الدرس : 2 - سورة ق - تفسيرالآيات 12- 29 ، إحصاء أعمال الإنسان عليه و محاسبة الله له - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 2 - سورة ق - تفسيرالآيات 12- 29 ، إحصاء أعمال الإنسان عليه و محاسبة الله له


1995-06-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني من سورة ( ق )، ومع الآية الثانية عشرة.

توعد الله من حاد عن منهجه بالعذاب الأليم:

 قال تعالى:

 

﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) ﴾

 ليس القصد في هذه الآية ذكر التفاصيل، إنما القصد أن هذا المنهج الذي جاء به الأنبياء من حاد عنه لقي العذاب الأليم.
الشيء الذي يلفت النظر هو أن تأويل القرآن أحياناً هو وقوع الوعد والوعيد، فهناك مبادئ نظرية، وهناك تصديقاتٌ عملية، المبدأ النظري أن هذا حلال وهذا حرام، وأن هذا حقٌ وهذا باطل، وأن الذي يفعل ما أُمِرَ به يلقى أحسن الجزاء، وأن الذي يقترف ما نهى الله عنه ينال أسوأ الجزاء.

 

 

إنزال العذاب الأليم بالأقوام السابقة:

 لذلك:

 

﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾

 البئر.

 

﴿ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ ﴾

 أصحاب الأيكة قوم شعيب، والأيكة: الأشجار الملتفة.

 

 

﴿ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾

 الوعيد الذي أوعدهم الله به وقع.

 

 

قدرة الله عز وجل في إعادة خلق الإنسان من جديد كما خلقه أول مرة:

 

﴿ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾

 في الخلقِ الأول، خلق الله جلَّ جلاله الإنسان في أحسن تقويم، والذي خلقه أولَ مرة قادرٌ على أن يعيده في المرة الثانية.

 

﴿ بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾

 هل تعبنا ؟

 

 

﴿ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾

 استفهام إنكاري.
 لو أن خلق الإنسان في الأصل أشار إلى تعبٍ أو إلى جهدٍ أو إلى خلل لكان من المحتمل أن يكون الخلق الثاني غير قائم.

 

 

الله سبحانه و تعالى يعلم السر و أخفى:

 

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾

 الوسوسة حديث النفس، ويمكن أن تُسمي ذلك الخواطر، الخواطر التي تَرِدُ على ذهنك، يمكن أن تسمي ذلك حديث النفس فيما بينك وبين نفسك، فالإنسان له حالتان، حالةٌ يتكلم بها مع الآخرين، وحالةٌ يصمت بها، وهو صامت هناك نشاطٌ ذاتي، هناك حديثٌ، وعرضٌ، وأخذٌ وردٌ، وسؤالٌ وجوابٌ، واقتراحٌ ورفضٌ، وتطلعٌ وأملٌ، ورغبةٌ ورهبةٌ وخوفٌ، حديث النفس لا ينقطع.
 اركب مركبةً عامةً إلى بلدةٍ بعيدة، طوال الطريق وأنت تحدِّث نفسك، سَمِّها إن شئت الخواطر، سمِّها إن شئت حديث النفس، على كلٍ كل شيءٍ تبطنه يعلمه الله عزَّ وجل، بل إن الله سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى، يعلم ما أسررته في نفسك، وأخفيته عن الخلق، ويعلم ما خفي عنك، هذا معنى قول الإمام علي كرم الله وجهه: " علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ".

 

﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾

 

( سورة الملك )

 من لوازم الخلق العلم، الخالق هو الذي يعلم.

 

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾

 

تبدأ استقامة الإنسان عندما يعلم أن الله يعلم كل شيء:

 أيها الأخوة، النقطة الدقيقة جداً أنك إذا أيقنت أنك مكشوف، وأن كل خواطرك مكشوفةٌ عند الله، وأن كل تطلعاتك ظاهرة معلومةٌ عند الله، وأن كل حواراتك الداخلية مكشوفةٌ عند الله، وأن حديث النفس يعلمه الله، وأن النوايا يعلمها الله، فما خبّأت عن الناس فهذا كله يعلمه الله عندئذ ستستقيم.
 المشكلة أنك إذا أيقنت أن الله يعلم فلا شك أنك تستقيم، لأنك إذا أيقنت أن زيداً مـن الناس يعلم، وزيدٌ مقتدرٌ عليك، ويعلم جميع حالاتك فلا يمكن أن تحيد عن أمره، وهذا شأن الناس مع الأقوياء، إذا أيقنت أن زيداً أو عبيداً يعلم سرَّك وجهرك، يعلم ما تفعل، لا أقول: يعلم سرك، يعلم ما تفعل، وهو مقتدرٌ عليك فلا يمكن أن تعصي أمره، إذاً متى تبدأ بالاستقامة على أمر الله، ما هو المنطلق كي تستقيم ؟ المنطلق أن تعلم أن الله يعلم، إذا علمت أن الله لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى، يعلم حديثك الذاتي، علمت عندئذٍ أنك مكشوف عند الله تماماً، طبعاً قد تقول: الذي تقوله يعلمه الناس، لكن الله سبحانه وتعالى أشار إلى حديثٍ ذاتيٍ نفسي، لا يمكن لأحدٍ أن يعلمه، هذا الذي تُخْفيه عن الناس يعلمه الله، فَلأَن يعلم جهرك من باب أولى، إذًا الله سبحانه يعلم سرك، وحديثك الذاتي الذي لا يمكن أن يطلع عليه أحدٌ من البشر أبداً، اجلس بين قوم واسكت، هل يستطيع أحدٌ مهما أوتي من الذكاء والخبرة والفراسة والعلم وقوة الشخصية أن يعلم ماذا يدور في خلدك ؟ أبداً، قد تبتسم، وفي الداخل تبكي، قد تمدحه بلسانك، وفي الداخل تلعنه، أيستطيع إنسان كائن من كان أن يعلم ما يدور في خلدك ؟ لكن الله يعلم.

