الدرس : 3 - سورة ق - تفسيرالآيات 30- 45 ، التفكر طريق الإنسان لمعرفة الحق و الصواب - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 3 - سورة ق - تفسيرالآيات 30- 45 ، التفكر طريق الإنسان لمعرفة الحق و الصواب


1995-06-16

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الثالث من سورة ( ق )، ومع الآية الكريمة الثلاثين.

تذكير بالسابق و ربط باللاحق:

 قال تعالى:

﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾

 بعد أن وصف الله جلَّ جلاله حال أهل النار، وكيف أن كل نفسٍ تُساق معها سائقٌ وشهيد، والحوار الذي يجري بين الإنسان وقرينه، وكيف أن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾

 

( سورة ق: آية " 28 " )

 لأن اختصامكم لدي لا يجديكم.

 

صورة أهل النار يوم القيامة:

 يقول الله عزَّ وجل:

 

﴿ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) ﴾

 هذه صورةٌ مرعبة لحال أهل النار، لكن الله سبحانه وتعالى يعلِّمنا كيف نُبَشِّر كما ينبغي أن نُحَذِّر، وكيف ينبغي أن نقدِّم الصورة المشرقة كما ينبغي أن نقدِّم الصورة المرعبة، وكيف ينبغي أن يجمع الإنسان بين الخوف والرجاء، وبين الطمع بمغفرة الله عزَّ وجل والفَرَقِ من الذنب، لابدَّ من التوازن.

 

جنة الدنيا و جنة الآخرة:

 ربنا جلَّ جلاله يقدِّم لنا صورةً أخرى ؛ صورةً للمؤمنين، صورةً لحال أهل الإيمان يوم القيامة.

 

 

﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾

 

 هي بذاتها اقتربت منهم، كيف ؟ لا نعلم، لكنه تكريم لهم تقترب الجنة من المتقين، وقال بعض المفسرين: " إن كل إنسانٍ يعمل صالحاً في الدنيا كأن الجنَّة تقترب منه "، هذه السعادة المُطْلَقَة التي وعد الله بها عباده المؤمنين، هذه السعادة تقترب منه كلَّما استقام على أمر الله، أتريد أن تكون في جنَّة وأنت في الدنيا ؟ استقم على أمر الله، أتريد أن تكون في جنَّة الله يوم القيامة ؟ استقم على أمر الله.

الاستقامة طريق الإنسان إلى جنة الدنيا و جنة الآخرة:

 إن الحقيقة أن الإنسان أحياناً يقترب من الشيء قرباً سببيًّاً، فلو أن الطالب مثلاً درس الكتاب جيداً اقترب من النجاح، ولو درس الكتاب الثاني اقترب أكثر، لو أتقن كل المواد صار بينه وبين النجاح قاب قوسين، هذا اقتراب سببي، فكلَّما عملت الصالحات، وطبَّقت منهج الله عزَّ وجل فأنت قريبٌ من الجنَّة التي وعد الله بها عباده المتقين، وحينما يطبِّق الإنسان منهج الله في الدنيا فهو قريبٌ من جنَّة الدنيا ومن جنَّة الآخرة، ماذا بينه وبين جنَّة الآخرة ؟ ليس بينه وبين جنَّة الآخرة إلا أن يموت فقط.
أحد أصحاب رسول الله أمسك تمراتٍ ليأكلها وهو في المعركة، فقال: ليس بيني وبين الجنة إلا هذه التمرات، ألقاها، وقاتل حتى قُتِل.. فالإنسان المستقيم ليس بينه وبين جنَّة الدنيا إلا أن يستقيم، فإذا استقام أقبل على الله عزَّ وجل، هو في جنَّة لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾

 

( سورة الرحمن )

جنة الدنيا هي القرب من الله عز وجل:

 قال المفسِّرون: " جنَّةٌ في الدنيا، وهي القُرب من الله "، ليس معنى ذلك أن ترى المؤمن في بحبوحةٍ مادِّيةٍ كبيرة، في غناءٍ فاحش، لا، ليس هذا هو المعنى، جنَّة الدنيا أن تنعُم برضوان الله، أن تشعر أن الله الذي خلق السماوات والأرض يحبك، وهو راضٍ عنك، وهذا الرضا وذاك الحب لا يعرفه إلا من ذاقه، جنَّة الدنيا أن تطمئن، جنة الدنيا أن ترضى بنصيبك من الله، جنة الدنيا أن تشعر أن الله معك ولا يتخلَّى عنك، جنة الدنيا أن تشعر أن الله يدافع عنك، جنة الدنيا أن تشعر أن الله لن يكتب لك إلا الخير، ولن تفاجأ في المستقبل إلا بمزيدٍ من الخير.

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

( سورة طه )

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

( سورة البقرة )

 لا خوفٌ عليهم من المستقبل، ولا هم يحزنون على الماضي، هذه جنَّة الدنيا، جنة الدنيا مبذولةٌ لكل مخلوق، الثمن موحَّد، أسعار موحَّدة، الثمن واضح، والثمن تملكه، وهو طاعة الله عزَّ وجل.

