على هدى - الحلقة : 18 - علة الوجود1 – الإنسان وجد للعبادة بعد حمل الأمانة فلا بد من المعرفة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠22برنامج على هدى - قناة الرسالة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

على هدى - الحلقة : 18 - علة الوجود1 – الإنسان وجد للعبادة بعد حمل الأمانة فلا بد من المعرفة.


2013-07-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يارب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

العبادة علة وجود الإنسان في الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام؛ علة وجود الإنسان في الأرض العبادة، أنت في الأرض أكبر سؤال، وأهم سؤال، والإجابة مصيرية، أن تسأل نفسك هذا السؤال الذي قلّما يسأله الناس، لماذا أنا في الدنيا؟ ما علة وجودي في الدنيا؟ لماذا جاء الله بي إلى الدنيا؟ لماذا خلقت في الدنيا؟ هذا سؤال كبير جداً، الناس أحياناً يغرقون في الجزئيات، ويتجاهلون الكليات، فالإنسان ينبغي أن يجمع بين الجزئيات والكليات لأنهما متكاملان، فعلة وجودك في الدنيا، سبب وجودك، لماذا جاء الله بك إلى الدنيا، طبعاً هناك طرق كثيرة لتجيب عن هذا السؤال، لكن الطريق الأسلم والأصح أن تسأل القرآن الكريم، يقول الله عز وجل:

﴿وَما خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِيَعبُدونِ﴾

[ سورة الذاريات: ٥٦]

 علة وجودك في الدنيا أن تعبد الله؛ لأن هذه الحياة الدنيا لو قست زمنها بقياس الآخرة تكون لا شيء، صفر، فهذه الحياة الدنيا بأموالها، بملذاتها، بمباهجها، بكل المتع التي فيها إذا قيست في الآخرة هي صفر، لذلك قال تعالى:

﴿ قُل إِنَّ الخاسِرينَ الَّذينَ خَسِروا أَنفُسَهُم وَأَهليهِم يَومَ القِيامَةِ ﴾

[ سورة الزمر: ١٥]

 خالق السموات الأرض ينبئك أن علة وجودك في الدنيا العبادة.
 العبادة بالمعنى البسيط خضوع، انسياق، امتثال، تطبيق، التزام، أنت أعقد آلة في الكون، وهذه الآلة تعقيدها تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعلميات التشغيل والصيانة، فأنت انطلاقاً من حبك لذاتك، انطلاقاً من حرصك على سلامتك، انطلاقاً من حرصك على سعادتك، ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع، والصانع هو الله عز وجل، وللصانع تعليمات التشغيل والصيانة، إنها القرآن الكريم، افعل ولا تفعل، فأنت حينما تتبع تعليمات الخبير الصانع ضمنت السلامة، وضمنت السعادة.

 

تسخير الكون للإنسان تسخير تعريف و تكريم :

 الله عز وجل حينما عرض الأمانة على السموات الأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، لما قبل الإنسان حمل الأمانة كان المخلوق الأول عند الله:

﴿إِنّا عَرَضنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالأَرضِ وَالجِبالِ فَأَبَينَ أَن يَحمِلنَها وَأَشفَقنَ مِنها وَحَمَلَهَا الإِنسانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: ٧٢]

 لأنه قبِل حمل الأمانة سخر الله له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، العلماء شرحوا هذه الآية قال: تسخير تعريف وتكريم، كل شيء تقع عينك عليه مسخر لك من أجل أن تعرف الله من خلاله، ومن أجل أن تشكره على نعمائه تسخير تعريف وتسخير تكريم.
 ما موقف الإنسان الكامل من تسخير التعريف؟ أن يؤمن، ما موقف الإنسان الكامل من تسخير التكريم؟ أن يشكر، فأنت إذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك، استمع إلى قوله تعالى:

﴿ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم ﴾

[ سورة النساء: ١٤٧]

 تسخير التعريف ينبغي أن تؤمن، وتسخير التكريم يقتضي أن تشكر، فإذا شكرت وآمنت حققت الهدف من وجودك، وربحت الآخرة،

﴿ قُل إِنَّ الخاسِرينَ الَّذينَ خَسِروا أَنفُسَهُم وَأَهليهِم يَومَ القِيامَةِ ﴾

 فلذلك العبادة علة وجودك، تصور طالباً بالمدرسة، يوجد مطعم شطائر، وملعب، لكن علة وجوده في المدرسة الدراسة، فأنت حينما تؤمن أن الله سبحانه وتعالى خلقك لجنة عرضها السموات الأرض، ولكن جاء بك إلى الدنيا كي تؤهل نفسك لدخول الجنة من خلال الإيمان والعمل الصالح

﴿وَالَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾

 وردت في القرآن ما يزيد عن ثلاثمئة مرة، آمن وعمل صالحاً، فيا أيها الأخوة علة وجودك في الدنيا أن تعبد الله.

