الدرس : 3 - سورة الطور - تفسير الآيات 29-49 ، الدعوة إلى الله فرض على كل مسلم - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 3 - سورة الطور - تفسير الآيات 29-49 ، الدعوة إلى الله فرض على كل مسلم


1995-08-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام مع الدرس الثالث والأخير من سورة الطور، ومع الآية التاسعة والعشرين.

أمر الله عز وجل للنبي الكريم بتذكير الناس مهما استخفوا بدعوته:

 قال تعالى:

﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ(31)َ﴾

 أولاً فذكِّر: أمرٌ من الله عز وجل للنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فما مسوِّغ هذا الأمر ؟ أي مهما أساءوا إليك، ومهما استخفوا بدعوتك، ومهما عارضوك، ومهما كذبوك، أنت عليك أن تُذكِّر.

 

﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)ٍ﴾

 

(سورة الغاشية: 21 ـ 22 )

 أنت لا تملكهم، لكن ذكِّرهم، ذكَّر، أيْ: فعل أمر موجه للنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يمكن أن ينسحب إلى المؤمنين، وأنت أيها المؤمن فذكِّر، ذكِّر مَن حولك، الإنسان مهيأ للهدى، مهما رأيته متلبساً بمعصية، عليك أن تذكره، لا تدري لعل كلمة تقع موقِعاً حسناً في قلبه، لعل قضية تعالجها تفعل فيه فعل السحر

﴿ فذكر﴾

 المؤمن يذكر لذلك:

 

(( بلغوا عني ولو آية‏ ))

 

[ أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمرو]

التدين فطرةٌ في الإنسان يحتاج إلى تذكرة:

 ذكرتُ اليوم أن الدعوة إلى الله تكون تارة فرض عين، وتارة فرض كفاية، فرض العين فيما أنت تعلم، في حدود ما تعرف، دون أن تزيد، ما من إنسان مسلم إلا ويحضر خطبة الجمعة، لأنها فرضٌ عيني على كل مسلم.

 

(( من ترك الجمعة ثلاث مرات، تهاوناً بها، طبع على قلبه ))

 

[ أخرجه ابن ماجه عن عبيدة بْن سفيان الحضرمي ]

 إذًا لا بد من أن تلتزم خطبة الجمعة، طيب ؛ في هذه الخطبة أليس فيها آية ؟ حديث ؟ حُكم ؟ موعظة ؟ لا بدّ أن يكون شيءٌ من ذلك، لو أنك حفظت تفسير آية، أو شرح حديث، أو موقف صحابي، وفي خلال الأسبوع في أي لقاء، في أي اجتماع، في سهرة، في ندوة، في سفر، إن كنتَ في وليمة فذكر، يريد القرآن الكريم أن يكون في حياتنا دعوة، فالله عز وجل وجَّه النبي عليه الصلاة والسلام أن يذكِّر، لكن كلمة (ذكر) ماذا تعني ؟ فأنت إذا رأيت منظراً، ثم ذكّرت به، ما معنى ذكرت به ؟ رأيته من قبل، وهذا الكلام هو تذكرة، يذكرك بشيءٍ رأيته، وأغلب الظن أن التدين فطرةٌ مودعة في الإنسان، يحتاج إلى تذكرة، النفس مصممة على الإيمان، مصممة على أن تعرف الله، تحتاج إلى تذكير.

 

صلح الإنسان مع الله أساسه كلمة طيبة:

 صدقوني أيها الإخوة: أن هناك حالات الاستجابة لدعوة من الإيمان والتوبة تلفت النظر، إنسان غارق في كل المعاصي، كلمة صادقة من إنسان صادق قلبته رأساً على عقب، حملته على التوبة، فلو استمعت إلى أيّ أخ كيف تعرف إلى الله، كيف تاب إلى الله، كيف اصطلح مع الله، فلا تعجب إنْ علمتَ أنَّ صلحه مع الله كان أساسه كلمة طيبة، كلمة طيبة صادقة، مخلصة، قال لك: ذكِّر، لك ابن ذكِّره، لك أخ ذكِّره، لك جار ذكِّره، لك شريك ذكِّره، صديق سفر ذكِّره:

 

 

﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾

 

(سورة الغاشية )

 الله سبحانه يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يذكِّر، وأنت يجب أن تقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام وتذكر، نحن في شهر المولد، والشام كلها احتفالات في عيد المولد، شيء جميل جداً، لكن الأجمل من ذلك أن تقتدي برسول الله، وأن تقتفي أثره، لأن الله سبحانه وتعالى لا يقبل إدعاء حبه إلا بطاعة رسوله، فالاحتمال بالمولد يعني اقتفاء أثره في دعوته وتجديد معانيها.