 

الجنة مصير كل إنسان اتقى الله و رسوله:

 

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

( سورة الحجرات: آية " 13 " )

 الآية تحتمل المعنيين، تحتمل أنك إذا اتقيت الله عزَّ وجل اقتربت منك جنَّة الدنيا، وتحتمل أنك إذا اتقيت الله في الدنيا اقتربت منك جنة الآخرة سبباً، أي اقتربت منها من حيث الأسباب، كما لو أن الإنسان أتقن قراءة كتابٍ مقرَّر في الامتحان فإذا أتقنه، وأتقن الكتاب الثاني والثالث والرابع يقول لك: كأنني نجحت، كأن النجاح لاح له بين عينيه.
 على كلٍ، إذا وجَّهنا الآية إلى الآخرة فاقتراب الجنة من المؤمنين تكريمٌ وأيّ تكريم، وكلَّما علا مقامُ الإنسان تأتيه الأشياء، وتُقَرَّب إليه، وكلَّما نزل مقامه درجة يسعى إليها بنفسه، فبين أن تسعى أنت إليها وأن تسعى هي إليك فرق كبير.

 

تكريم الله للإنسان في الدنيا و الآخرة بسبب طاعته لربه و استقامته على أوامره:

 أحياناً يُدْعَى الإنسان إلى وليمة على نمط جديد، تحمل الطبق، وتذهب إلى الطعام، وتأخذ حاجتك منه، لكن بعض الضيوف الكِبار يأتيهم الطعام إليهم، فإما أن تسعى إلى الشيء، وإما أن يسعى الشيء إليك، لعلوّ مقامك عند الله عزَّ وجل، وتكريماً لك على طاعته واستقامتك أزلِفت الجنة إليك، فكيف تأتي ؟ لا نعلم، هذا مما استأثر الله بعلمه.
 أما في الدنيا فكلَّما ازددت طاعةً لله اقتربت منك جنة الدنيا، جنة القُرب، جنة الطمأنينة، جنة الرضا، جنة الشعور أن الله لا يتخلَّى عنك، أن الله يدافع عنك، هذه الجنة التي قال النبي عليه الصلاة والسلام فيها:

 

 

(( أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ ))

 

[الترمذي عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ]

 فلعلَّ النبي عليه الصلاة والسلام قصد أنهم في جنَّة الدنيا، ولعلَّه قصد أنهم في جنَّة الآخرة.

 

الجنة عاقبة كل مؤمن صالح:

 على كلٍ:

 

 

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾

 

( سورة الرحمن )

 ومن أجمل الأدعية: " اللهمَّ اجعل نِعَمَ الآخرة متصلةً بنعم الدنيا "، أي إن المؤمن خطَّه البياني صاعد، والموت نقطة على هذا الخط، كأن يخلع ثوباً ليرتدي ثوباً، هو في سعادة،يأتيه ملك الموت فيخلع عنه ثوب الجسد ليلبس ثوباً آخر لا يعلمه إلا الله".
 قَالَ اللَّهُ:

 

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

 

[البخاري ومسلم عن أبي هريرة]

وعد الله للإنسان في الدنيا من خلال القرآن الكريم:

﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

( سورة التحريم )

﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾

 الله وعدنا، يعدُنا في الدنيا من خلال القرآن الكريم، والنبي عليه الصلاة والسلام يعدنا من خلال سنَّته المطهَّرة.
 مثلاً:

 

(( الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ ))

 

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 هذا وعد النبي عليه الصلاة والسلام.

 

الله عز وجل لا يعجزه شيء في الدنيا و لا في الآخرة:

 فلذلك:

 

 

﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾

 

( سورة النساء )

 من الذي يعدك ؟ خالق الكون.

﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾

( سورة التوبة )

 شتَّان بين أن يعدك إنسان محدود القدرات، قد يتمنى أن ينفِّذ وعده، ولكن لا يستطيع، قد يموت قبل أن ينفِّذ وعده، قد يكون طلبك أكبر من طاقته، لكن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء.

 

﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾

 

( سورة يس )

((يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ ))

[ صحيح مسلم عن أبي ذر]

 ذلك لأنَّ عطاءه كلام (كن فيكون)، وأخذه كلام، فمن وجد خيراً فليحمد الله.

 

الجنة ثمن من عرف أمر ربه و طبق منهجه:

 

﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ َ﴾

 لمن هذا الوعد ؟ قال الله تعالى:

 

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ﴾

 

( سورة القصص: آية " 61 " )

 من هو المؤمن ؟ هو مخلوق عرف ربَّه، وطبَّق أمره، فوعده الله وعداً حسناً، فهو موعود بالجنة، قال عز وجل:

 

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾

 

( سورة القصص: آية " 61 " )

 هل يوازَى إنسانٌ موعودٌ بجنَّة الله بإنسانٌ آخر سوف يُحضَرُ مكبَّلاً ليلقى نتائج عمله السيئة ؟

 

وعد الله ِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ بالجنة:

 لمن هذا الوعد ؟ قال تعالى:

 

 

﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾

 

الأوّاب: الذي رجع من المعاصي إلى الله:

 اللغة العربية تعيننا على فهم هاتين الكلمتين، الأوّاب: صيغة مبالغة، أوَّاب فعَّال، صيغتها الأصلية آيب، آب يَؤوبُ آيبٌ، آب بمعنى رجع، رجع من أين ؟ وإلى أين ؟ أجمع المفسرون على أن الآيب الذي صيغة مبالغته أوَّاب هو الذي رجع عن المعاصي، كان فـي معصيةٍ فرجع من هذا الطريق، رجع من المعاصي إلى الله، هذا هو الأوَّاب، رجع من المعصية إلى الله عزَّ وجل، هو آيب وصيغة مبالغته أوَّاب، هذا الوعد العظيم.