تعريف العبادة :

 العبادة لها تعاريف كثيرة من أدق تعاريفها "طاعة طوعية.." الله عز وجل ما قبل أن تكون علاقتك به علاقة إكراه قال:

﴿لا إِكراهَ فِي الدّينِ ﴾

[ سورة البقرة: ٢٥٦]

 مع أنه خلقك، مع أنك في قبضته، مع أنه بأي لحظة كن فيكون، زل فيزول، ومع ذلك ما أراد أن تكون علاقتك به علاقة إكراه، أراد أن تكون علاقة حب:

﴿ يُحِبُّهُم وَيُحِبّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة: ٥٤]

﴿ وَالَّذينَ آمَنوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾

[ سورة البقرة: ١٦٥]

 لذلك أراد أن تعرفه، وأن تعبده طائعاً بمبادرة منك، بإقبال عليه، وما أراد أن تعبده كرهاً.
 فلذلك أيها الأخوة؛ الذي حياتنا بيده، رزقنا بيده، مصيرنا بيده، موتنا بيده، ما أراد أن نعبده مكرهين بل أراد أن نأتيه طائعين.
 لذلك أيها الأخوة حينما نقول علة وجودنا في الأرض العبادة. " العبادة طاعة طوعية لكنها ممزوجة بمحبة قلبية..." فما عبد الله من أطاعه ولم يحبه، وما عبد الله من أحبه ولم يطعه، " طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية".

 

للعبادة جوانب ثلاثة معرفيّة و سلوكيّة و جماليّة :

 طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، هذا التعريف فيه جانب معرفي، وجانب سلوكي، وجانب جمالي.
 المعرفي هو السبب، والسلوكي هو الأصل، والجمالي هو الثمر.

فـلو شاهدت عيناك من حسننــــــا  الذي رأوه لما وليــــــــــت عنا لغيرنـا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبــــــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـــة لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
ولو لاح من أنوارنا لك لائــــــــــح  تركت جميع الكائنــــــات لأجلنـــــــــــــا
***

أصل الدين معرفة الله عز وجل :

 إذاً البطولة، التفوق، النجاح، الفلاح، الذكاء، العقل، أن تعرفه.
 لو أن طفلاً قال لأحد أقربائه عقب العيد: معي مبلغ عظيم، فأنت تقدره بمئة دينار مثلاً، فلو قال مسؤول كبير في البنتاعون: أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً تقدر بمئتي مليار، فإذا قال خالق الأكوان رب العالمين:

﴿ وَعَلَّمَكَ ما لَم تَكُن تَعلَمُ وَكانَ فَضلُ اللَّهِ عَلَيكَ عَظيمًا﴾

[ سورة النساء: ١١٣]

 من خلال هذه الآية أعظم عطاء إلهي أن تعرفه، لأنك إن عرفته أحببته، وإن أحببته سعدت بقربه، لذلك قالوا: مستحيل وألف مستحيل أن تعرفه ثم لا تحبه، ومستحيل وألف مستحيل أن تحبه ثم لا تطيعه، تعرفه تحبه تطيعه، لأن معرفته أصل من أصول الدين، للإمام علي رضي الله عنه قول رائع يقول:" أصل الدين معرفته" لذلك يوجد بالقرآن الكريم بألف و ثلاثمئة آية تتحدث عن الكون والإنسان.
 أنت إذا قرأت آية فيها أمر يقتضي أن تأتمر، إذا قرأت آية فيها نهي تقتضي أن تنتهي، إن قرآت آية فيها قصة لنبي كريم يقتضي أن تتعظ، فإذا واجهت ألفاً و ثلاثمئة آية تتحدث عن الكون والإنسان ماذا تقتضي هذه الآيات؟ أن تتفكر في خلق السموات والأرض.

