابق، والإنسان خلق شيئاً من كل شيء، وعلى ألف مثال سابق.
الدكتور بلال :
 أستاذنا الفاضل صناعة الطائرة مثلاً.
الدكتور راتب :
 من الطائر، بالمناسبة الفكر الإبداعي لا بد له من أصل مادي، رأى الطائر فكر بالطائرة، رأى شجرة تتدحرج فكر بالعجلة، ما من اختراع إلا وينطلق من شيء خلقه الله عز وجل، الإنسان طوره وحسنه.
الدكتور بلال :
 هذا الخالق.
الدكتور راتب :
 أما الرب فهو الذي يمد الإنسان، يمده بأسباب الحياة، يمده بالطعام والشراب، يمده بزوجة يسعد بها وتسعد به، يمده بأولاد يملؤون البيت فرحاً، يمده بعلم، يمده بعقل، يمده بشهوة، وقود محرك، الشهوة كالمحرك قوة اندفاع، والعقل هو المقود، والطريق هو الشرع، فالبطولة أن ننطلق في حياتنا بدوافع من شهواتنا لهدف نبيل نسعى إليه، وبتوجيه العقل، وتطبيق الشرع.
الدكتور بلال :
 هذا الرب الممد هل يمد فقط بالأشياء المادية المحسوسة؟
الدكتور راتب :
 مطلق الإمداد، قد يمدك بالعلم، قد يمدك بالحكمة، قال تعالى:

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة: 269 ]

 الإنسان بالحكمة يجعل العدو صديقاً، بالحكمة يسعد بزوجة من الدرجة الخامسة، بالحكمة يتدبر أمره بمال محدود، بلا حكمة يشقى بزوجة من الدرجة الأولى، بلا حكمة يجعل الصديق عدواً، بلا حكمة يتلف المال الكثير، لذلك أنا أرى أكبر عطاء إلهي على الإطلاق الحكمة، والآية تقول:

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ ﴾

[ سورة البقرة: 269 ]

 لم تكن الآية من يأخذ الحكمة، ولا من يكن حكيماً، الحكمة تؤتى من الله كأكبر مكافأة للمؤمن.
الدكتور بلال :
 هذه من اسم الله الرب؟
الدكتور راتب :
 أكبر مكافأة للمؤمن أن الله عز وجل وهو الرب يمد عبده بالحكمة، قال تعالى:

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾

[ سورة القصص: 14]

 للأنبياء جميعاً.
الدكتور بلال :
 هذا الإمداد المعنوي، هذا الرب الخالق والرب هل هناك...؟
الدكتور راتب :
 الإله المسير، حركة السموات والأرض، الأفلاك، النباتات، الحيوانات، الإنسان، أي شيء يتحرك له مسير، الله هو المسير، هو الخالق، وهو الرب الممد، وهو المسير، هذه المصطلحات الثلاثة جمعت في الله، خالق ورب ومسير.
الدكتور بلال :
 أستاذنا الفاضل عندما قال تعالى:

﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا ﴾

[ سورة آل عمران : 191 ]

 الربوبية أقرب ما تكون إلى التفكر؟

 

العقل أداة خطيرة جداً ولها مهام محدودة :

الدكتور راتب :
 التفكر في ذات الله خطير جداً، تقريباً مثل فرن صهر الحديد أنزلنا به قطعة من القماش ماذا حصل لها؟ تبخرت.
الدكتور بلال :
 جزء من ثانية.
الدكتور راتب :
 الإنسان محدود، والعقل محدود، العقل أداة خطيرة جداً، لكن لها مهام محدودة، مهمة العقل في الدين التأكد من صحة النص، ولفهم النص، ثم العمل على تطبيقه، فالإنسان المؤمن يتلقى من الله توجيهات، يتلقى الوحي، يتلقى القرآن السنة، هو يتلقى فبطولته أن يستخدم عقله للبحث عن الحق أولاً، وتلقي هذا الحق، وتطبيق هذا الحق.
الدكتور بلال :
 أستاذنا الفاضل العقل يصل بالإنسان إلى الله عز وجل؟
الدكتور راتب :
 والله العقل لا يمكن أن يحيط بالله، لكنه يصل إليه تماماً كأن تقول: هذه المركبة الأرضية ممكن أن تصل بها إلى شاطئ البحر، أما أن تخوض بها البحر فمستحيل.
الدكتور بلال :
 جزاكم الله خيراً سيدي ناجوا ربهم قالوا: ربنا، باسم الرب القريب من التفكر.