 

العلم والقدرة صفتان من صفات الرحمن:

 أيها الأخوة، دققوا في هذه الآية:

 

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾

 

( سورة الطلاق )

 ربنا جلَّ جلاله اختار من بين الصفات كلها صفتين ؛ العلم والقدرة، إذا أيقنت أيها الإنسان أن الله يعلم، وأنت في قبضته وسيحاسبك، وأنا أعني ما أقول، وفي حدود ما أقول، يستحيل أن تعصيه، لأنك لن تعصي مخلوقاً ولو كنت لا تحبه إذا كان علمه يطولك، وقدرته تطولك، أبداً لن تعصي مخلوقاً لا تحبه بشرط أن علمه يطولك، وأن قدرته تطولك، فكيف بخالق الأكوان ؟

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾

 

( سورة الطلاق )

 لذلك: إذا أردت أن تستقيم على أمر الله في سرك وجهرك، في خلوتك وجلوتك فتيقَّن أن الله يعلم ما تفعل، وما تقول، وما تحدِّث به نفسك.

 

علم الله و محاسبته للإنسان تحمل العبادَ على طاعته:

 لو أن شريكين اتفقا على شراكةٍ أبدية، لكن في ذهن الأول أنه لمجرد أن يتقن الخبرة من الثاني يلقيه خارج الشركة، فالله يعلم ذلك، لو تزوَّجت امرأةً وفق الشروط الشرعية ؛ بمهرٍ وشهودٍ، وإيجابٍ وقبولٍ، وفي نيتك أن تطلقها بعد نهاية الدراسة، فالله يعلم، فكلمة: ( يعلم ) تحمل العبادَ على طاعة الله، يعلم وسيحاسب، يعلم كل أحوالك، وأنت في قبضته وسيحاسبك.

 

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾

 أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الآية واضحةً لديكم:
 يعلم كل شيء، وأنت في قبضته وسيحاسبك، لذلك فإن ذرة عقل تمنعك أن تعصيه، ولا يمكن ذلك، لأنك تعامل المخلوق هكذا، تعامل مخلوقاً من جنسك وهو بشر، وقد لا تحبه، قد تحتقره، لأنه يعلم مخالفتك لهذا القانون، ولأنك في قبضته، وسيحاسبك، لذلك تستقيم على أمره، فإذا كان هذا شأنك مع بني البشر، فكيف ينبغي أن يكون شأنك مع خالق البشر ؟ الخواطر كلها يعلمها، النيَّات كلها يعلمها، التطلعات يعلمها، التصميمات يعلمها، الخطط التي ترسمها يعلمها، الذي تقوله ولا تعتقد به يعلمه، الذي تفعله، وتنوي عكسه يعلمه.

 

إطلاع الله عز وجل على سريرة الإنسان:

 لذلك ألا يستحي الإنسان من الله ؟ "عبدي طهرت منظر الخلق سنين أفلا طهَّرت منظري ساعة ". لا تجعل الله أهون الناظرين إليك، هو ينظر إلى قلبك.

 

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

( سورة الشعراء )

 إذا نظر الله إلى قلبك فإن كان في قلبك السلامة والتواضع، والعبودية ومحبة الخلق، ورغبتك في خدمتهم وهدايتهم، والأخذ بيدهم فهنيئاً لك، أما إذا نظر الله إلى قلبك فإذا كان فيه الحقد والحسد، والضغينة والعداوة، والبغضاء والنيَّات الخبيثة، والرغبة في أن تزول النعم عن الخلق، وأن تأتي إليك، فالويل لهذا الإنسان، ومن أسرَّ سريرةً ألبسه الله إيَّاها.
 و الله عزَّ وجل يقول:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾

 رب النيات.

أقرب شيء إلى الإنسان هو حبل الوريد:

 قال تعالى:

 

﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾

 حبل الوريد: الوريد هو هذا الذي في العنق، و الذي يغذي الدماغ، والذي يأتي من القلب مباشرةً، ولمجرد أن ينقطع هذا الوريد يموت الإنسان، هو جزءٌ من الإنسان، وأقرب شيءٍ إلى الكل بعض أجزائه، أقرب شيءٍ إلى الكل.. ( الإنسان )أجزاؤه الداخلية، إن أجزاءه الداخلية أقرب شيءٍ إليه من أي شيءٍ خارجيٍ عنه، فأقرب شيء إليك حبل الوريد.

 

 

معنى القرب في: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ:

 

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾

 قال بعض العلماء: القرب هنا ليس قرب الذات، بل قرب العلم والقدرة، أي أقرب إليك بعلمه، وأقرب إليك بقدرته من حبل الوريد، كيف أن حبل الوريد أقرب شيءٍ إليك، وأخطر شريانٍ فيك، فالموت موت الدماغ، فإذا انقطع الدم عن الدماغ يموت الإنسان على الفور، فهذا الحبل الذي يغذِّي الدماغ، والذي بقطعه يموت الإنسان، فكما أن هذا الحبل تتوقف عليه حياتك، وهو جزءٌ منك، وهو أقرب شيءٍ إليك، الله جلَّ جلاله أقرب إليك بعلمه، وأقرب إليك بقدرته من حبل الوريد.