 

﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾

 لذلك:

 

 

(( كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ ))

 

[الترمذي عن أنس]

 التوّابون: أي: كثيرو التوبة، ولم يقل عليه الصلاة والسلام: تائب، بل قال: توَّاب، وهو كثير التوبة.

 

الحفيظ: من حفظ أمر الله و اجتنب نواهيه:

 

﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾

 معنى هذا أن الإنسان ما دام فيه بقيةٌ من حياة فعليه أن يؤوب إلى الله عزَّ وجل، وكلَّما شعر أنه في موقع غير صحيح وفي سلوكٍ غير صحيح، كلَّما شعر أنه متلبِّسٌ بمعصيةٍ أو بمخالفة، أو بشبهة أو بتقصير فعليه أن يؤوب إلى الله عزَّ وجل، وأن يرجع عن معصيته إلى الله جلَّ جلاله.

 

﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴾

 

 الكلمة الثانية أكثر إيجابيةً من الأولى.
 أيضاً حفيظ صيغة مبالغة، حافظ اسم فاعل، أما حفيظ أي كثير الحفظ، يحفظ ماذا؟

معاني حفظ الإنسان:

1 ـ يحفظ أمر الله:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾

( سورة المؤمنون )

2 ـ يحفظ الأمانة التي بين يديه:

 المريض عند الطبيب أمانة، والموكِّل عند المحامي أمانة لا ينبغي أن يغشَّه، ولا أن يحدِّثه بحديثٍ الموكِّل هو له به مصدِّق، والموَكَّل هو له به كاذب، خان الأمانة، المريض عند الطبيب لا ينبغي أن يحدِّثه بحديث هو له مصدِّق، والمتكلِّم ليس له بصادق، المريض أمانة، والموكِّل أمانة، والذي يشتري بضاعةً من بائع هو أمانة، هو كلّه أمانة عندك، يسألك بدينك أن تنصحه، وأن تعطيه بضاعةً جيدة، وأن يكون سعرها معتدلاً، أمانة، وابنك أمانةٌ أودعه الله عندك، كيف ربّيته ؟ هل علَّمته ؟ هل وجَّهته ؟ هل ضبطت سلوكه ؟ هل درَّبته على طاعة الله عزَّ وجل ؟ هل لقَّنته الحقّ ؟ هل أعنته على نفسه ؟ هل أعنته على بِرِّك بالعدل بين الأولاد ؟ ابنك أمانة، زوجتك أمانة أوكل الله إليك مصيرها، أنت رُبَّان السفينة، وأنت القيِّم على هذا البيت، وأنت صاحب القرار.

 

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾

 

( سورة النساء: آية " 34 " )

 فالزوجة أمانة، والولد أمانة، وبحرفتك كل من تتعامل معهم أمانةٌ في عنقك.

 

الجنَّة أُعِدَّت لكل أوّاب شديد العودة إلى الله:

 لذلك:

 

 

﴿ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾

 شديد الحفظ أولاً لعباداته، لصلواته، شديد الحفظ لأوامر الله عزَّ وجل، شديد الحفظ لما استودعه الله.
 هذه الجنَّة التي عرضها السماوات والأرض أُعِدَّت للمتقين، أعدَّت لكل أوابٍ حفيظ، شديد العودة إلى الله.
 بالمناسبة، صيغة المبالغة تعني الكَمَّ والنَوع.

 

﴿ أوَّاب ﴾

 مهما كانت المعصية كبيرةً فهو يعود منها إلى الله، أو مهما تكن المعاصي كثيرةً يعُد منها جميعِها إلى الله، هذا هو:

﴿الأوَّاب﴾

 و ( الحفيظ ) يحفظ أوامر الله ويطبِّقها، يحفظ الأمانات التي استودعت إليه، يقوم بعمله خير قيام، يقوم برعاية من استرعاهم الله به، هذا هو الحفيظ.

 

عدم ارتقاء المؤمن عند ربه إلا إذا شكَّل حياته وفق ما يرضي الله:

 

﴿ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ ﴾

 لو أتينا بخمسة مليارات إنسان، وهم سكَّان الأرض، وأطلعناهم على خطرٍ رأوه بأعينهم لاتّقوا الخطر، ولا فضل لك إذا رأيت بعينيك الخطر، وابتعدت عنه، ليست هذه هي العبادة، العبادة أن تُدرِك الخطر بعقلك، الخطر ليس أمامك، لا تراه رأي العين، بل هو غائبٌ عنك، فهذا الذي يؤمن بالله يتقي الله بالغيب، أي أن عقله دلَّه على أن لهذا الكون خالقاً، وأن كل البشر عباده، وأنك إذا أحسنت إليهم رضي عنك، وإن أسأت إليهم عاقبك عقاباً شديداً في الدنيا والآخرة، فهذا الذي يرى الخطر بعينه فيتقيه لا يسمَّى عابداً لله لأنّ أيّ مخلوقٍ على الإطلاق إن رأى الخطر حادَ عنه، لكن المؤمن قال تعالى:

﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾

( سورة البقرة )

﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾

 أي أنه آمن بالله، ولم يره بعينه، آمن بوحدانيته، وآمن بكماله، وآمن بوجوده، وآمن بكتابه، وآمن برسله، فشكَّل كل حياته وفق ما يرضي الله، هذا الذي يرقى عند الله، آمن بالغيب، احترم عقله، ذلك العقل، تلك الأداة الثمينة التي أكرمك الله بها كي تعرفه بها انتفعت به، لذلك هذا الأوَّاب الحفيظ.

