على هدى - الحلقة : 13 - التوحيد خلاصة الدين. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠22برنامج على هدى - قناة الرسالة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

على هدى - الحلقة : 13 - التوحيد خلاصة الدين.


2013-07-21

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

التوحيد أن ترى أن يد الله تعمل وحدها :

 أيها الأخوة؛ هل يمكن أن نضغط ملايين أنواع التجارة بكلمة واحدة؟ تجارة أراض، عقارات، آلات، سيارات، تجارة واسعة متعددة الجوانب، بدول عديدة، بمدينة، بقرية، بدكان، التجارة على اختلاف مستوياتها واختلاف أنواعها هل يمكن أن تختصر بكلمة واحدة؟ الجواب ممكن، إنها الربح، فإن لم تربح فلست تاجراً.
 نقيس على هذه هذا الدين العظيم، والله يوجد مئات ألوف الكتب، علم التوحيد، العقيدة، الفقه المقارن، تاريخ الفقه، أنواع من العلوم الإسلامية لا تعد ولا تحصى، هذا الدين العظيم هل بالإمكان أن يضغط بكلمة واحدة؟ أنا أقول: إنه التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
 التوحيد ألا ترى مع الله أحداً، التوحيد أن ترى أن الله وحده هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل، هو المعطي، هو المانع، حينما ترى يد الله تعمل وحدها، لذلك من آيات التوحيد:

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوقَ أَيديهِم ﴾

[سورة الفتح: ١٠]

 من آيات التوحيد:

﴿ فَكيدوني جَميعًا ثُمَّ لا تُنظِرونِ*إِنّي تَوَكَّلتُ عَلَى اللَّهِ رَبّي وَرَبِّكُم ما مِن دابَّةٍ إِلّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبّي عَلى صِراطٍ مُستَقيمٍ﴾

[سورة هود: ٥٥-٥٦]

﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ وَكيلٌ﴾

[سورة الزمر: ٦٢]

 أحياناً جهة قوية تبيع طائرة، بعد أن باعتها بيد من اشتراها، لكن الله عز وجل للتقريب:

﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ وَكيلٌ﴾

[سورة الزمر: ٦٢]

 بيده:

﴿ لَهُ الخَلقُ وَالأَمرُ ﴾

[سورة الأعراف: ٥٤]

﴿ما يَفتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحمَةٍ فَلا مُمسِكَ لَها وَما يُمسِك فَلا مُرسِلَ لَهُ مِن بَعدِهِ ﴾

[سورة فاطر: ٢]

 إذاً الأمر بيده، حياتنا بيده، مصيرنا بيده، الغنى بيده، الفقر بيده، السعادة بيده، الشقاء بيده، من حولك بيده، من فوقك بيده، من تحتك بيده، الأقوياء بيده، الأغنياء بيده، أي:

﴿ وَإِلَيهِ يُرجَعُ الأَمرُ كُلُّهُ ﴾

[سورة هود: ١٢٣]

تعلق الإرادة الإلهية بالحكمة المطلقة :

 متى أمرك أن تعبده بعد أن طمأنك قال:

﴿ وَإِلَيهِ يُرجَعُ الأَمرُ كُلُّهُ فَاعبُدهُ ﴾

 ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك الأمر كله بيد الله، أي علاقتك مع جهة واحدة، فإذا قربك الله إليه تستغني بقربه عن كل شي:

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحبّ إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

 لذلك قال تعالى:

﴿ما يَفتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحمَةٍ فَلا مُمسِكَ لَها وَما يُمسِك فَلا مُرسِلَ لَهُ مِن بَعدِهِ﴾

[سورة فاطر: 1]

﴿ ما لَهُم مِن دونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا يُشرِكُ في حُكمِهِ أَحَدًا﴾

[سورة الكهف: ٢٦]

 التوحيد أن توقن أن ما يجري على سطح الأرض قد سمح الله به، معنى سمح الله ليس معناها أنه رضي به، وليس معناها أنه أمر به، قد يسمح ولم يأمر ولم يرض كيف؟
 أب تزوج لم ينجب، انتظر الإنجاب سنوات طويلة،بعد عشر سنوات جاءه مولود ذكر، أحبه محبة تفوق حدّ الخيال، هذا المولود اكتشف الأب أن معه التهاباً في الزائدة، فالأب الطبيب الذي يحب ابنه حباً لا حدود له يدخله المستشفى، ليفتح بطنه، وتستأصل الزائدة، ماذا نقول؟ أراد الله بمعنى سمح، وإذا سمح لا تعني أنه أمر، ولا تعني أنه رضي، كهذا الأب الطبيب سمح أن يجري لابنه علمية استئصال زائدة فيها فتح بطن، ومخدر، وآلام، لكن علم الطبيب ورحمته وأبوته تقتضي أن يكون ذلك.
 فكل شيء وقع أراده الله، بمعنى سمح به، وكل شيء أراده الله وقع، الآن الإرادة الإلهية متعلقة بالحكمة المطلقة، الحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
 أنت حينما ترى إنساناً قوياً يفعل ما يفعل، ويؤذي، ويبطش، يجب أن تعلم أنه في قبضة الله، ولحكمة بالغة فعل ذلك، وهذه الحكمة تكشفها بعد حين.
 أي لو أن الله أسلمك إلى غيره لا معنى من عبادته، قال لك:

﴿ وَإِلَيهِ يُرجَعُ الأَمرُ كُلُّهُ فَاعبُدهُ وَتَوَكَّل عَلَيهِ ﴾

.