 

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾

 

 كل المشكلة تحل إذا علمت أن الله يعلم، كل مشكلتك مع الله تحل إذا انطويت على قلبٍ سليم، على نفسٍ طاهرة، على عملٍ وفق منهج الله.

وظيفة التفكر في الموت:

 أيها الأخوة، ذكرت مرةً أن التفكُّر في الموت له وظيفةٌ إيجابيةٌ جداً، وظيفته الإيجابية أن التفكر في الموت يبقيك على الصراط المستقيم، ويمنعك من الانزلاق يمنةً أو يسرة، وأن التفكر في الموت يدفعك إلى الله.
 هناك خطران ينتظران من يركب مركبةً، ويمشي بها في طريق:
 الخطر الأول: أن ينزلق يمنةً أو يسرة.
 والخطر الثاني: أن يقف.
 إن التفكر في الموت يدفعك إلى الله، ويمنعك من السقوط، وأحد أسباب الاستقامة أن تعلم أن الله يعلم، إذا كان يعلم سرَّك فَلأَن يعلم جهرك من باب أولى، إذا كان يعلم خواطرك وحديث نفسك ونيَّاتك المستقبلية فلأن يعلم أعمالك من باب أولى، وحينما يعلم فهو قدير.

 

الله عزَّ وجل أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد علماً وقدرةً:

 دقة التفسير أن الله عزَّ وجل حينما قال:

 

 

﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾

 أي أقرب إليه بعلمنا، وأقرب إليه بقدرتنا، أحياناً تعرف إنساناً قادراً، لكن تتصل به، ولا تجده، فهو بعيدٌ عنك، هو قادر، لكنه بعيدٌ عنك، أنت في الطريق، وهو في البلدة، تتصل به فلا تجده، لأنه مسافر، وأنت في أمسّ الحاجة إليه، ولو تدخَّل فربما أنقذك مما أنت فيه، لكن قدرته ليست قريبةً منك، بل هي بعيدةٌ عنك، الله عزَّ وجل أقرب إليك من حبل الوريد علماً وقدرةً.

 

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾

 

( سورة البقرة )

قدرة الله عز وجل في نجاة الإنسان إذا كان ذا نية حسنة:

﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾

( سورة الشعراء )

 والحقيقة أن الهلاك كان محقَّقاً، لأن أصحاب موسى شرذمةٌ قليلون، كما قال فرعون، وما أدراكم ما فرعون بجبروته، وجيشه، وأتباعه، وقوته، وحقده، وتكبره، وهم يتبعون أصحاب موسى، والبحر أمامهم، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ(62)﴾

( سورة الشعراء )

 سيدنا إبراهيم قبل أن يلقى في النار جاءه جبريل عليه السلام قال: يا إبراهيم، ألك حاجة ؟ قال: منك ؟ قال: لا، من الله، قال: علمه بحالي يغني عن سؤالي.

 

إذا كنت في كل حالٍ معي  فعن حمل زادي أنا في غنى
* * *

 

حفظ الله المؤمن و تأييده و توفيقه في كل أموره:

 فالله عزَّ وجل علمه معك، وقدرته معك، أيضاً هناك آيةٌ يحسن أن نذكرها الآن، فالله عزَّ وجل يقول: والله معكم أينما كنتم، قالوا: هذه معية العلم، لكن حينما قال:

 

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

 

( سورة الأنفال )

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾

( سورة البقرة )

 قالوا: هذه معية خاصة، هذه معية الحفظ والتأييد، والنصر والتوفيق، فالله معنا.

 

كن مع الله ترَ الله معك  واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنعه  ثم من يعطي إذا ما منعك؟
* * *

 

المؤمن الصادق خلوته كجلوته:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾

 لذلك من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله، فالمؤمن الصادق مراقبته لله في خَلوته كجلوته، وفي سره كعلانيته، المؤمن الصادق ليس في حياته ازدواج أبداً، بل هو في انسجام كامل، ما في قلبه يكون على لسانه، ما يفعله في خلوته يفعله في جلوته، وما يفعله في جلوته مع الناس يفعله في خلوته.

 

إحصاء أعمال الإنسان عليه من قبل الملائكة الذين وكلهما الله بهذا:

 

﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾

 المتلقيان الملَكان، أنت حينما تصلي تقول: السلام عليكم ورحمة الله يمنة، السلام عليكم ورحمة الله يسرةً، إنك تسلِّم على الملكين الذين أوكلهما الله بكتابة الحسنات والسيئات، المتلقيان سُمّيا كذلك لأنهما يتلقيان أعمال الإنسان الخَيِّرة والشريرة، لكن الله عزَّ وجل يقول:

 

﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾

 علماً وقدرةً.

 

 

﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾

 إذ ظرف.
 أعماله الصالحة وأعماله السيئة، والله أعلم بأعماله من الملكين الموكلين بكتابة أعماله.