 

التفكر في خلق السموات و الأرض أقصر طريق إلى الله :

 لذلك الآية الأصل في هذا الموضوع:

﴿إِنَّ في خَلقِ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَاختِلافِ اللَّيلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الأَلبابِ*الَّذينَ يَذكُرونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعودًا وَعَلى جُنوبِهِم وَيَتَفَكَّرونَ في خَلقِ السَّماواتِ وَالأَرضِ رَبَّنا ما خَلَقتَ هذا باطِلًا سُبحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾

[ سورة آل عمران: ١٩٠-١٩١]

 أخواننا الكرام؛ أقرب نجم ملتهب عدا الشمس للأرض يبعد عنا أربع سنوات ضوئية، ماذا تعني أربع سنوات ضوئية؟ الضوء يقطع في الثانية ثلاثمئة ألف كيلو متر، بالدقيقة ضرب ستين، بالساعة ضرب ستين، باليوم ضرب أربع و عشرين، بالسنة ضرب ثلاثمئة و خمس و ستين، بأربع سنوات ضرب أربع، ثلاثمئة ألف ضرب ستين ضرب ستين ضرب أربع و عشرين ضرب ثلاثمئة و خمسة و ستين ضرب أربع، هذا الرقم لو كان هناك مركبة إلى هذا النجم الملتهب الذي هو أقرب نجم إلينا، أقرب نجم على الإطلاق إلى الأرض لو كان هناك مركبة أرضية وهناك طريق، هذا اسمه افتراض علمي، لاحتجنا إلى أن نصل إليه إلى خمسين مليون عام، كي نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى الأرض.
 بعد هذا النجم يوجد مجرة اسمها المرأة المسلسلة مليونا سنة ضوئية. نجم القطب أربعة آلاف سنة ضوئية، أحد المجرات تبعد عنا أربعة و عشرين ألف مليون سنة ضوئية:

﴿فَلا أُقسِمُ بِمَواقِعِ النُّجومِ*وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَو تَعلَمونَ عَظيمٌ﴾

[ سورة الواقعة: ٧٥-٧٦]

البشر على اختلاف مللهم صنفان فقط :

 أيها الأخوة أن تعرف الله شيء عظيم، أن تعرف خالق السموات والأرض، أن تحبه، أن تستقيم على أمره، ملكت الأبد، لأن الله عز وجل خلقك للجنة، قال:

﴿وَاللَّيلِ إِذا يَغشى*وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى*وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثى*إِنَّ سَعيَكُم لَشَتّى﴾

[ سورة الليل: ١-٤]

 دقق:

﴿فَأَمّا مَن أَعطى وَاتَّقى*وَصَدَّقَ بِالحُسنى﴾

[ سورة الليل: ٥-٦]

 أنه مخلوق للجنة فاتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، الرد الإلهي:

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِليُسرى﴾

[ سورةالليل: ٧]

 الصنف الآخر:

﴿وَأَمّا مَن بَخِلَ وَاستَغنى*وَكَذَّبَ بِالحُسنى﴾

[ سورةالليل: ٨-٩]

 كذب بالجنة، آمن بالدنيا لأنه كذب بالجنة، استغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ لا على العطاء.
 أي البشر على اختلاف مللهم وأعراقهم وأنسابهم وطوائفهم هؤلاء البشر هؤلاء عند الله صنفان فقط؛ الأول أعطى واتقى وصدق بالحسنى، والثاني بخل واستغنى وكذب بالحسنى، صدق بالجنة أي أنك مخلوق لها عندئذ تتقي أن تعصي الله، وبعدئذ تبني حياتك على العطاء. أهل الدنيا صدقوا بالدنيا لا بالجنة فاستغنوا عن طاعة الله، بنوا حياتهم على الأخذ.
 هذا تقسيم خالق الأكوان، الله قسم البشر إلى قسمين،

﴿فَأَمّا مَن أَعطى وَاتَّقى*وَصَدَّقَ بِالحُسنى﴾

﴿وَأَمّا مَن بَخِلَ وَاستَغنى*وَكَذَّبَ بِالحُسنى﴾

  الرد الإلهي أما الأول

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِليُسرى﴾

 أي زواجك ميسر، أولادك تربيهم بيسر، لك مكانة عند الله، لك سعادة كبيرة، عندك سكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، والثاني:

﴿وَأَمّا مَن بَخِلَ وَاستَغنى*وَكَذَّبَ بِالحُسنى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلعُسرى﴾

[ سورةالليل: ٨-١٠]

 كل حياته تعسير، والتيسير شيء مريح جداً.
 فيا أيها الأخوة الكرام؛ أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الآية منهجاً لنا،

﴿فَأَمّا مَن أَعطى وَاتَّقى*وَصَدَّقَ بِالحُسنى﴾

 صدق أنك مخلوق للجنة، واجتهد أن تبتعد عن أي معصية، وابن حياتك على العطاء.
 لذلك اسأل نفسك ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ؟ أهل الدنيا همهم الأخذ، أهل الآخرة همهم العطاء، أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذه الحقائق، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018