على هدى - الحلقة : 15 - كيف تعرف الله ؟. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠22برنامج على هدى - قناة الرسالة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

على هدى - الحلقة : 15 - كيف تعرف الله ؟.


2013-07-24

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

آيات الله الكونيّة و التكوينيّة و القرآنيّة قنوات سالكة إليه :

 أيها الأخوة الكرام، في لقاء سابق تحدثت عن تعريف العبادة، وقلت: هي طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، الحقيقة المعرفة، يوجد سؤال كيف نعرف الله؟ الله جلّ جلاله لا تدركه الأبصار، أي بحواسنا شيء مستحيل، لكن الله سبحانه وتعالى خلق الأكوان وأنزل القرآن، فقال بعضهم: هناك آيات كونية، وهناك آيات تكوينية، وهناك آيات قرآنية، فالطرق الثلاثة سالكة إلى الله، تعرفه من خلقه، وتعرفه من أفعاله، وتعرفه من كلامه، خلقه يدل عليه، وأفعاله تدل عليه، وكلامه يدل عليه، في الكون:

﴿إِنَّ في خَلقِ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَاختِلافِ اللَّيلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الأَلبابِ*الَّذينَ يَذكُرونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعودًا وَعَلى جُنوبِهِم ﴾

[سورة آل عمران: ١٩٠-١٩١]

 دقق

﴿ وَيَتَفَكَّرونَ في خَلقِ السَّماواتِ وَالأَرضِ ﴾

 هذا الفعل جاء بصيغة المضارع، والمضارع باللغة يعني الاستمرار:

﴿ وَيَتَفَكَّرونَ في خَلقِ السَّماواتِ وَالأَرضِ ﴾

 هل فكرت في طعامك؟ هل فكرت في كأس الماء الذي تشربه؟ الماء فيه خاصة دقيقة جداً، هذا الماء شأنه كشأن أي عنصر، إذا سخنته يزداد حجمه، وإذا بردته ينكمش، كأي عنصر إلا أن الماء ينفرد بخاصة إذا بردته ينكمش، ثلاثون، خمس و عشرون، عشرون، خمس عشرة، عشر، ثماني، ست، أربع، يوجد قانون جديد يزداد حجمه، لولا ازدياد حجم الماء في درجة الحرارة زائد أربع ما كان هذا اللقاء، وما كان بلد في الأرض، ولا إنسان، تنتهي الحياة، كيف؟ لو أن هذا الماء تجمد فانكمش حجمه ولما انكمش حجمه ازدادت كثافته فغاص، بعد حقب من الأزمان تتجمد البحار وتغوص إلى أن ينعدم التبخر، وإذا انعدم التبخر انعدم المطر، وإذا انعدم المطر انعدم النبات، وإذا انعدم النبات مات الحيوان، وإذا مات الحيوان مات الإنسان، وانتهت الحياة من على سطح الأرض لولا قانون في الماء أنه في الدرجة +4 ينقلب القانون من انكماش إلى تمدد، والآن ضع زجاجة ماء في الثلاجة، وأحكم إغلاقها، ودعها تتجمد، تنفجر أليس كذلك؟ وهذا الماء إذا أراد أن يتوسع لا يوجد قوة تقف أمامه، الآن في بعض البلاد التي فيها صخور رخامية غالية جداً يثقبون أربعة ثقوب، يملؤون هذه الثقوب بالماء فيجمدونه، فيستخرجون كتلة مربعة مكعبة من هذا الرخام، إذا تجمد الماء لا يوجد قوة تقف أمامه، من وضع في هذا الماء هذه الخاصية؟
 بالمناسبة لو شخص ذهب إلى بلاد القطب، فنلندا شمال السويد، كندا، هناك الحرارة تقدر بستين تحت الصفر أليس كذلك؟ بعينه يوجد ماء، فماء العين إذا جلس الإنسان بهذه الدرجة من الحرارة يجب أن يتجمد هذا الماء، وإن تجمد ماء العين فقد الإنسان بصره، ما الذي حصل؟ أودع الله في ماء العين مادة مضادة للتجمد، يد من؟ علم من؟ خبرة من؟ حكمة من؟

