على هدى - الحلقة : 17 - مقومات التكليف2 - العقل -الفطرة - الوقت. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠22برنامج على هدى - قناة الرسالة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

على هدى - الحلقة : 17 - مقومات التكليف2 - العقل -الفطرة - الوقت.


2013-07-26

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

مقومات التكليف :

1 ـ الكون :

 أيها الأخوة الكرام؛ مقومات التكليف يقع في أولها الكون الذي ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وكماله.

2 ـ الشهوة :

 ثم هذه الشهوة التي أودعها الله فينا، هي القوة المحركة، وهي حيادية ترقى بها إلى أعلى عليين، ويهوي بها الإنسان العاصي إلى أسفل السافلين، الشهوة حيادية.
 ولأن الإنسان مخير كل خصائصه حيادية، بل كل حظوظه حيادية، بل كل حركاته وسكناته إما أن توظف بالحق أو بالباطل.

3 ـ العقل :

 أيها الأخوة؛ أحد المقومات العقل، هذا العقل أكثر من ألف آية في القرآن تحدثت عنه، ما العقل؟
 العقل جهاز، أي الخلايا التي في الدماغ تزيد عن مئة و أربعين مليار خلية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد، القشرة أربعة عشر مليار خلية، فيها المحاكمة، والذاكرة، والذاكرة حجمها بحجم حبة العدس، فيها سبعون مليار صورة، فهذا الجهاز الدماغ يعجز عن فهم ذاته.
 أيها الأخوة؛ العقل جهاز بالغ الخطورة، عظيم الفائدة، أعطاك الله إياه كي تنتفع به، لكن هذا العقل حيادي، إما أن يستخدم في صنع قنبلة ذرية تهلك البشرية، أو أن يستخدم في إصلاح البشر.
 أنا أقول: هناك قنبلة ذَرية، والذي يقف أمام هذه القنبلة قنبلة أخرى هي قنبلة الذُّرِّية، فإذا اعتنينا بأولادنا ونشؤوا على طاعة الله كان لنا شأن آخر.

مبادئ العقل :

 فيا أيها الأخوة الكرام؛ العقل طريق إلى الله، ألف آية في كتاب الله تنتهي بـ:

﴿ أَفَلا يَعقِلونَ﴾

[سورة يس: ٦٨]

 فالعقل جهاز لكنهم قالوا: هناك مبادئ ثلاثة؛ مبدأ السببية، أي هذا الجهاز الذي أعطاك الله إياه لا يمكن أن تفهم من خلاله شيئاً إلا بسبب، وكأن الله نقلك بلطف من أن تعرف الأسباب الأرضية إلى مسبب الأسباب، كيف تؤمن بالله؟ البيضة من الدجاجة، والدجاجة من البيضة، بالنهاية هناك دجاجة لم يخلقها؟ نقلك الله بلطف من سبب أرضي إلى مسبب الأسباب، فهذا العقل أساسه مبدأ السببية ،لا تفهم شيئاً بلا سبب.
 ولا تفهم شيئاً بلا غاية، أحياناً شيء بالآلة قد لا تفهمه إلا إذا عرفت غايته، مرة قال لي أخ: مسجلة يوجد بها نتوءان بارزان لماذا؟ ثم اكتشف أنها إذا وقعت الأزرار الحساسة لا تتأثر، هذان النتوءان من أجل ألا تتأثر الأزرار الدقيقة، أي لو فكرت لا يوجد شيء في الأرض إلا له غاية، فكر بالأسباب والغايات.
 مبدأ السببية أحد أكبر مبادئ العقل، مبدأ الغائية أحد أكبر مبادئ العقل، مبدأ عدم التناقض أحد أكبر مبادئ العقل.
 أما الشيء الرائع والدقيق جداً فهو أن قوانين الكون تنطبق على قوانين العقل، ولولا هذا الانطباق وهذا التلاقي ما عرفنا الله، أي الله عز وجل هو مسبب الأسباب، وعقلك لا يفهم ما حوله إلا بالأسباب، فهذه الأسباب تأخذ بيدك بنعومة إلى مسبب الأسباب.

التفكر في خلق السموات و الأرض أقصر طريق إلى الله عز وجل :

 لماذا في الشعر لا يوجد أعصاب حس؟ لو كان في الشعر أعصاب حس نسأل الشخص: إلى أين أنت ذاهب؟ يقول: إلى المستشفى، لماذا؟ أريد أن أحلق، تريد تخديراً كاملاً، فأنت تكتشف أن حكمة عدم وجود أعصاب حس في الشعر من أجل أن تحلق بلا مستشفى.
 هذه العين فيها ماء، هذا الماء يتجمد بدرجة صفر، لو شخص ذهب إلى القطب، إلى كندا، إلى فنلندا، إلى الدائرة القطبية، قانوناً، علماً يجب أن يفقد كل إنسان بصره، من أودع بماء العين مادة مضادة للتجمد؟ الله عز وجل، لولا هذه المادة المضادة للتجمد لفقد كل شخص دخل إلى مكان دون الصفر بصره، أحياناً ببلادنا تكون درجة الحرارة خمس تحت الصفر انتهى الإنسان.