 

العاقل من آمن بالغيب و احترم عقله:

 أما الذي يرى الزلزال بعينه، أو يرى المرض بعينه، الآن كل إنسان لا سمح الله ولا قدَّر إذا أصابه مرض عُضال بسبب الدخان يُقلِع عنه، ولكن ليس له فضل، لأنه متى أقلع عنه ؟ بعد أن أُبلِغ أن هناك مرضاً عضالاً قد حلَّ به، لكن العاقل هو الذي يدع الدخان قبل أن يحلَّ به المرضٌ العضال، هذا العاقل، هذا خشي عواقبه بالغيب، بالفكر أدرك أن هذه العادة تسبب مشكلات كثيرة في صحَّته فتركها.
 وأريد من هذه الفكرة أنك إذا رأيت الخطر بأُمِّ عينك، واتقيته فلا فضل لك في ذلك، ولا أجر لك في ذلك، ولا ترقى عند الله بهذا الترك، لأن هذا جزءٌ من طبيعتك البهيمية، فالدابَّة مثلاً إن رأت خطراً ابتعدت عنه، أما كجزء من طبيعتك الإنسانية فقد أودع الله فيك العقل، فإذا أدركت به الخطر المتوقَّع، وابتعدت عن هذا الخطر الآن ترقى، الآن أنت إنسان، لذلك العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه.
 أحياناً يريد إنسان أن يسافر، فيذهب ليقطع التذكرة، يفكِّر، السفر صباحي إلى حلب، الشمس من على اليمين، الشمس من جهة الشرق، إذاً يطلب في الصيف المقعد في جهة اليسار، وفي الشتاء يطلبه في جهة اليمين، فكَّر، كل إنسان يفكِّر يكون أكَّد فيه الناحية الإنسانية الراقية، وكل إنسان يعطِّل فكره يكون هبط إلى مستوى البهيمة، البهيم يتفاعل مع الأحداث حين وقوعها، أما الإنسان فينبغي أن يتفاعل معها قبل أن تقع يُدرِكها، لذلك يقولون: من صفات الأمم الراقية أنها تعيش المستقبل، والأقل رقيًّاً تعيش الحاضر، والأمم المتخلِّفة تعيش الماضي فقط.

 

 

ألهى بني تغلبٍ عن كل مكرمةٍ  قصيدةٌ قالها عمرو بن كلثومُ
* * *

 

بِقَلْبٍ مُنِيبٍ: آية لها عدة معان:

 لذلك:

 

﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾

 

1 ـ قلب مخلص لله:

 اختلف المفسِّرون في معنى:

﴿ منيب﴾

 فبعضهم قال: " جاء بقلبٍ مخلص لله عزَّ وجل.
 يا معاذ:

 

(( أخلِص دينك يكفك القليل من العمل ))

 

[الجامع الصغير عن معاذ بسند ضعيف]

 إن درهماً أُنفِق في إخلاص خيرٌ من مئة ألف درهمٍ أُنفقَ في رياء.. فالإخلاص الإخلاص، لأن الإخلاص ينفع معه قليل العمل و كثيره، والرياء والنفاق لا ينفع معهما لا قليل العمل ولا كثيره.
 قال بعض المفسرين:

 

﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾

 

 أي مخلص.

2 ـ قلب سليم:

 وجاء بقلبٍ منيب أي سليم.

 

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

 

( سورة الشعراء )

 والقلب السليم هو وحده الذي ينفعك يوم القيامة، لأن الأمر كلَّه بيدِ الله، وفي الأثر:

 

(( عبدي طهَّرت منظر الخلق سنين، أفلا طهَّرت منظري ساعة ))

 القلب بيت الرب، أفلا طهَّرت منظري ساعة ؟
 هنيئاً لمن اطلع الله على قلبه فرآه سليماً، ليس فيه غلٌّ لأحد، ولا حقدٌ على أحد، ولا احتيالٌ على أحد.

 

﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

( سورة الشعراء )

(( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[ البخاري عن عمر بن الخطاب ]

 هذا الحديث متواتر، ويُعَدُّ أصلاً في أن الأعمال كلها تقيَّم عند الله حصراً بالنيَّات الطيِّبة.

 

روعة الجنة و الحالة النفسية التي ينعم بها أهلها:

 

﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾

 اللطيف في هذه الآية أن الجنَّة يدخلها المؤمنون في سلام، أحياناً في الدنيا تدخل بيتاً رائعاً، لكنَّه قطعةٌ من الجحيم، فيه أمراض، فيه مشكلات، فيه خصومات، فهنـا أشار الله عزَّ وجل إلى روعة الجنَّة، وروعة الحالة النفسية التي يَنْعُمُ بها أهل الجنَّة.

 

﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾

 

الجنة جمال و رضوان:

 ائتِ بإنسان مريض، وأدخله إلى حديقةٍ غنَّاء، إنه لا يسعد بها، لأن همُّه يحجبه عن جمال المكان، ائتِ بإنسان على وشك الإفلاس، وخذه إلى مكانٍ جميل، لا يسعد به، هذه الآية فيها إشارة إلى أن الجنَّة جنَّتان، جمال المكان.