 

تعريفات التوحيد :

 إذاً التوحيد ألا ترى رازقاً إلا الله، ولا معطياً إلا الله، ولا مانعاً إلا الله، ولا رافعاً إلا الله، ولا خافضاً إلا الله، ولا معزاً إلا الله، ولا مذلاً إلا الله، هذا التوحيد.
 التوحيد أن تتجه إلى الله وحده، أن تعلق عليه الأمل وحده، أن ترجوه وحده.
 التوحيد يأخذك إلى أعلى الدرجات.
 التوحيد تحرير للإنسان من كل عبودية لغير الله، أنت حر.
 التوحيد تحرير لعقل الإنسان من الخرافات والأوهام.
 التوحيد تحرير لضمير الإنسان من الخضوع والاستسلام.
 التوحيد تحرير لحياة الإنسان من تسلط الأرباب والمتألهين.
 التوحيد يعين على تكوين شخصية متزنة توضحت لها الحياة، وتوحدت غايتها، وتحدد طريقها، فليس لها إلا الله وحده لا شريك له.
 التوحيد أن تتجه إلى الله في خلوتك، وفي جلوتك، وأن تدعوه في السراء والضراء، وأن تعمل على ما يرضيه في الصغيرة والكبيرة، قال تعالى:

﴿ أَأَربابٌ مُتَفَرِّقونَ خَيرٌ أَمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾

[سورة يوسف: ٣٩]

التوحيد أمن و سعادة و طمأنينة :

 مرة ثانية أخواننا الكرام؛ الدين كله بعقائده، بفقهه، بالأوامر، بالنوهي، بكل ما فيه يضغط بكلمة التوحيد.

﴿ سَنُلقي في قُلوبِ الَّذينَ كَفَرُوا الرُّعبَ بِما أَشرَكوا ﴾

[سورة آل عمران: ١٥١]

 دقق، لا يمكن لإنسان مشرك إلا أن يقذف في قلبه الخوف، أما المؤمن فقد قال تعالى:

﴿ فَأَيُّ الفَريقَينِ أَحَقُّ بِالأَمنِ إِن كُنتُم تَعلَمونَ*الَّذينَ آمَنوا وَلَم يَلبِسوا إيمانَهُم بِظُلمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الأَمنُ وَهُم مُهتَدونَ﴾

[سورة الأنعام: ٨١-٨٢]

 التوحيد أمن، التوحيد راحة نفسية، التوحيد سعادة، التوحيد طمأنينة، التوحيد قوة شخصية، التوحيد توازن، التوحيد تماسك، التوحيد موقف جريء، التوحيد موقف حكيم، يوجد خوف على النفس، فالتوحيد تحل به هذه المشكلة، يوجد خوف على الرزق بالتوحيد تحل هذه المشكلة، يوجد خوف من الأجل، خوف على النفس، خوف على الأهل والأولاد، أي المؤمن إذا سافر يوجد دعاء علمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم:

(( اللَّهمَّ أنت الصاحبُ في السفر ، والخليفةُ في الأهلِ))

[أخرجه مسلم]

 والمال والولد، المؤمن كيفما تحرك الله معه، الله ناصره، لأنه ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد ألا ترى مع الله أحداً، وحده المتصرف، يعطي ويمنع، يخفض ويرفع، يعز ويذل.
 التوحيد ينجي الإنسان من الخوف من الإنس والخوف من الجن، ومن الموت، ومما بعد الموت، المؤمن الصادق بالتوحيد لا يخاف إلا الله، ولا يخشى إلا الله، ولهذا تراه آمناً إذا خاف الناس، مطمئناً إذا قلق الناس، هادئاً إذا اضطرب الناس، قال تعالى:

﴿فَلا تَدعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكونَ مِنَ المُعَذَّبينَ﴾

[سورة الشعراء: ٢١٣]

 آية دقيقة جدا،

﴿فَلا تَدعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكونَ مِنَ المُعَذَّبينَ﴾