أتسحب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر؟
***

 مرة ثانية أخواننا الكرام؛ أنت إذا فكرت في خلق السموات والأرض سرت في أقصر طريق إلى الله عز وجل، دخلت من أوسع باب إلى الله، لأن هذا التفكر يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله بالأرض.
 يوجد سبعة مليارات إنسان، هذا القلب قلب الجنين ينبض، لكن هناك سؤال؛ كلكم يعلم كطلاب أنه يوجد دورة كبرى ودورة صغرى، يصعد الدم من القلب للرئتين، يجدد تركيبه، يطرح غاز الفحم، يأخذ الأوكسجين، ببطن الأم لا يوجد أوكسجين، ولا يوجد هواء، ولا تنفس، الله عز وجل فتح ثقباً بين الأذنين، هذا الثقب اكتشفه عالم فرنسي اسمه بوتال، ففي بطن الأم الدم ينتقل من أذين إلى أذين، والطريق إلى الرئتين مغلق، دقق عند الولادة تأتي جلطة تغلق هذا الثقب، يد من؟ قدرة من؟ علم من؟
 لي صديق ابنته لم يغلق عندها هذا الثقب، بعد عدد من السنوات توفيت، اسمه داء الزرق، مادام الثقب مفتوحاً الدم لا يذهب إلى الرئتين ينتقل من أذين إلى أذين، بعد الولادة هذا الثقب من أغلقه؟
 أخواننا الكرام؛ الآيات في جسمك، الآيات في طعامك الآيات، في شرابك، الآيات في أولادك.
 الإنسان باللقاء الزوجي يفرز ثلاثمئة مليون حوين، تحتاج البويضة إلى حوين واحد، تنتقي أقوى هذه الحوينات، الآن الحوين لا يرى بالعين، والبويضة كذلك، بعد تسعة أشهر يوجد رأس وشعر وعينان وأنف وأذنان ولسان وفك وعظام وعضلات قلب ورئتان وأمعاء وأشياء مذهلة.
 غدة صغيرة جانب القلب اسمها التايموس، لا أحد يعبأ بها إطلاقاً، السبب أنها بعد عامين تضمر وتتلاشى، فعلم الطب لعدة قرون أغفلوا هذه الغدة، ثم اكتشف قبل عشرين عاماً أنها أخطر غدة في جسم الإنسان، لماذا؟ لأن هذا الجيش العرمرم كما يقال الكريات البيضاء تدخل للتايموس تتعلم، ولما كبروا التايموس شكله كمدرج للجامعة، والكريات البيضاء كطلاب الجامعة، تجلس على هذا المدرج تتعلم بطريقة لم تعرف بعد من هو العدو، ومن هو الصديق، التخرج يحتاج إلى امتحان هذه الكريات، تمتحن الكرية البيضاء بعد التخرج، تعطى عنصراً صديقاً فإن قتلته ترسب أي تقتل، تعطى عنصراً عدواً إن لم تقتله ترسب وتقتل، العنصر الصديق إن لم تقتله تنجح، هذه الغدة التايموس فيها تتعلم الكريات البيضاء، التي هي جيش بكل معاني هذه الكلمة، من هو العدو، ومن هو الصديق، والآن الذي يحير بعد سنتين هذه الغدة تضمر، ما الذي يحصل؟ قال: الجيل الأول المتخرج يعلم الأجيال اللاحقة، لكن التعليم يضعف بعد الستين فتنشأ أمراض من ضعف المناعة، منها التهاب المفاصل، هذا التعليم يضعف بعد ستين سنة فيحدث خلل في جهاز المناعة، أي هذه الكرية تأكل الصديق، هي في الأساس مصممة لتدمر العدو، يصبح هناك حرب أهلية بالجسم، الحرب الأهلية تظهر بالتهاب المفاصل الرثوي، هذا من ضعف جهاز المناعة، ما هذه الغدة؟ علماء الطب لعقود طويلة يظنون أن ليس لها وظيفة، الآن هي أخطر غدة في الإنسان.