 

﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾

 

( سورة الصف: آية " 12 " )

 فيها:

﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾

( سورة محمد: آية " 15 " )

﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾

( سورة الواقعة )

 و:

﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾

( سورة الواقعة )

 وفوق كل هذا:

 

﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾

 

( سورة آل عمران: من الآية 15 )

 أولاً: لا يوجد فيها قلق.
 وثانيا: إذا أُدخِلت الجنَّة لا تخرج منها.

 

الجنة مستقر دائم للإنسان و ابتعاد عن القلق و التشاؤم:

 إن الإنسان إذا نزل إلى مكان بالأجر يقول لك: كل ليلة بخمسة آلاف، أو عشرة آلاف، شيء جميل، لكن ارتفاع الأجر يُذهِب سعادته بالمكان، يقول لك: صاروا خمسة عشر ألفًا، أو عشرين ألفًا، أحياناً يأكل أكلاً غالياً، والفاتورة تُنسيه لذَّة الطعام كله، فهناك حالة نفسية ترافق الحالة المادّية، أما في الجنة.

 

 

﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾

 

 لا يوجد قلق، ولا إخراج من الجنَّة، ولا يوجد منافسون، لا وشاة، ولا من يسعى لإخراجك منها، ولا تقدُّم في السن، ولا مرض، لا يوجد شيء.

الدنيا دار كَدْحٍ و عمل و الآخرة دار تكريم و تشريف:

﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾

 لكنَّ في الدنيا أحياناً يدخل الإنسان بيتاً فخماً، وهو ليس مرتاحاً، يقطن في حديقةٍ غنَّاء، وليس مرتاحاً.
 وقبل أن نذكر نظام الجنَّة نذكر أن نظام الدنيا أساسه الكدح والسعي.

 

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾

 

( سورة الانشقاق )

 لكن نظام الجنَّة قائمٌ على أن أي خاطرٌ يخطر في بالك تراه أمامك، أي شيءٍ تريده، الدنيا دار كَدْحٍ، ودار سعيٍ، ودار عملٍ، ودار ابتلاءٍ، ودار مشقَّةٍ، والآخرة دار تكريمٍ، ودار تشريفٍ، ودار جزاءٍ، ودار راحةٍ.

 

أكبر تشريف للإنسان في الآخرة رؤية وجه الله الكريم:

 أما الشيء اللطيف جداً.

 

 

﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾

 أحياناً يطلب الإنسان أشياء ثمينة جداً من الطعام، لكن يفاجأ أن في هذا المطعم ألوانًا من الطعام لا يعرفها، ولو عرفها لاختارها، فمهما تصوَّرت نعيم الجنَّة فعند الله مفاجآت لا تعلمها.
 قال بعض العلماء: المزيد هو " رؤية وجه الله الكريم "، إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون البدر في كبد السماء، فعن جَرِيرٌ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ:

 

 

(( إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ ))

 

[ صحيح البخاري عن جرير ]

 كما ترون القمر ليلة البدر، طبعاً رؤية الله في الدنيا مستحيلة.

﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾

( سورة الأعراف: آية " 143 " )

الأحمق من يضيع الجنة من أجل سنواتٍ معدودة في الدنيا:

 أجسامنا لا تحتمل أن نرى الله عزَّ وجل، الجبل دُكَّ دكاً حينما تجلى الله عليه، لكنه في الجنة كما أنبأنا النبي صلى الله عليه وسلم، وكما ورد في القرآن الكريم:

 

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) ﴾

 

( سورة القيامة )

 هذا، ولدينا مزيد.

 

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾

 أهذه الجنة التي هي إلى أبد الآبدين أَتُضَيَّعُ من أجل سنواتٍ معدودة في الدنيا ؟ لنكن صريحين، متى يستقر وضعُ الإنسان ؟ بعد الأربعين، حتى يكون له بيت، وزوجة من الدرجة الخامسة، بعد الأربعين، ومعترك المنايا بين الستين والسبعين، وهذه السنوات العشرون كلها متاعب، وخصومات، وأمراض، وضيق مادي أحياناً، وقلق أحياناً، وخوف أحياناً، هذه السنوات العشرون التي استقرت بها حياة الإنسان مشحونةٌ بالمتاعب، من أجل سنواتٍ عشرين السعادة فيها ليست مضمونة نُضَيِّعُ جنةً عرضها السماوات والأرض ؟! أين عقل الإنسان ؟

 

 

﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ(35)﴾

 أصبحت هذه الصورة المشرقة.

 

 

( كم ) أنواعها ومعانيها:

 ثم يقول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾

 ( كم ) هذه للتكثير، وفي اللغة العربية ( كم ) نوعان، ( كم ) الاستفهامية، و( كم ) التكثيرية، يضربون على هذا مثلاً:  تسأله: كم كتاباً عندك ؟ فيقول: عندي ثلاثون كتاباً، أما إذا قلت: كم كتابٍ عندي ؟ أنت لا تسأل، ولكنك تفتخر، ولكنك تستكثر، كم كتاباً عندك ؟ هذه استفهامية، الجواب: ثلاثون كتاباً، أما إذا قلت: كم كتابٍ عندي ؟ فالجواب ما شاء الله، فـ ( كم ) هنا تكثيرية.