 

 

علم الله عز وجل بأعمال الإنسان:

 

﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)دٌ﴾

 أيها الأخوة، لو أن إنساناً راقب إنساناً لحمله على الاستقامة، لو أن إنساناً روقب في كلامه وفي حركاته، وفي غدواته وروحاته، وفي تحركاته لوجدت منه العجب العجاب في الانضباط، يقول لك: أنا مراقب، فكيف إذا كان الذي يراقبك قيّوم السماوات والأرض ؟

 

﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

 قالت: يا رسول الله إنها قصيرة، تصف ضرّتها صفية قال:

 

((يا عائشة لقد قلتِ كلمةً لو مزجت بمياه البحر لأفسدته ))

 ماذا قالت ؟ قصيرة فقط، فكل كلمةٍ تقولها.

 

﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾

 

معنى يلفظ:

 معنى يلفظ: يتكلم، ومنها لَفَظَ الطعام أي أخرجه، أي كلمةٍ تخرج من فمك، حتى إن بعض المفسرين قال: إن أنين المريض يُسَجَّل عليه.

﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

معنى رقيب عتيد:

 رقيبٌ يَرْقُبُ أعماله، وعتيدٌ يملك ناصيته، عتيدٌ جاهز متملِّك، رقيبٌ مراقب، يعلم ومتمكن.

﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ(18)﴾

 تجد معظم الناس، بل تجد معظم المسلمين لا يدخلون هذا في حساباتهم اليومية، وهـو يتكلم، وهو يمزح، وهو يقسم بالله أن هذه السلعة لا يبيعها إلا بأقل من رأسمالها، والحقيقة ليست كذلك، هذا الذي يقوله الإنسان قد لا يدخل في حساباته أنه مسجلٌ عليه.

﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

العاقل من يفكر بكل كلمة قبل أن يقولها و يحاسب عليها:

 قبل أن تقول قولاً فاعلم أن القول مسجل، سهرتَ في مكان، ورأيت آلة تسجيل مفتوحة تسجل عليك، فكيف تتكلم عندئذٍ ؟ وهم أصدقاؤك، وليس هناك أحد غريب، ولو أنهم أصدقاء فأنت تتحرج، فكيف إذا علمت أن كل كلمةٍ تقولها مسجلة.

﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾

( سورة آل عمران: آية 181)

 هذا الإنسان حينما يأتي يوم القيامة تعرض عليه أعماله كما هي كشريط ؟ أحياناً حتى يوفروا على أنفسهم الأخذ والرد، فعلت أم لم تفعل ؟ يعرضون عليه شريطاً فيه أعماله، فيسكت، أنت خالفت، كنت في هذا الطريق في الساعة الفلانية، السرعة زائدة عن المقرر، يقول: لم أكن في هذا الطريق، فتبرز له صورة سيَّارته وسرعتها والوقت والزمان وكل شيء، يسكت، أحياناً عرضُ الصورة يُسكت، فما قول هذا الإنسان يوم القيامة إذا عُرضت عليه أعماله كأنه يراها حيةً كما وقعت ؟

 

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾

 

( سورة الإسراء )

عرض أعمال الإنسان يوم القيامة عملاً عملاً:

 اكتشفوا مؤخراً أنّ الإنسان إذا مشى مع الضوء توقَّف الزمن، فإذا سبق الضوء تراجع الزمن، نحن في هذا المجلس أجسام عاكسة للضوء، هذا منبع ضوئي، ونحن أجسام عاكسة، إذاً يخرج منا موجات، هذه الموجات تسير بسرعة ثلاثمئة ألف كيلو متر في الثانية، هذه سرعة الضوء، لو تصورنا أن إنساناً سار معها لتوقف الزمن، هذا المجلس يبقى إلى أبد الآبدين، ما دامت هذه الموجات تنتقل عبر الفضاء الخارجي، ومادام هذا الذي يسير معها يراها إذاً: هذا المنظر يبقى إلى أبد الآبدين، مع أننا قد نكون جميعاً تحت أطباق الثرى، فإذا سار الإنسان مع الضوء توقَّف الزمن، وإذا سبق الضوء تراجع الزمن.
 ومن باب الخيال العلمي يمكن لو أننا سبقنا الضوء أن نرى معركة اليرموك، يمكن أن نرى معركة القادسية كما هي حقيقةً، لأن هذه المعركة صدر عنها موجات ضوئية إلى الفضاء الخارجي، وإذا سجَّل الإنسان الصوت والصورة، ونقلهما عبر الأقمار، فهو عن طريق الحاسوب يقرأ أربعمئة وخمسين مليون حرف في الثانية الواحدة، هذا حال الإنسان، فهل يعظم هذا على الواحد الديَّان ؟

 

ازدياد حرص الإنسان على طاعة الله إذا عرف أن الله يعلم كل شيء:

 تأكدوا أيها الأخوة، أن أعمالنا جميعاً مسجَّلة علينا صورة وصوتاً، ملونة، ويوم القيامة تعرض عليك، ويقال لك: لماذا فعلت كذا ؟

 

 

﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

 فكلما كبر عقلك ازداد انضباطك، وكلما عرفت أن الواحد الديان مُطلعٌ عليك ازداد حرصك على طاعته.