 

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾

 

(سورة آل عمران: 31 )

من أراد بعمله وجه الله امتد أثر عمله لما بعد الموت:

 من اتباع النبي عليه الصلاة والسلام أن تذكِّر، أن يكون لك لسان صدق، طبعاً ما من إنسان إلاَّ له أخ، أو ابن، أو جار، أو قريب، أو صاحب، أو شريك، إلاّ وله صاحبٌ عابر في سفر، كل إنسان له اجتماع، وسهرة، ندوة، ونزهة، ووليمة، وحفلة، لك أقرباء، ولك أصدقاء، وهناك مناسبات كثيرة، فحتَّى لا يكون الحديث عن الدنيا، فذكِّر، فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر أن يذكِّر، وأنت كمؤمن أمرت أن تذكر، لكن لما تذكِّر، يجري اللهُ عز وجل على يديك الخير، ويقدر على يديك هداية إنسان، وهذه تجارة رابحة، هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْْ﴾

 

 (سورة الصف: 10 ـ 11 )

 يعني دائماً هناك مواقف حسّاسة ؛ اجعل الموت هو الحد الفاصل، أي عمل يستمر إلى ما بعد الموت، هذا العمل العظيم، هذا العمل الرابح، هذا العمل المجدي، هذا العمل الذي تسعد به، هذا العمل الذي يدل على عقل راجح، هذا العمل الذي ترقى به، هذا العمل الذي تطمئن به و تطمئنّ إليه، وأيّ عمل ينتهي عند الموت فهو للدنيا، فلو أراد الإنسان بعمله المهني وجه الله، وخدمة المسلمين، وكفاية نفسه، لامتد أثره إلى ما بعد الموت.

 النية محصلة إيمان الإنسان:

 أما النية فقضية معقدة جداً، النيةُ محصلة إيمانك، النية محصلة توحيدك، النية محصلة جهودك التي بذلتها في طريق الإيمان، كلما كنت متفوقاً في الإيمان، ارتقت نواياك، إذا ارتقت نواياك، صارت المباحات عند المؤمن عبادات، صار عمله عبادة، ظروف حياته مع أهله عبادة، لقاؤه مع إخوانه عبادة:

﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾

(سورة الغاشية )

 الله عز وجل قال:

 

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾

 

 (سورة البقرة: 152)

(( قال الله عز وجل: لا يذكرني أحد في نفسه إلا ذكرته في ملأ من ملائكتي ولا يذكرني في ملأ إلا ذكرته في الرفيق الأعلى))

[أخرجه الطبراني عن معاذ بن جبل ]

 إذاً: إذا قال الله عز وجل يا أيها النبي اتق الله، أيْ ؛ أيها المؤمن اتق الله، إذا قال الله عز وجل: وتوكل على الله، أي ؛ أيها المؤمن توكل على الله، وإذا قال الله عز وجل: فذكر يا محمد، أنت أيضا أيها المؤمن ذكِّر، فأنت يجب أن تذكر كفرض عين، في حدود ما تعلم.

 

كل إنسان يحتاج إلى تذكرة صادقة مخلصة:

 والله عز وجل قال:

 

 

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾

 

 (سورة آل عمران: 104)

 هذا فرض كفائي، الأمة بحاجة إلى دعاة كبار، إلى متخصصين، إلى متبحرين، هذا فرض كفاية، أما فرض العين، في حدود ما تعلم، يجب أن تذكر في حدود ما تعلم، دون أن تزيد على ما تعلم، ذكِّر، والإنسان إذا ذكّر، وعُلِم الله منه الصدق، فليس بعيداً أن يجري الله على يده الخير، وكلمة (ذكّر) تعني أن الإنسان بفطرته وبأصل تكوينه مؤمن بالله، لا يحتاج إلا إلى تذكرة.
 فمثلاً إذا رأى إنسانٌ مدينة معينة، كان قد سافر إليها، ثم غاب عنها وأريناه صورتها، لقال: نعم، نعم زرتها وأعرفها، فالإنسان يحتاج إلى تذكرة صادقة، مخلصة منيبة.