 

 

الهلاك عاقبة الأمم الطاغية السابقة:

 

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾

 ما أكثر الأقوام التي كفرت، وجحدت، وانحرفت، وطغت، وبغت، واستعلت فأهلكها الله عزَّ وجل، وهذه الآثار بين أيديكم، اذهب إلى مدينة تدمرَ وكانت فيها دولة من أقوى الدول، هي دولة زنوبيا، أين هم ؟ أين عادٌ وثمود ؟ والأنباط في الأردن ؟ والفراعنة في مصر؟

 

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾

 

 لا تزال الأهرامات أحدَ أعاجيب الدنيا حتى الآن، فمصر أرضٌ منبسطة ليس فيها صخور، فمن أين جاءوا بالصخور ؟ من أسوان، كل صخرة مساحتها عشرة أمتار في خمسة أمتار، كيف حملت ؟ كيف نقلت من نهر النيل إلى موقع الأهرام ؟ كيف بنيت ؟ كيف نقلت إلى أعلى ؟ بأية طريقة ؟
 هناك بعض الأهرامات فيها نافذة مدروسة بشكل أن الشمس لا تدخل منها إلا في يومٍ واحد في العام كله، هو يوم موت الملك الذي بنيت الأهرام له، أو يوم ميلاده، هل يمكن أن تجهز نافذة بزاوية معينة، عميقة، لا تدخلها الشمس إلا في يوم واحد ؟ لو زرت الأهرامات في مصر لرأيت كل شيءٍ تحت الأرض، حتى الطعام، قطع اللحم المُقَدَّدة إلى الآن موجودة، عمرها ستة آلاف عام، القمح، الحلي الذهبية، كل حاجات الفراعنة وضعت في القبور، لتوهمهم أنهم سيحيون حياةً ماديةً بعد موتهم.

القبر نهاية كل إنسان:

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾

 من أروع التفسيرات لهذه الآية أنّ:

﴿ فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ ﴾

 أي سافروا، إما للتجارة أو للسياحة، يقول لك: أنت رأيت شلالات نياجارا ؟ لا، لم أرها، يقول لك: لم تر شيئًا !! ذهب إلى كندا، وذهب إلى أمريكا، ولليابان، ذهب إلى دول شرقي آسيا، زار المعابد، زار الأماكن الأثرية، ذهب إلى المشاتي، إلى بعض الجُزُر.

 

﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾

 هل من محيص أي: هل من خلاص، لابدَّ من أن ينتهي إلى القبر، لو رأيت جواز سفر إنسان كثير السياحة، مرة بأمريكا، مرة باليابان، مرة بالهند، مرة بباكستان، مرة بالشمال، مرة بالجنوب، آخر شيء بمقبرة باب الصغير.

 

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾

الأموال الكثيرة و الخيرات لا تنقذ الإنسان من الموت المحقق:

 هل هناك مجال ؟

 

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

 

( سورة البقرة)

 في القرآن الكريم صورة رائعة لرجل خائف، يعدو وخلفه من يلحقه ليقبض عليه، مذعور، قلبه يكاد ينخلع من صدره من شدة الخوف، وهو يعدو وآخر يلحقه، متى يُصْعَق ؟ إذا رأى الذي يلحقه من ورائه أمامه.

 

﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾

 

( سورة الجمعة: آية " 8 " )

 يكون الواحد معه مشكلة في جسمه، وهو يخاف أن يموت من هذا المرض، يقوم باحتياطات غير معقولة، ثم يفاجأ أن الموت جاء من طريق آخر.

 

﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾

 

 لذلك: أحد أكبر أثرياء العالم مات في يخت مع امرأةٍ عاهرة في عرض البحر، أين الغنى ؟ الإنسان برحمة الله، الله عزَّ وجل يظهر آياته بطريقةٍ عجيبة، أحياناً الذين يملكون ألوف الملايين لا تنقذهم أموالهم من موتٍ محقق.

الإنسان العاقل من يعدّ للساعة عدتها بالاستقامة و الطاعة:

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾

 كثير من الأشخاص حتى من أهل الفن، وهم في أوج نجاحهم جاءهم ملك الموت، فالإنسان العاقل هو الذي يعدّ لهذه الساعة عدتها، يعد لها طاعة، يعد لها معرفة بالله، يعدّ لها استقامة على أمر الله، يعدّ لها عملاً صالحاً، يعدّ لها إنفاقاً.

النظر في أفعال الله تلهم الإنسان إلى معرفة طريق الحق:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾

 هذا الكلام، وهذه الصور المشرقة والصور المرعبة في هذه السورة صورتان، صورةٌ مرعبةٌ عن أهل النار، وصورةٌ مشرقةٌ عن أهل الجنة.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾

 الإنسان أحياناً حينما يتحرَّى الحقيقة فيجدها عن طريق التفكر في خلق السماوات والأرض، وعن طريق تدبر آيات القرآن الكريم، وعن طريق النظر في أفعال الله.

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

( سورة الأنعام )

التفكر في خلق السماوات و الأرض يوصل الإنسان إلى الحقيقة:

 يمكن أن تعرف الحقيقة الكاملة من النظر في أفعال الله، تابع المرابي كيف أن الله يدمِّرُهُ، وتابع المتصدق كيف أن الله ينمي أمواله.