أتحسب أنك جرم صغير  وفيك أنطوى العالم الأكبر
***

 أخواننا الكرام، يوجد بقلب الجنين ثقب بين الأذينين، أي يوجد أذينان كما تعرفون وبطينان، ويوجد دورة كبرى ودورة صغرى، برحم الأم لا يوجد هواء ولا تنفس ولا دورة صغرى، كيف يدور الدم في جسم الجنين؟ قال: جعل الله ثقباً بين الأذينين كشفه عالم فرنسي يدعى بوتال، فالدم بدل أن يذهب إلى الرئتين ليجدد الأوكسجين ينتقل من أذين لأذين، الآن عند الولادة تأتي جلطة تغلق هذا الثقب، لولا إغلاق هذا الثقب بهذه الجلطة يوجد مرض اسمه داء الزرق، لحكمة بالغة الله جعل بكل خمسين ألف مولود مولوداً بثقب مفتوح، يموت بعد أيام بداء الزرق، فالدم بدل أن يذهب إلى الرئتين ليتجدد بالأوكسجين، يوجد فتحة يختار الفتحة الأقرب فينتقل من أذين إلى أذين، صنعة من؟ حكمة من؟ علم من؟ أهكذا الإنسان يفكر بخلق السموات والأرض؟ قال تعالى:

﴿وَفي أَنفُسِكُم أَفَلا تُبصِرونَ﴾

[سورة الذاريات: ٢١]

مشكلة الناس الأولى مشكلة معرفية :

 بالمناسبة أخواننا الكرام؛ إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في معصيته.
 أحياناً تأتيك ورقة من دار البريد: تعال غداً الساعة العاشرة تسلم رسالة، أنا أعتقد أنه لا تتحرك فيك شعرة، وقد لا تذهب، قد تأتي ورقة من جهة تخافها كثيراً لا تنام الليل، ما الفرق بين الورقتين؟ الآمر، إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في معصيته.
 لذلك مشكلة المسلمين الأولى أن الأمر الإلهي بين أيديهم، جميعنا درسنا التربية الإسلامية في المدارس، الفروض، والأركان، والصوم، والصلاة، والحج، والزكاة، والصدق، والأمانة إلخ، لماذا يوجد معاص؟ لأن الناس ما عرفوا ربهم.
 لذلك أكاد أقول: إن مشكلة الناس الأولى مشكلة معرفية، والدليل أهل النار ماذا يقولون وهم في النار:

﴿وَقالوا لَو كُنّا نَسمَعُ أَو نَعقِلُ ما كُنّا في أَصحابِ السَّعيرِ﴾

[سورة الملك: ١٠]

 أزمة علم فقط، لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، أما الجاهل فيؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.
 يمكن أن تعرف العبادات لكن لابد من أن تعرف رب العالمين، بالكون تعرفه وبالشرع تعبده.

 

أعظم شيء معرفة الله عز وجل :

 بعض اللقطات؛ بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب عدا الشمس أربع سنوات ضوئية، ماذا تعني أربع سنوات ضوئية؟ الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر، في الدقيقة ضرب ستين، في الساعة ضرب ستين، في اليوم ضرب أربع و عشرين، في السنة ضرب ثلاثمئة و خمسة و ستين، في أربع سنوات ضرب أربعة، ابنك الصغير خلال دقائق مع آلة حاسبة يضرب ثلاثمئة ألف بستين بستين بأربع و عشرين بثلاثمئة و خمسة و ستين بأربع، هذه المسافة بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب. لو أن لهذا النجم طريقاً ويوجد مركبة وركبت هذه المركبة، كم تستغرق الرحلة؟ لا تصدقون، تستغرق خمسين مليون عام، خمسون مليون عام من أجل أن تصل إلى أقرب نجم ملتهب يبعد عنا أربع سنوات ضوئية.
 نجم القطب أربعة آلاف سنة ضوئية، المرأة المسلسلة مليونا سنة ضوئية، بعض المجرات أربعة و عشرون ألف مليون سنة ضوئية، هذه المسافات بين النجوم قال تعالى:

﴿فَلا أُقسِمُ بِمَواقِعِ النُّجومِ*وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَو تَعلَمونَ عَظيمٌ﴾

[سورة الواقعة: ٧٥-٧٦]

 لذلك أيها الأخوة؛ أن تعرف الله شيء عظيم..
 مثلاً عقب أحد الأعياد طفل صغير زاره عمه، قال له: أنا معي مئة دينار، أو قال له: أنا معي مبلغ عظيم، كلمة عظيم من طفل صغير كم تقدر؟ يمكن أن تقدر بمئة دينار، لو أحد موظفي البنتاغون قال: أعددنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً أعتقد مئة مليار دولار. لو قال الله عز وجل:

﴿ وَعَلَّمَكَ ما لَم تَكُن تَعلَمُ وَكانَ فَضلُ اللَّهِ عَلَيكَ عَظيمًا﴾

[سورة النساء: ١١٣]

 خالق الأكوان، خالق الإنسان، قال لك:

﴿ وَعَلَّمَكَ ما لَم تَكُن تَعلَمُ وَكانَ فَضلُ اللَّهِ عَلَيكَ عَظيمًا﴾

 أي أعظم شيء في حياتك أن تعرفه، إنك إن عرفته أطعته، إن أطعته سعدت في الدنيا والآخرة، وصلت إلى جنة عرضها السموات والأرض.
 لذلك صحابي عنده زوجة تريد منه حاجات في الدنيا لا يملك ثمنها، قال لها: اعلمي أيتها المرأة أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فأضحي بك من أجلهن أفضل من أن أضحي بهن لأجلك.
 أي الجنة شيء عظيم، لكن ما كل إنسان أدخل الجنة بحساباته الدقيقة، الجنة فيها ما لا عين رأت، كل شخص من الأخوة الحاضرين زار بلدين، أو ثلاثة، أو أربعة، أو عشرة، هذا عين رأت، لكنه سمع بموزمبيق، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أصغر دائرة المرئيات أوسع منها المسموعات، أما الخواطر فليس لها نهاية، قد يأتيك خاطر أن إنساناً طوله مئة متر..
 أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

 

من عرف الله عرف كل شيء :

 إذاً العبادة طاعة طوعية، أساسها معرفة يقينية، معرفة الكون تدل على الله، وأفعاله تدل عليه، أضخم باخرة صنعت في عام 1912 تيتانيك، هذه الباخرة مصممة ألا تغرق، لها جداران وعوارض، فأي جدار أصيب بخلل تغلق الأبواب الداخلية، فهذه الباخرة معها نشرة كتب على هذه النشرة: إن القدر لا يستطيع إغراق هذه السفينة، فغرقت في الرحلة الأولى، ولها قصة شهيرة جداً، فقال أحد القساوسة: غرق هذه السفينة درس بليغ من السماء للأرض.
 فالإنسان ضعيف، والله عز وجل بيده كل شيء، فيوجد آيات كونية، وآيات تكوينية أفعاله:

﴿قُل سيروا فِي الأَرضِ فَانظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُجرِمينَ﴾

[سورة النمل: ٦٩]

 عجيبة الآية، آية أخرى:

﴿قُل سيروا فِي الأَرضِ ثُمَّ انظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ﴾

[سورة الأنعام: ١١]

 يوجد فرق بين ثم والفاء، الفاء للترتيب على التعقيب، ثم للترتيب على التراخي، إنسان يرتكب خطأ يعالج فوراً هذه فانظروا، على الفاء، أحياناً يمهله الله عشر سنوات ثم يقصمه هذه على ثم، هذه أفعاله.
 فخلقه يدل عليه، وأفعاله تدل عليه، وقرآنه يدل عليه، يوجد آيات كونية، وآيات تكوينية، وآيات قرآنية.
 الآيات الكونية موقفك منها التفكر

﴿ وَيَتَفَكَّرونَ في خَلقِ السَّماواتِ وَالأَرضِ ﴾

 والآيات التكوينية موقفك أن تنظر

﴿قُل سيروا فِي الأَرضِ فَانظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُجرِمينَ﴾

 يوجد ثم، ويوجد فاء. والآيات القرآنية الموقف التدبر:

﴿أَفَلا يَتَدَبَّرونَ القُرآنَ أَم عَلى قُلوبٍ أَقفالُها﴾

[سورة محمد: ٢٤]

 الكون تفكر، الأفعال تنظر، القرآن تتدبر، هذا الموقف الوحيد الذي يمكن أن تعرف الله من خلاله، فإذا عرفت الله عرفت كل شيء، وإن فاتتك هذه المعرفة فاتك كل شيء.
 وإذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في معصية الآمر، أما إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر.
 والمشكلة الأولى الأمر معروف في العالم الإسلامي، لماذا المعاصي والآثام؟ لأن التعريف بالآمر ضعيف، فلابد من أن تخصص وقتاً كل يوم لمعرفة الآمر.
 أمامك كأس ماء كانت ملحاً أجاجاً فأصبحت عذباً فراتاً فعل من؟
 هذا الرغيف بين يديك.
 هذا الطفل، الطفل من نقطة ماء، الآن دماغ يوجد به مئة و أربعون مليار خلية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد، ثلاثمئة ألف شعرة، لكل شعرة وريد وشريان وعصب وعضلة وغدة دهنية وغدة صبغية.
 والله يوجد آيات العقل لا يصدقها، ماء العين، السمع، البصر، العظام، العضلات، الحركة، السكون، شيء مذهل.
 فكل شيء حولك يدل على الله، طعامك، شرابك، أولادك، من حولك، من فوقك، النبات، الحيوان، الطيور، الأسماك، هذا كله يدل على الله سبحانه وتعالى، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن نتابع هذه الدروس في التعريف بالآمر والأمر معاً.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018