 

 

﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ(19)﴾

 

كتابة الحسنة فوراً والسيئة لا تكتب إلا بعد الإصرار عليها:

 كلاهما قعيد، وقعيد على وزن فعيل.
 فهُما رقيب يراقب، وعتيد متملِّك.
 لكن ورد في الحديث الشريف أن:

 

(( مَلَك اليمين أميرٌ على ملك الشمال ))

 بمعنى أن الإنسان إذا فعل حسنةً سارع ملك اليمين فيكتبها له عشر حسنات، أما إذا اقترف سيئةً فملك اليمين يأمر ملك الشمال أن يتريَّث سبع ساعات، فلعله يستغفر، فلعله يتوب، فلعله يندم، لا تكتب إلا بعد أن يصر، وهذا معنى قوله تعالى:

 

 

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾

 

( سورة البقرة: آية " 286 " )

 والزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، أي أن الإنسان حينما يفعل سوءاً تدرس نيَّته، ويدرس قصده، ويعطى مهلةً للتوبة وللندم، فإذا كان قاصداً هذه المعصية، ولم يندم عليها، وأصر عليها عندئذٍ تكتب، إذاً: ملك اليمين أميرٌ على ملك الشمال، الحسنة تكتب مباشرةً بعشر أمثالها، والسيئة لا تكتب إلا بعد الإصرار عليها.

 

وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ: من معاني هذه الآية:

 

﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾

 النبي عليه الصلاة والسلام سيد الخلق وحبيب الحق، سيد ولد آدم، حبيب الله، خليل الله، ومع ذلك حينما جاءته سكرة الموت قال:

 

(( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ ))

 

[متفق عليه عن عائشة]

﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾

1 ـ أن سكرة الموت جاءت بالحق الذي سمعه الإنسان في الدنيا:

 من بعض المعاني التي تستنبط من هذه الآية:
 أن سكرة الموت جاءت بالحق الذي سمعته في الدنيا، رأيت الحق رأي العين، سمعت أنت أن الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء، سمعت أن الدنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها إلا ذكر الله، وما والاه، كل شيءٍ سمعته في الدنيا من كلامٍ، أو فكرةٍ سمعتها، فعند الموت تراها رأي العين.
 مثلاً: قيل لك: وراء الجدار نار، هذا كلام، لكن نظرت فرأيت دخاناً وراء الجدار، فقلت بعقلك: لا دخان بلا نار، أول شيء كان كلاماً يحتمل الخطأ والصواب، فهذا خبر يحتمل الكذب والصدق، لكنك حينما رأيت دخاناً وراء الجدار دلك عقلك على أنه لا دخان بلا نار، فتحرَّكت وراء الجدار، فرأيت لهيب النار، كنت أولاً بالخبر، ثم صرت بعلم اليقين، ثم لما رأيت لهب النار صرت بحق اليقين، فاقتربت من النار، فشعرت بوهجها، فصرت في عين اليقين، أولاً خبر، ثم علم يقين، ثم حق يقين، ثم عين يقين.
 حينما يستمع الإنسان في حياته الدنيا إلى خطب في المساجد، إلى دروس تفسير، مواعظ، يقرأ كتباً، يستمع إلى أشرطة، كلها معلومات، هذه آيات، وأحاديث، وأدلة، وأقوال علماء، وفكرة عن الجنة والنار... إلخ، أما حينما يموت فكل هذا الذي سمعه يراه رأي العين.

﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾

طلب العبد من الله أن يؤخر أجله:

 لذلك يقول الإنسان عند الموت:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

( سورة المؤمنون )

 هناك طلبٌ من العبد أن يُؤخره الله:

﴿ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(11)﴾

( سورة المنافقون )

ندم الإنسان بعد رؤية الموت رأي العين:

 عند الموت:

 

﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾

 

( سورة الفجر )

 عند الموت:

 

﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾

 

( سورة الفرقان )

 عند الموت:

 

﴿ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً﴾

 

( سورة الفرقان )

 عند الموت:

 

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾

 

( سورة الفرقان: آية " 27 " )

 هذا كله عند الموت لأنه رأى الحقيقة، رآها رأي العين، كانت خبراً، وعلم يقيـناً، ثم أصبحت عين اليقين، وحق اليقين.

 

2 ـ الموت جاء بالحق:

 

﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾

 من معاني هذه الآية: الموت جاء بالحق، وحَقَّ الشيءُ: استقر، الشيء اليقيني، فلو فرضنا أن شخصاً قيل له: دكانك احترقت، هذا خبر، والخبر يحتمل الصدق والكذب، مشى باتجاه دكانه فرأى شخصاً قال له: احترقت دكانك، هذا خبر، لكن تَقَوّى الخبر الأول، ثم شخص ثالث، ورابع، أصبح هناك تواتر، أما حينما وصل إلى الدكان، ورآها قد احترقت هذا وصل إلى الحقيقة، رأى الأخبار كلها أصبحت حقائق أمامه.

 

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط:

 فلذلك إخواننا، سأقول لكم كلمة: نحن مخيَّرون، لكن خيارنا مع أشياء كثيرة خيار قبول أو رفض، أتسافر ؟ يقول لك: لا، أتسكن هذا البيت ؟ يقول: لم يعجبني، أتشتري هذه المركبة ؟ لا أحبها، أتتاجر ؟ يقول لك: نعم أتاجر، هناك أشياء كثيرة تعرض عليك، وأنت تقبل بعضها، وترفض بعضها الآخر، نقول: أنت مخيَّر، وخيارك خيار قبولٍ أو رفض، إلا أن خيارك مع الإيمان هو خيار وقت فقط، دقق في هذه الكلمة: خيار وقت، أي أنّ أكفرَ كُفَّار الأرض يقول: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، هذا الذي قال: أنا ربكم الأعلى، هذا الذي قال: ما أرى لكم من إلهٍ غيري، هذا الذي ادعى الألوهية، حينما مات، وغرق قال:  آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، دققوا، خيارنا مع الإيمان خيار وقت، إما أن نؤمن الآن قبل فوات الأوان، ونحن أصحاء.