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

( سورة البقرة )

 تابع الشاب المستقيم كيف أن الله يوفِّقُهُ، وتابع الشاب المنحرف كيف أن الله يدمره، تابع الذي ينصح الناس كيف أن الله يحفظه، وتابع الذي يغش الناس كيف أن الله يسحقه، تابع الذي يتقي الله في معاملة زوجته كيف أن الله يسعده بها، وتابع الذي لا يتقي الله في معاملة زوجته كيف أن الله يشقيه بها، يمكن أن تعرف الحقيقة الكاملة من النظر في الحوادث، تابع البار بوالديه كيف أن الله يوفقه، وتابع العاق كيف أن الله يدمره، تابع الذي يغض بصره عن محارم الله كيف أن الله يسعده في بيته، وأن الذي يطلق بصره في الحرام كيف أن الله يشقيه في بيته، تابع هذا الطريق.
 الطريق الآخر أن تنظر في خلق السماوات والأرض، ترى العلم والحكمة، واللطف، والرحمة، والقدرة، والغنى، ترى أسماء الله الحسنى كلها من خلال خلقه، تدبر كلام الله عزَّ وجل ترَ أنه كتاب الله، كلام رب العالمين، وأقسمُ بالله العظيم أن الإنسان إذا تدبر كلام الله كل خليةٍ في جسده، وكل قطرةٍ في دمه تشعر أنه كلام الله، كلام الله، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه.

 

القلب و العقل طريق الإنسان إلى معرفة الله:

 فالآية:

 

 

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾

 الإنسان عنده القلب والعقل، عنده عقل سلطه على الكون فعرف الله، تدبر به القرآن، فعرف كلام الله، توجَّه به إلى الأحداث فعرف الله، هؤلاء المتفوقون بتدبرهم، وتأملهم، وتفكرهم، ونظرهم، يعرفون الحقيقة، وهناك طريق آخر أن تستمع إلى الحقيقة جاهزة.
 يمكن أن تدخل غرفة وتتأمل، تتفكر، تنظر، تتدبر، تقرأ كلام الله عزَّ وجل، يمكن أن تحضر مجلس علم فتستمع إلى الحقيقة خالصة:

 

 

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾

 

على الإنسان أن يجمع بين العقل وإلقاء السمع وهو شهيد:

 لكن مع إلقاء السمع شرط:

 

﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾

 يمكن لإنسان أن يجلس في مجلس علم وأفكاره خارج المجلس، يقول في نفسه: ماذا أعدوا لنا من العشاء اليوم ؟ في أثناء التفسير كان فكره في العشاء، في أثناء التفسير قبض المبلغ، ويسأل: هل دفع له ؟ إذا كان في أثناء حضور مجلس علم خواطر تجارية، أو صناعية، أو زراعية، أو خواطر قبض أموال، أو حل مشكلات، أو فرق صندوق، يا ترى أين راح المبلغ ؟ فهذه مشكلة، ما أصبح شهيدًا في ذلك المجلس:

 

 

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾

 

 فعندك طريقان: إما أن تعد الطعام أنت بنفسك، وإما أن تأكله من يد أمهر الطبَّاخين، وكلاهما حسن، فإذا سمع الإنسان كلام النبي عليه الصلاة والسلام فالنبي عليه الصلاة والسلام كل أحاديثه الشريفة في الحقيقة بيانٌ لكلام الله، فيمكن أن تقرأ السنة النبوية المطهرة فتعرف من خلالها كلام الله عزَّ وجل، ثلاثمئة حديثٍ حول البيوع، والله عزَّ وجل قال:

﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾

( سورة النساء: آية " 29 " )

 كلام الله موجز، والنبي عليه الصلاة والسلام فصّل، والأصح من هذا وذاك أن تجمع بينهم، أن تتفكر في خلق السماوات والأرض، وأن تنظر في أفعال الله، وأن تتدبر القرآن، وأن تستمع إلى الحقائق جاهزةً، أن تجمع بينهما، أن تجمع بين العقل وإلقاء السمع وأنت شهيد.

 

خلق الله عز وجل السماوات و الأرض في ستة أيام دون تعب و نصب:

 

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾

﴿ لُغُوبٍ ﴾

 هو التعب والنَصَب، وهذه الآية ردٌ على اليهود الذين زعموا أن الله خلق الدنيا في ستة أيام، ثم تعب فاستراح يوم السبت، هذه أضحوكة، وفرية من افتراءات اليهود، قال تعالى:

 

﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾

 طبعاً قال بعضهم: ستة أيام ستة الأطوار، نظام الكون ليلٌ ونهار، وصيفٌ وشتاء، وربيعٌ وخريف، ستة أدوار.

 

 

الإنسان حينما يتصل بالله يستطيع أن يواجه أعداء الحق:

 

﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾

 دائماً وفي أغلب الأحيان يأتي الصبر مع التسبيح، ما الذي يعينك على كلام هؤلاء الجهلة:

 

﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾

 لما يكون الإنسان في ضيق مادي، أو ضيق معنوي، أو حوله أناس أعداء منكرون، مفنِّدون، إن كان له صلة بالله فهذه الصلة تغنيه عن صداقتهم، وتغنيه عن الاستماع إليهم، والحقيقة أن الإنسان حينما يتصل بالله يستطيع عندئذٍ أن يواجه أعداء الحق، لأن معه ذخيرة، ومعه سلاح، والاتصال بالله مُسْعِد، لذلك الإنسان الفارغ لا يحتمل المعارضة، ولا يحتمل النقد، ولا يحتمل التخويف، هو ضعيف في الأساس، أما حينما يقوى بالله عزَّ وجل يصبح أقوى من كل قوةٍ تريد أن تنال منه.