أتحسب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر؟
***

4 ـ الفطرة :

 إذاً المقومات الكون، المقومات الشهوة، المقومات العقل، المقومات الفطرة، مقياس رائع جداً:

﴿فَأَقِم وَجهَكَ لِلدّينِ حَنيفًا فِطرَتَ اللَّهِ الَّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيها ﴾

[سورة الروم: ٣٠]

 أنت مبرمج، مولف، مجهز وفق الأمر الإلهي، بمعنى أن أي أمر أمرك الله به ترتاح نفسك إذا طبقته، وأي نهي نهاك الله عنه ترتاح نفسك إذا ابتعدت عنه، لذلك هذا سر السعادة التي يجدها المؤمن بعد التوبة إلى الله عز وجل، الأوامر لها منعكس مريح، هذه الفطرة:

﴿فَأَقِم وَجهَكَ لِلدّينِ حَنيفًا فِطرَتَ اللَّهِ الَّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيها ﴾

[سورة الروم: ٣٠]

 فهذه الإقامة تتوافق توافقاً تاماً مع فطرتك، لذلك يقولون: الإسلام دين الفطرة، بمعنى أن أي شيء الله أمرك به أنت مرتاح إذا طبقته.

 

تناقض الطبع مع التكليف ثمن الجنة :

 لكن هناك ملمح دقيق أنه عندك طبع وليس فطرة وعندك تكليف. التكليف يتعارض مع الطبع، التكليف يأمرك أن تستيقظ قبل طلوع الشمس، والطبع أن الجسم يرتاح إذا بقيت نائماً في السرير.
 من تناقض التكليف مع الطبع يكون ثمن الجنة. الطبع يقتضي أن تملأ عينيك من محاسن النساء في الطريق، والتكليف أن تغض البصر، من تناقض الطبع من التكليف يكون ثمن الجنة:

﴿وَأَمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفسَ عَنِ الهَوى*فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأوى﴾

[سورة النازعات: ٤٠-٤١]

 إذاً الطبع يتناقض مع التكليف، لكن التكليف يتوافق مع الفطرة، شخص استيقظ وصلى الفجر في وقته ينام بعد الصلاة يستيقظ مرتاحاً، لأن هذا الأمر الإلهي توافق مع فطرته، لكنه لم يتوافق مع جسمه، الجسم يتمنى أن يبقى نائماً في الفراش.
 فأصبح هناك حقيقة أن الطبع يتناقض مع التكليف، لكن التكليف يتطابق مع الفطرة.

 

الفطرة و الصبغة :

 أخواننا الكرام؛ عندنا شيئان دقيقان؛ عندنا فطرة وعندنا صبغة، ما الفطرة؟ أن تحب العدل فطرة، أن تحب الإنصاف فطرة، أن تحب الكرم فطرة.
 أن تكون عادلاً صبغة، أن تكون أميناً صبغة، أي الفطرة أن تحب الكمال أما الصبغة فأن تكون كاملا. الله عز وجل قال:

﴿صِبغَةَ اللَّهِ وَمَن أَحسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبغَةً ﴾

[سورة البقرة: ١٣٨]

 الصبغة تملك الكمال لكن هذه الصبغة تحتاج إلى اتصال بالله.
 إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً. فالصبغة هي الكمال الحقيقي، الصبغة بعد الإيمان، بعد التوبة، بعد الاتصال بالله، أنت مصطبغ بالكمال.
 أما قبل الصبغة فأن تحب الكمال، حبك الشيء غير أن تصطبغ به. كل إنسان يحب العدل، لكن حينما تحب العدل وتكون عادلاً أنت مصطبغ بالعدل.
 أخواننا الكرام؛ عندنا تكليف يتناقض مع الطبع ويتوافق مع الفطرة، وعندنا فطرة أن تحب الكمال، وعندنا صبغة أن تكون كاملاً، وعندنا كون ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله، وعندنا شهوة قوة دافعة إما دافعة إلى الخير أو مدمرة، وعندنا عقل بمبادئ ثلاثة؛ مبدأ الغائية، ومبدأ السببية، ومبدأ عدم التناقض، وعندنا الفطرة المتوافقة مع المنهج المتعارضة مع الطبع، وعندنا الوقت.

5 ـ الوقت :

 الوقت هو أنت، الإنسان هو بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، والله ما وجدت تعريفاً بليغاً قطعياً موجزاً للإنسان كهذا التعريف، بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، لذلك الله أقسم بمطلق الزمن، بالعصر، لهذا المخلوق الأول الذي هو في حقيقته زمن قال:

﴿وَالعَصرِ*إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ﴾

[سورة العصر: ١-٢]

 أي أيها الإنسان أنت خاسر لا محالة لكن بإمكانك أن تتلافى الخسارة بأربعة أشياء سماها الإمام الشافعي أركان النجاة:

﴿إِلَّا الَّذينَ آمَنوا ﴾

[سورة العصر: ٣]

 ابحث عن الحقيقة،

﴿ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾

 وتحرك وفقها،

﴿ وَتَواصَوا بِالحَقِّ ﴾

  وادع إليها،

﴿ وَتَواصَوا بِالصَّبرِ﴾

 واصبر على البحث عنها، العمل بها والدعوة إليها، هذه السورة القصيرة لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018