 

 

(( اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك ))

 

[الحاكم عن ابن عباس بسند صحيح]

ما مضى فات والمؤمل غيب  ولك الساعة التي أنت فيها
* * *

الموت ينقل الإنسان من علم اليقين إلى حق اليقين:

 لا تملك إلا الساعة التي أنت فيها، فالماضي لا يعود، والمستقبل لا تملكه، من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت فإذا قلت: غداً سأدفع ما عليّ من رسوم الهاتف، سأسدد إيصال الهاتف غداً، أنت لا تعرف حقيقة الموت، الموت أسرع من ذلك، يخطف الناس خطفاً خلال ثانية، يكون شخص ملء السمع والبصر فإذا هو كلماتٌ على الجدران، المرحوم فلان، عميد أسرتهم، الشاب، الشابة، إثر حادث أليم، إثر نوبة قلبية، ألا ترون هذا كل يوم ؟ واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا.

 

﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾

 

 فيا أيها الأخوة الكرام، الموت ينقلك من علم اليقين إلى حق اليقين، ينقلك من أفكارٍ منطقية سمعتها إلى مشاهداتٍ حقيقية تراها، خيارنا مع الإيمان هل هو خيار قبولٍ أو رفض ؟ لا والله، إنما هو خيار وقت، إما أن نؤمن قبل فوات الأوان، أو لابد من أن نؤمن بعد فوات الأوان، إما أن نؤمن، ونستفيد من إيماننا، أو أن نؤمن من دون أن نستفيد من الإيمان شيئاً، فتزداد الحسرة والندم.

على الإنسان أن يكثر من ذكر الموت لأنه يذكر بالآخرة:

 إن أكثر الناس لا يستطيع أن يتصور أنه سيموت، يدخل في حساباته كل شيء، يقول لك: بعد عشرين سنة إذا كانت أنابيب التدفئة المركزية فسدت أدعها في مكانها، وأجعل التمديد خارجياً، كل شيء أدخله في حسابه إلى ما ِبعدِ عشرين أو ثلاثين سنة، أما أنه سيموت ؟ فلم يحسب حسابه !
 هناك أناسٌ لا يحبون سماع القرآن، لأنه يذكِّرهم بالآخرة، أو لأنه يتلى في المناسبات الحزينة، هناك أناسٌ لا يحبون أن يروا قبراً، بل إن هناك بلاداً تقيم فيها خمسين عاماً لا ترى فيها جنازة، ولا نعياً، ولا إعلاناً عن موت، كل شيءٍ ينبئ بالحياة لا بالموت، مع أن ذكر الموت مفيد جداً، النبي الكريم قال:

 

(( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ ))

 يَعْنِي الْمَوْتَ

 

 

[الترمذي، النسائي، ابن ماجه، أحمد ]

 

(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارق، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به ))

[الجامع الصغير عن جابر بسند حسن]

﴿ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾

إكرام الله عز وجل للمؤمن بأن يأتيه الموت بأحلى صورة:

 هناك رجل أمضى حياته في المعاصي، فلما مرض مرضاً عضالاً أخفى عنه أهله ذلك، أما حينما أخبروه صارت تأتيه نوبات هستيرية كل ربع ساعة، يقول: لا أريد أن أموت، ثم حينما جاءه ملك الموت صاح صيحةً يقول لي شريكه: ما بقي في البناء المؤلَّف من أربعة طوابق إنسان إلا وسمع صيحته، من الذعر الذي أصابه.
 والله عزَّ وجل أعطانا مقياساً.

 

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

 

( سورة الجمعة )

﴿ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾

 تمنّي الموت مِحَكٌ خطير، الإنسان المستقيم، التائب، الذي عمله طيب وفق منهج الله لا يخيفه الموت، يقول: مرحباً بلقاء الله، بل إن الله سبحانه وتعالى يُكَرِّم عبده المؤمن بأن يأتيه ملك الموت بصورة أحب الناس إليه على الإطلاق، أناسٌ كثيرون، وهو على فراش الموت يقول: هذا عمكم قد جاء، أي أخوه، يَعجب أولاده أن عمهم قد مات منذ سنواتٍ عدة ! والمؤمن حينما يرى مقامه في الجنة، ويرى رضوان الله قد أسبغ عليه، يقول: لم أر شراً قط، كل شيءٍ ساقه الله له في الدنيا من متاعب هذه يراها وكأنها إكرام إلهي، لذلك اعمل عملاً يسرّك.

من أدخل الموت في حساباته اليومية أصبح حسابه يوم القيامة يسيراً:

 إن الإنسان حينما يولد كل من حوله يضحك فرحاً به، لكنه يبكي وحده، أما حينما يموت كل من حوله يبكي، فإذا كان بطلاً فهو وحده الذي يضحك، فإن قررت عند الموت أن تضحك وحدك فأنت بطل، لأن ساعة الموت إذا أدخلتها في حساباتك اليومية ؛ في قبض المال، وإنفاقه، بإطلاق البصر، وبغضه، بزواجك، بتزويج بناتك، بكل نشاطاتك، إن أدخلت حساب الموت في حياتك فقد وصلت إليه، وقد حاسبت نفسك حساباً عسيراً، فجعل الله لك حسابك يسيراً.