 

 

الصبر مع التسبيح يغنيان الإنسان عن اعتراض المعترضين:

 

﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾

 حينما تصلي تستعين بالصلاة على اعتراض المعترضين، وعلى كيد الكائدين، وعلى تشويش المشوِّشين، وعلى انتقاد المنتقدين، وعلى تفنيد المفندين، لأنك تتصل بالله، لذلك قالوا: الناجحون في الحياة ليس عندهم وقتٌ يلتفتون فيه إلى منتقديهم، القافلة تمضي والكلاب تعوي، أما الفارغون من الاتصال بالله عزَّ وجل فكل شيءٍ يزعجهم، ورد في الأثر أن موسى في أثناء المناجاة قال: " يا رب، لا تبقِ لي عدواً "، فقال الله عزَّ وجل: " يا موسى، هذه ليست لي "، قال الله عزَّ وجل:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾

( سورة الأنعام: آية " 112 " )

 شيء طبيعي جداً أن يكون لك خصوم في العقيدة، خصوم في المنهج، فالمؤمن لا يبالي.

 

الخصم حينما ترد عليه ترفعه وحينما تهمله تسقطه:

 

﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾

( سورة الأنعام )

﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾

( سورة الزمر )

 لا تعبأ، من عرف نفسه ما ضرَّته مقالة الناس به.
 أحياناً يتمنى الخصم أن تلتفت إليه، وأن تردّ عليه، دعه مهملاً، دعه في حيِّز النسيان، لا تعبأ به، لا تجعل له قيمة، بعض الكُتّاب الذين كتبوا كلاماً يطعنون به في القرآن الكريم، وفي النبي عليه الصلاة والسلام عرضوا كتابهم على مئات دور النشر فلم تقبل دار أن تنشر لهم هذا الكتاب، فلما حدث هجوم على شخص المؤلِّف تهافتت دور النشر على نشر هذا الكتاب، فأحياناً الخصم حينما ترد عليه ترفعه، وحينما تهمله تسقطه.
 النبي عليه الصلاة والسلام أوتي الفطانة كأي نبيٍ.

 

على الإنسان أن يسبح ربه:

 

1 ـ قبل طلوع الشمس:

﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾

 هذه صلاة الفجر.

 

2 ـ قبل غروب الشمس:

 

﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾

 صلاة الظهر والعصر.

 

3 ـ عند صلاة الليل:

 

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾

 صلاة المغرب والعشاء وصلاة الليل.

 

على الإنسان أن يصلي السنن الراتبة التي صلاَّها النبي بعد الصلوات المفروضة:

 

﴿ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾

 أدبار السجود أي السنن الراتبة التي صلاَّها النبي بعد الصلوات المفروضة.

 

كل الخلائق يسمعون الصيحة يوم القيامة:

 

﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾

 هذه صيحة يوم القيامة، لكن تقريباً للأذهان إذا صلى الإنسان في الحرم المكي في أي مكان، في أي مكان على الإطلاق، خارج الحرم، أو داخل الحرم، أو حول الكعبة، أو تحت الأروقة، في الطابق الثاني، في الطابق الثالث، على السطح، في أي مكان تشعر أن صوت الإمام في أذنك، طبعاً من خلال أجهزة صوت راقية جداً، هذا تقريب للأذهان.
 كل الخلائق يسمعون هذه الصيحة.

 

خروج الناس من قبورهم يوم القيامة للحساب:

 طبعاً حينما تأتي يوم القيامة، تأتي الصيحة فينسل الناس من قبورهم.

 

 

﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾

 كنت مرة أمشي في جنازة فكان القارئ يقرأ:

 

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) ﴾

( سورة الغاشية )

على الإنسان أن يعبد الله الذي يحيي و يميت:

 لابدَّ من العودة إلى الله.

 

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾

 نحيي الميِّت بعد موته، ونميت الحي بعد حياته، إذاً من ينبغي أن تعبد ؟ من يحيي ويميت، من يرزق، من يسيِّر، من الأمر كله بيده.

 

 

أعمال الإنسان مسجلة عليه للحساب الدقيق يوم القيامة:

 

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ(44)﴾

 قال تعالى:

 

﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ(8)﴾

 

( سورة الزلزلة )

 يجب أن تعلم علم اليقين أن أعمالك كلها صغيرها وكبيرها مسجلة عليك.

 

كل إنسان مخيّر ومهمَّة النبي أن يبلغ فقط:

 لذلك:

 

﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾

 من أوجه التفسيرات: ما أنت مجبرهم على الهدى، أي أنت لك أن تبلِّغ فقط، لن تستطيع إجبارهم لأنهم مخيّرون.

 

﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾

 جبَّار هنا بمعنى مُجْبِر.
 قال تعالى:

 

 

﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾

 

( سورة الغاشية )

 وقال سبحانه:

 

﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾

 

( سورة الأنعام )

﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾

 أي أن نظام الخلق أن كل إنسان مخيّر، ومهمَّة النبي أن يبلغ فقط.

 

على الإنسان أن يتخذ قراراً بطلب الهدى ليستفيد من القرآن الكريم:

 

﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾

 هذا القرآن لا نستفيد منه إلا إذا آمنا بالله، قال الله عزَّ وجل:

 

﴿قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً﴾

 

( سورة الإسراء )

 لذلك:

 

﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾

 لابدَّ من أن تتخذ قراراً بطلب الهدى، وطلب الحقيقة من أجل أن تستفيد من هذا الكتاب الكريم.

 

 

﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018