 

دعوة الله النبي الكريم بأن يُذكّر الناس رغم الاتهامات التي اتهموه بها:

 

﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾

﴿الكاهن﴾

 هو الذي يتلقى عن الجن، والشياطين أحياناً يؤذون الإنس، فيصابون بالجنون، الشيطان في هاتين الكلمتين قاسم مشترك، إما أن الكاهن يتلقى عن الجن، وإما أن شياطين الجن تؤذي هذا الإنسان فيصبح مجنوناً، فالله سبحانه وتعالى يسلِّي رسوله أنْ يا محمد لو أنهم قالوا لك أنت كاهن فلا تيأس وذكِّر، ولو قالوا: إنك لمجنون، ذكِّر، ولو قالوا: شاعر، ذكِّر، ولو قالوا: ساحر، ذكِّر، لذلك فالمؤمن لا تلين قناته، ولا يغير مواقفه، لأن هدفه الله عز وجل:

 

﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾

 

 لقد ضربت مثلاً، لو كان معك خمسة كيلوات ذهب خالص، والناس قالوا: هذا ليس بذهب، هذا معدن خسيس، فمن الرابح ؟ أنت الرابح، ولو قالوا عن هذا المعدن ما قالوا، أنت عندك خمسة كيلوات من الذهب الخالص، هم يدّعون أنه معدن خسيس، كلامهم لا يجعله خسيساً، كلامهم لا يبدل ولا يغير الحقيقة، لو كنت تملك المعدن الخسيس وبذكاء بارع أوهمت الناس أنه معدن نفيس، فأنت الخاسر الوحيد، يعني أنت الرابح إذا كان معك الذهب الخالص، وأنت الخاسر إذا كان معك المعدن الخسيس، لا إقناعك للناس بأن ما عندك من الذهب الخالص، يجعله ذهباً خالصاً ولا اتهام الناس لك بأن ما عندك من معدن هو معدن خسيس يجعله خسيساً، أنت الرابح، وأنت الخاسر.

لا يقطف الإنسان ثمار الدين إلا إذا طبقه كله:

﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾

 فمثلاً إذا كان الإنسان يسكن في بيتٍ مريح جداً، وقال أحدهم: هذا البيت صغير، وهو في الحقيقة كبير، فكلمة صغير تجعله صغيراً، ولو كنتَ تأكل أطيب الطعام، وقيل: لك هذا الطعام طعمه غير مستساغ، هل هذه الكلمة تجعل الطعام غير مستساغ ؟ لا. فالكلام لا يصنع شيئاً، الكلام يعبر عن حقيقة، أو عن وهم، الكلام الخبري، يقال لصاحبه صادق أو كاذب، فأنت حينما أمر الله النبي عليه الصلاة والسلام أن تذكِّر فعليك أن تذكر:

﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾

 في الحقيقة إنّ الإنسان إذا قطف ثمار الدين، لا يتأثر بأقوال الناس إطلاقاً، لكن متى يتأثر ؟ يتأثر بتصغير الناس لشأنه، يتأثر بتشكيك الناس في صدقه، يتأثر بطعن الناس فيه، إذاً لو يُوفَّق لقطف ثمار الدين، وهذا يعني وجود خلل، فمن خصائص هذا الدين أنه ينبغي أن تأخذه كله، حتى تقطف ثماره، إن أخذت بعضه، قد لا تستفيد، فلذلك: خذ بعضه وأتمم بعضه الآخر، لا نقول لمن يأخذ بعض الدين: دع هذا البعض، هذا كلام غير شرعي إطلاقاً، بل نقول: أتمم أتمّ الله عليك.