 

(( لا أجمع على عبدي أمنين وخوفين، إن أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة، وإن خافني في الدنيا أمَّنته يوم القيامة ))

 

[الجامع الصغير عن شداد بن أوس بسند حسن]

 فنحن كلنا سوف نموت، صدر قرار مع وقف التنفيذ بأن نموت، القرار صادر منتهٍ، لكن مع وقف التنفيذ.

 

﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾

 

( سورة الزمر )

الإنسان لن يفلح بشيء إلا إذا جعل الموت نصب عينه:

 مرة سألوا طالباً نال المرتبة الأولى على القطر في الشهادة الثانوية: قالوا له: اذكر لنا أحد الأسباب التي حملتك على التفوُّق ؟ فأجاب إجابة رائعة، قال: إن لحظة الامتحان لم تغادر مخيلتي طوال العام، طوال السنة، والطلاب المتفوقون تكون ساعة الامتحان ماثلة أمامهم طوال العام الدراسي، فكلما نازعته نفسه ليتفلت من منهجه الدراسي عاد إلى غرفة درسه ليدرس، ويذاكر، لذلك نحن نفلح إذا جعلنا الموت نصب أعيننا، ولا يقولنّ أحدكم: الموت يدعو إلى التشاؤم، لا.. على الإنسان أنْ يدرس، ويتزوج، ويتاجر، ويؤسس عملاً، لأن النيات طيبة، هذا جزء من رسالتك في الحياة، فالأعمال المباحة بالنيات الطيبة تنقلب إلى عبادات، لم يعد لديك ازدواجية في حياتك، لأن زواجك من العبادة، وعملك من العبادة، وكل نشاطاتك من العبادة، فما معنى أن يفكر الإنسان في الموت، ويحسب له حساباً دقيقاً، ويرتب كل أموره وفق هذه الساعة التي يلقى الله بها ؟ ليس معنى ذلك أنه سيقيد، لا، بالعكس سيتحرك، كان عبداً لشهوته فأصبح حراً، كان عبداً لبطنه، أو لفرجه، أو لخميصته، أو للدرهم والدينار، فأصبح حراً، أساساً ربنا عزَّ وجل قال:

 

﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾

 

( سورة البقرة: آية " 5 " )

الإيمان قيود و حدود و الفسق تفلت و انحراف:

 الإيمان كله قيود، كله حدود، افعل، لا تفعل، حرام، حلال، ومع ذلك الهدى يرفعك إلى أعلى عليين.
 وأما الفسق والفجور فكله تفلُّت، ومع ذلك:

﴿ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

( سورة الزمر )

 فهو إما أنه يعاني مرضَ كآبةٍ، و إما أنه مودَعٌ في السجن، لأنه تفلت من منهج الله عزَّ وجل.

 

احتضار الإنسان و عرض جميع أعماله أمامه:

 

﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾

 هذا الاحتضار، والمؤمن يرى مقامه في الجنة فيقول: لم أر شراً قط، والكافر يرى مكانه في النار فيقول: لم أر خيراً قط، يكون في دنياه قد سافر، وتنقّل كيفما يشاء، وأكل أطيب الطعام، ومتَّع عينيه بأجمل النساء، وما ترك مكاناً إلا وذهب إليه، وفعل كل ما يشتهي، وانغمس في كل الملذات إلى قمة رأسه، وعاش في مجتمعٍ كما يقولون مجتمع التفلت، وفعل كل ما يشتهي، وعندما يرى مكانه في النار يقول: لم أر خيراً قط.
 و كمثال على هذا: إذا دعي شخص إلى خمسين وليمة، وكل وليمة أفخر من الثانية، وأصابه ألمٌ شديد في أسنانه في الليل، لو تذكر الولائم الخمسين هل تنسيه هذا الألم ؟ يتذكر أنواع الأطعمة التي أكلها ؛ أنواع الفواكه والحلويات واللحوم، هل تذكُّر ألوان الطعام ينسيه ألم أسنانه ؟ لا، لأن واقعه الراهن أنه في عذاب.

 

وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ: فالسائق و الشهيد هما:

 

﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) ﴾

 يوم القيامة.

 

1 ـ الملكان الموكلان بحفظ أعمال الإنسان:

 أرجح التأويلات أنهما الملكان الموكلان بحفظ أعماله، ملكٌ يسوق النفس إلى الله، وملكٌ يشهد عليها.

 

 

2 ـ أو أعمال الإنسان:

 بعضهم قال: أعماله هي الشهيد.

 

 

3 ـ أو جوارح الإنسان:

 وبعضهم قال: جوارحه هي الشهيد.
 على كلٍ، أرجح الأقوال أن الملكين الموكَلين بكتابة أعماله واحدٌ يسوقه والثاني سيشهد عليه.

 

 

﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا ﴾

 

مرض الغفلة عن الله أخطر مرض على الإنسان بالنسبة لآخرته:

 أحياناً تكون هناك عصابة تسرق وتنهب، وتقتل وتأخذ الأموال، وتشرب الخمور، وتتعاطى المخدرات، ويأكلون أطايب الطعام، ويسرقون السيارات، ثم يقعون جميعاً في قبضة العدالة، ويساقون إلى السجن، يقال لهم: كنتم في غفلةٍ عن هذا المصير، هذا المصير ما حسبتم حسابه إطلاقاً.

 

﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾

 لذلك إخواننا الكرام، أخطر مرض على الإطلاق عند الناس في دنياهم ورم خبيث، لكن أخطر مرض على الإطلاق بالنسبة لآخرتهم مرض الغفلة عن الله غافل، لهم قلوبٌ لا يعقلون بها، لهم أعينٌ لا يبصرون بها.