اسم الرب أقرب اسم من أسماء الله الحسنى للإنسان :

 

 

 

الدكتور راتب :
 الحقيقة كما تفضلت قبل قليل أقرب اسم من أسماء الله الحسنى للإنسان اسم الرب، الذي يربيك، يمدك، يعينك، يلهمك، يوفقك، يعاقبك أحياناً لمصلحتك، يلفت نظرك بشبح مصيبة، هو رب من التربية.
الدكتور بلال :
 قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً ﴾

[ سورة آل عمران: 191 ]

 أستاذنا الفاضل ما الباطل؟

 

تعريف الباطل :

الدكتور راتب :
 الحقيقة الحق الشيء الثابت والهادف، والباطل هو الشيء الطارئ و الزائل، نحن ننشئ سيركاً لمدة أسبوعين فقط، ما من داع للبناء يكفي خيمة، أما إنشاء بناء كجامعة، هناك جامعات في فرنسا عمرها خمسمئة عام، فالجامعة تنشأ لتبقى، الحق الشيء الثابت والهادف، و هناك أهداف كبيرة وراءه، مثلاً رفع مستوى الأمة علمياً، رفع مستوى الأمة اقتصادياً، تحتاج إلى علوم، رفع مستوى الأمة دينياً، أخلاقياً، اجتماعياً، الحق هو الشيء الهادف والثابت، أما الباطل فهو الشيء الزائل والعابث، فيه عبث.
الدكتور بلال :
 أستاذنا الفاضل هم حينما تفكروا في خلق السموات والأرض قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ ﴾

[ سورة آل عمران : 191 ]

 وصلوا إلى أن الكون له هدف؟

 

الهدف من الكون هو التسبيح و التعظيم و التنزيه :

الدكتور راتب :
 هو التسبيح، التعظيم، الحقيقة بعضهم قال: التنزيه، والله أنا باجتهاد مني أرى أن هناك معنى آخر يضاف على التنزيه، التعظيم، قال تعالى:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

[ سورة الزمر: 67 ]

﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾

[سورة الحاقة: 33]

 الشيطان آمن بالله لكن ما آمن به عظيماً، قال تعالى:

﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾

[سورة الحاقة: 33]

 فلابد من أن تعظيم الله عز وجل، والتعظيم الإلهي مستحيل من الرؤية، قال تعالى:

﴿ لا تُدرِكُهُ الأَبصارُ ﴾

[سورة الأنعام: ١٠٣]

 التعظيم الإلهي من خلقه، هذا الكون أية آية في الكون تدل عليه إلهاً واحداً كاملاً، فأنت أمام كتاب مفتوح، هذا الكتاب يقرؤه المسلم، غير المسلم، العربي، غير العربي، كتاب لكل البشر، عندنا كتاب مقروء هو القرآن، هناك قرآن صامت هو الكون، وهناك قرآن ناطق هو القرآن الكريم، وهناك قرآن يمشي هو النبي صلى الله عليه وسلم، استنباط بسيط، والناس لا يقنعون بهذا الدين إلا إذا رأوا بأعينهم إسلاماً يمشي أمامهم، إن حدثكَ فهو صادق، وإن عاملتهُ فهو أمين، وأن استثيرت شهوتهُ فهو عفيف.
الدكتور بلال :
 أستاذنا الفاضل هنا يحضرني شيء؛ هم عندما تفكروا في خلق السموات والأرض وصلوا إلى أن ربنا ما خلقت هذا باطلاً، ثم قالوا: فقنا عذاب النار، هل التفكر يؤدي إلى أن تؤمن أنه لا بد من يوم آخر؟

 

الفرق بين المؤمن و غير المؤمن :

الدكتور راتب :
 الحقيقة لو أن التفكر لا ينتج عنه سلوك واضح لا قيمة له، بالمناسبة أي فكرة تعتقد بها ليس لها تطبيق عملي، ليس لها أثر سلوكي لا قيمة لها، هذا الشيء لا يقدم ولا يؤخر، الإيمان إذا لم يغير سلوك الإنسان مئة وثمانين درجة يكون غير صحيح، يغير دخلك، إنفاقك، علاقاتك، أوقات فراغك، اختيار زوجتك، اختيار حرفتك، تربية أولادك، يندرج تحت بند الإيمان مليون بند، الفرق بين المؤمن وغير المؤمن ليس فرقاً بالدرجة، تقول: ذهب عيار أربعة وعشرين، وذهب ثمانية عشر، وستة عشر، وأحد عشر، كله ذهب، لكن الذهب شيء وهناك معدن خسيس تنك، العلاقة بين المؤمن وغير المؤمن علاقة كبيرة جداً، شخص مؤمن، صادق، عفيف، أمين، متقن لعمله، رحيم، منصف، كامل، وشخص لئيم، حقير، أناني، وصولي، منافق، كذاب، إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى، فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً. فأي إنسان موصول بالرحيم رحيم، بالكريم كريم، بالعدل عدل، فالإنسان يشتق من كمال الله كمالاً يسعد به وهو في الوقت نفسه أداة للإقبال على الله، لأن الله عز وجل قال:

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

[ سورة الأعراف: 180 ]

 الباء للاستعانة، أنت تستعين على أن تقبل على الله بكمال مشتق من أسمائه.

(( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي ))

[ الديلمي عن أبي بكر]

(( الراحمون يرحمهم الله...))

[الحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 فكلما اشتق الإنسان من كمال الله كمالاً عامل به الخلق يرقى عند الله.

 

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
 جزاكم الله خيراً، وأحسن إليكم، سنتابع إن شاء الله هذه الآيات الكونية والتفكر فيها.
 أخوتي الأكارم؛ في الختام لم يبق لي إلا أن أشكر لكم طيب متابعتكم، راجياً الله تعالى أياماً ملؤها الخيرات والمسرات والبركات، إلى الملتقى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018