 التوحيد يمنح المؤمن قوة نفسية هائلة، حيث تمتلئ نفسه بالرجاء بالله تعالى، والثقة به، والتوكل عليه، والرضا بقضائه، والصبر على بلائه، والاستغناء به عن خلقه، والمؤمن الموحد راسخ كالجبل لا تزحزحه الحوادث، ولا تزعزعه الكوارث.
 ولما ولي الحجاج العراق، وطغى في ولايته، وتجبر، وكان الحسن البصري أحد كبار التابعين، هؤلاء التابعون في مقدمتهم الحسن البصري، بينوا للناس الحق والحقيقة، وصدعوا بكلمة الحق بدون خوف أو وجل، فعلم الحجاج بذلك، فماذا فعل؟ دخل إلى مجلسه، وهو يتميز من الغيظ، وقال لجلاسه: تباً لكم، سحقاً لكم، يقوم عبد من عبيد أهل البصرى - يقصد الحسن البصري - ويقول ما شاء أن يقول، ثم لا يجد فيكم من يرده، أو ينكر عليه، والله لأسقينكم من دمه.. الحجاج وما أدراك ما الحجاج،.. يا معشر الجبناء، ثم أمر بالسيف والنطع - النطع شيء يوضع تحت من سيقتل من أجل ألا يؤذي دمه الأثاث، أمر بالسيف والنطع، ودعا بالسياف، مثل هذا السياف واقفاً بين يديه، ثم وجه إلى الحسن بعض جنده، وأمرهم أن يأتوا به ليقطع رأسه، وينتهي الأمر، وما هو إلا قليل حتى جاء الحسن فشخصت نحوه الأبصار، ووجفت نحوه القلوب، فلما رأى الحسن السيف والنطع والسياف حرك شفتيه، ثم أقبل على الحجاج وعليه جلال المؤمن، وعزة المسلم، ووقار الداعية إلى الله، فلما رآه الحجاج على هذه الحال هابه أشدّ الهيبة، وقال له: ها هنا يا أبا سعيد، تعال اجلس هنا، فما زال يوسع له ويقول هاهنا، والناس لا يصدقون ما يرون، لقد طلب ليقتل، والنطع جاهز، والسياف واقف، وكل شيء جاهز لقطع رأسه، فما الذي حصل؟ وكيف يستقبله الحجاج ويقول له: تعال إلى هنا يا أبا سعيد، حتى أجلسه على سريره، ووضعه إلى جانبه، ولما أخذ الحسن مجلسه التفت إليه الحجاج، وجعل يسأله عن بعض أمور الدين، والحسن يجيبه عن كل مسألة، فقال له الحجاج: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد ما الذي حصل؟ ثم دعا بأغلى نوع من أنواع الطيب الغالية جداً وطيب له بها لحيته، وودعه، ولما خرج الحسن البصري من عنده تبعه حاجب الحجاج وقال له: يا أبا سعيد لقد دعاك الحجاج لغير ما فعل بك، دعاك ليقتلك فما الذي حصل؟ والذي حدث أنه أكرمك، وإني رأيتك عندما أقبلت ورأيت السيف والنطع قد حركت شفتيك، فماذا قلت بربك؟ فقال له الحسن: لقد قلت: يا ولي نعمتي، يا ملاذي عند كربتي، اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم، قال تعالى:

﴿الَّذينَ يُبَلِّغونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخشَونَهُ وَلا يَخشَونَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾

[سورة الأحزاب: ٣٩]

 والله الذي لا إله إلا هو هذا يحصل لكل مؤمن، إذا كنت مع الله كان الله معك، إذا كان الله معك فمن عليك؟ يا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟ ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي، أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السموات والأرض، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه.

 

من كان مع الله كان الله معه :

 أخواننا الكرام، إذا كان الله معك فمن عليك؟

كن مـع الله ترّ الله معك  واتـرك الكل وحاذر طمعــك
و إذا أعطـاك من يمنعه  ثم من يعطـي إذا ما منعك
* * *

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنـــا  فإنا منحنـــــــــا بالرضا من أحبنــــــــــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنــابنــــــــــــا  لنحميك مما فيه أشـــــــرار خلقنـــــــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغــــل  وأخلص لنا تلقى المســــــرة والهنــا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكن  فما القرب والإبعــــــــاد إلا بأمرنـــــــــا
فيا خجلي منه إذا هـو قال لـــــي  أيا عبدنــا ما قـــــــــرأت كتــــــــــــابنــــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جــرى  أما تختشي من عتبنا يوم جمعنـا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً  وتنظر ما به جــــــــــــاء وعدنــــــــــــــا
فأحبابنا اختاروا المحبة مذهبـــــــاً وما  خالفوا في مذهب الحب شرعنا
فـلو شاهدت عيناك من حسننــــــا  الذي رأوه لما وليــــــــــت عنا لغيرنــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبــــــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـــة  لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنــــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعـــــى  سهولته قلنا له قــــد جهلتنـــــــــــــــــــــا
فأيسر ما في الحب للصب قتـله  وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنــــا
* * *

 هذه القصة والله بالإمكان أن تجري مع كل مؤمن، ولا تنسى هذه المقولة: إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن نوحد الله توحيداً صحيحاً حتى نعتز به، وحتى نكرم من قبله.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018