 

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾

(سورة الأعراف)

﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾

(سورة الحج)

الأحمق من ترك كل ما هو مشروع إلى ما هو غير مشروع:

﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾

 الغفلة غطاء، ضمن قوقعة، إنسان جالس في بيت تحت الأرض، ولكن خارج البيت شمس، و مروج خضراء، و بساتين غنَّاء، و جبال خضراء، و رياحين، وأطيار، وجداول رقراقة، وهو في هذا القبو في رطوبة وظلام، هذه هي الغفلة، يعيش في شهوات، تفكيره محدود، قيمه مهزوزة، مبادئه أرضية، مطالبه مادِّية.

﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾

 أنت المخلوق المكرم، أودع الله فيك العقل لتعرفه، أودع فيك الشهوات لترقى إليه، ومع ذلك شهواته يمارسها بالطريق غير المشروع، ما من شهوةٍ أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفة، لكن المنحرف سلك مسلكاً في القنوات القذرة، ترك الزواج إلى الزنا، ترك المشروبات الطيبة إلى الخمر، ترك الطعام الطيب إلى لحم الخنزير، ترك ما هو مشروع إلى ما هو غير مشروع.

العاقل من يتيقن من الحقائق فبل فوات الأوان:

﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) ﴾

 لكن متى ؟ بعد فوات الأوان، إذا كان الطالب مقصراً، ولم يعرف أن يكتب شيئاً فــي الامتحان، ثم ذهب إلى البيت، وفتح الكتاب عرف الجواب الصحيح، ولكن متى ؟ بعد الامتحان، فليس لمعرفته الآن قيمة على الإطلاق، وما من طالب أساساً إن أخطأ في الامتحان إلا ويعود إلى البيت، ويفتح الكتاب ليرى ماذا ينبغي أن يكتب، يعلم ماذا ينبغي أن يكتب، ولكن بعد فوات الأوان، بعدما سلم الورقة بيضاء.

﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

 لذلك قال سيدنا علي: " والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً ".
 هل تستطيع أن تتيقن من الحقائق قبل كشف الغطاء كما هي بعد كشف الغطاء ؟ أحياناً يتنبأ طبيب لمدخّن بمرض قلبي، قال لي مرة طبيب قلب: تنبأت لإنسان مدمن على التدخين بمرض، قال له: أنت سوف تصاب بجلطة بعد ستة أشهر، قال لي: والله كما قلت وقع، فإذا تنبأ الإنسان بالحقيقة قبل أن تقع يكون بطلاً، سيدنا علي قال: " والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً "، لأن يقينه قبل كشف الغطاء كيقينه بعد كشف الغطاء، لذلك النبي الكريم سأل أحد أصحابه قال له:

((كيف أصبحت ))

 قال له: " أصبحت وكأني بعرش ربي بارزاً، وكأني بأهل الجنة يتنعمون وبأهل النار يتصايحون "، قال:

((عبدٌ نور الله قلبه عرفت فالزم ))

النار عاقبة كل إنسان عنيد مُصرّ على كفره:

 أنت مثلاً مدرس عريق، ورأيت طالباً مهملاً في الدراسة، من ملعب إلى ملعب، من صديق إلى صديق، كونك بالتدريس وعندك خبرة طويلة تقول: هذا الطالب بعد عشرين سنة سوف ينكمش، وينزوي حين يرى أصدقاءه بمراتب عليا، وهو متخلِّف عنهم، سيتألم، هذا ليس علم الغيب، هذا علم قوانين.

 

﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ﴾

 إما أنه الملَك الذي قارنه طوال حياته، أو الشيطان الذي كان معه.

 

﴿ أَلْقِيَا﴾

صفات أهل النار:

1 ـ الكفر و العناد:

 هذا الإنسان، أعماله، سجلاته كلها جاهزة، فقال الله عزَّ وجل مخاطباً الملكين:

﴿ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾

 كَفّار صيغة مبالغة، شديد الكفر، عنيد مُصِر على كفره.

 

2 ـ منع الخير:

 

﴿ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾

 الخير المطلق هو الدين، يصد الناس عن الدين، أو الخير المقيَّد، فعل الخير.

 

3 ـ الشك و العدوان:

 

﴿ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾

 كل حياته شك ليس عنده يقين، بل صفاته عدوان، على ارتياب، على منع للخير، على كفر، على عناد.

 

4 ـ الإشراك بالله:

 

﴿ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) ﴾

الشيطان لا سلطان له على الإنسان بنص القرآن الكريم:  قال تعالى:

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾

( سورة إبراهيم: آية " 22 " )

 إخواننا الكرام، الشيطان ليس له علينا سلطان بنص القرآن الكريم، وكل كلام خلاف ذلك خطأ ووهم وضلال.

 

القرين هو:

 

1 ـ إما الشيطان:

﴿ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾

 إما أن الشيطان الذي كان قرينه.

 

2 ـ أو الملك لشدة هول العذاب:

 أو أنه الملك لشدة هول العذاب قال له: يا رب، أنا كتبت أعماله فقط، لم أفعل شيئاً، ما زدت على أن كتبت، فإمّا أنه الملك، وإما أنه القرين، والقرين هو الشيطان.

 

 

دعوة الله الناس إلى عدم الاختصام لأن الوقت وقت حساب:

 

﴿ قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾

 ليس هذا الوقت وقت اختصام، أو أن الاختصام لا يجدي، كل شيء قد انتهى.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018