اتهام الناس النبي الكريم بأنه كاهن أو مجنون أو شاعر:

﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌٌ﴾

 شاعر أيضاً، في التصور الجاهلي له شيطان يوحي إليه، ومن أقوال الأدباء: إنّ شياطين الشعر توحي للشعراء، والشعراء حينما يبدعون تارة، ويهبطون تارة أخرى، فهذا الإبداع والتدني والهبوط سببه فيما يظنون ويتوهمون أن الشاعر جاءه شيطانه فأبدع، فلما غاب عنه شيطانه أسفَّ وهبط، فعند الشعراء وكل أصحاب الأعمال الفنية ساعة إبداع، وساعة قصور، والعرب بالجاهلية تصوروا أنّ لكل شاعر شيطانًا، فإذا كان معه أبدع، وإذا غاب عنه قصر:

﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾

 يعني يطاله الموتُ ويريحنا منه، فجاء الجواب الإلهي:

 

﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾

 وأنا أتربص بكم، وسوف ترون لمن العاقبة، ولمن المستقبل.

 

 

من نشأ في طاعة الله تألق في آخر عمره:

 والله عز وجل يقول:

 

 

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾

 

 (سورة الأعراف: 128 )

(( إنما الأعمال بالخواتيم ))

[أخرجه أحمد والبخاري والطبراني في الكبير والدار قطني في الأفراد]

 والعبرة لمن يضحك أخيراً، والعاقل من يهتم بخريف عمره، لا بمقتبل عمره، قد يستوي الناس جميعاً في شبابهم، أما التفاوت الكبير في خريف حياتهم، من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة، من لم ينشأ في طاعة الله ويشكل حياته تشكيلاً إسلامياً، ربما تعب كثيراً في خريف عمره، وأفضل شيء لدى الإنسان أنْ يطبِّق أوامر الله في سن مبكرة، وعندئذ في الأعم الأغلب، سيختار زوجة مسلمة صالحة، وسيختار عملاً شريفاً، فلو جاء إيمانه وصلحه مع الله متأخراً، وقد شكل حياته تشكيلاً غير إسلامي، فهناك يلقى متاعب لا تحصى، لذلك هنيئًا لمن نشأ في طاعة الله، فهذا له خريف عمر متألق.

 

العاقبة للمتقين:

 

﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31)َ﴾

 لو درسنا تاريخ الإسلام في بدايته، أصحاب النبي الذين آزروه، ونصروه وأيدوه، وقاتلوا معه، ووضعوا أرواحهم على أكفهم، نصراً له، فما مقامهم في ذاكرة التاريخ ؟ والذين عارضوه، وكذبوه، وائتمروا على قتله، وإخراجه، والتنكيل بأصحابه، أين هؤلاء الذين عارضوه وكذبوه ؟ أين مقاماتهم التي تزار ؟ فهل رأى أحد منكم مقاماً لأبي جهل بمكة ؟ إنّهم في مزبلة التاريخ، أما أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الذين نصروه، وأيدوه، في أعلى عليين، في مقام رفيع، فالعبرة للخاتمة، العبرة لمن يضحك آخراً، العاقبة للمتقين دائماً الإنسان عليه أن يضم الآخرة إلى الدنيا، أو عليه أن يضم نهاية الحياة مع بدايتها، أما إذا نظر إلى البداية قد يتوهم أن المتفلت أسعد من المنضبط، وأن الغني الذي جعل غناه من مال حرام أسعد من الفقير الذي تورع عن المال الحرام، أما إذا ضممت آخر الدنيا إلى أولها، أو ضممت الآخرة إلى الدنيا اختلفت الموازين.

 

الخطأ الكبير الذي يرتكبه الناس موازنة حياة الكافر مع حياة المؤمن:

 ذكرت مرة أن راكب دراجة يسير على طريق مستوٍ، واجه طريقين، طريقاً نازلاً، معبداً، تحفه الأشجار والورود، والرياحين، وطريقاً صاعداً وعراً، فيه الصخور والأكمات، وفيه المتاعب، طبعاً راكب الدراجة يختار الطريق النازل، ويبتعد عن الطريق الصاعد لو كان في نهاية الطريق الصاعد قصرٌ منيفٌ، هو مِلكٌ لمَن يصله أوّلاً، وفي نهاية الطريق النازلة حفرة سحيقة قد يدرك الموتُ مَن يصل إليها، والآن نقول لك: اختر، فالأمر مختلفٌ كليةً، إذا ضممت الحفرة إلى الطريق المريحة، وضممت القصر إلى الطريق الصاعد، تختار الطريق الصاعد، وهكذا الدنيا، وهذه حقيقتها.
 الخطأ الكبير الذي يرتكبه بعض الناس أنّهم يوازنون حياة الكفار مع حياة المؤمنين، والحقيقة أنه ينبغي أن تضم إلى حياة الكفار مصيرهم، وينبغي أن تضم إلى حياة المؤمنين مصيرهم الذي وعدهم الله به، نظريا طبعاً، لا على شخص معين، إنسان انضبط، خاف من الله، تعرف إليه، رجا قربه، رجا ثواب طاعته، ضبط دخله، ضبط إنفاقه، ضبط جوارحه، ضبط أولاده، زوجته، وكان في الدنيا قليلَ ذاتِ اليد كما يقولون، والذي تفلت فأصبح غنياً، لا توازن هذا بهذا، إن أردت أن توازن، ضُمَّ الآخرة إلى الدنيا ووازن، ضم آخرة المنضبط إلى دنياه ووازن، وضم آخرة المتفلت إلى دنياه ووازن، لذلك قال سيدنا علي:  الغنى والفقر بعد العرض على الله:

 

 

﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31)َ﴾

 

المؤمن خطه البياني صاعد:

 لذلك فالله عز وجل أمر المؤمنين أن يقولوا للكافرين:

 

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾

 

 (سورة التوبة: 51)

 هل في الآية بشارة ؟ نعم البشارة من كلمة

﴿ لنا﴾

﴿ لنا﴾

 تفيد التملك، والشيء الثمين هو الذي يملك، لكن تجد إنسانًا يملك عقرباً، فيقول: أنا عندي خمسة عقارب، الشيء الثمينُ هو الذي يملك، تملك الذهب، تملك الفضة، تملك الجواهر، اللآلئ، الله عز وجل قال:

 

﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾

 

 (سورة البقرة: 286 )

 الشيء الثمين، الخير، الجيد لنفسك، والوزر، والإثم، والعقاب عليها، فحينما قال الله عز وجل:

 

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾

 

 (سورة التوبة: 51 )

 يعنى أنّ المؤمن خطه البياني صاعد، ولو اقتضى التأجيل أحياناً، أو اقتضت عوامل التربية أن ينزل هذا الخط، لكن المحصلة النهائية أنّه صاعد، ينزل ثم يصعد، يتابع صعوده.

 

إذا أحب الله عبداً ضيق عليه ليحاسب نفسه على كل خطأ:

 المؤمن مفتون ومبتلى، والله عز وجل يحاسبه، وربما حاسبه حساباً عسيراً، لأنه مظنة صلاح، الإنسان يحاسب المتفوق على خطأ طفيف.

 

 

(( إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، فإن رضي اصطفاه ))

 

[أخرجه الديلمي عن علي ]

(( إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا ))

[أخرجه الترمذي والحاكم عن أنس ]

(( ‏إذا أراد الله بعبد خيرا عاتبه في منامه ))

[أخرجه الديلمي عن أنس ]

 إذا أحب الله عبداً ضيق عليه.

 

(( قال النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنزل الله جبريل في أحسن ما كان يأتيني في صورة فقال: إن الله تعالى يقرئك السلام يا محمد، ويقول لك: إني أوحيت إلى الدنيا أن تمرري وتكدري وتضيقي وتشددي على أوليائي كي يحبوا لقائي ))

 

[أخرجه البيهقي عن قتادة بن النعمان ]

 أنت مخلوق للآخرة ؛ فإذا كنت في الدنيا مرتاحاً راحة تامة كرهت لقاء الله عز وجل، الحكمة تظهر لك بعد حين:

 

﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾

 

الإنسان حينما يطغى لن يستجيب للحق:

 لا تنتظر أن يأتي العقاب لمؤمن، انتظر أن يأتي العقاب لغير المؤمن، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

 

 ( سورة الجاثية: 21)

 العرب أو قريش بالذات مشهورة في جاهليتها أن زعماءها كانوا أصحاب عقول راجحة، فبيَّنَ الله عز وجل أنّ هذا التكذيب، وذلك الرد، وهذا الاتهام بأن النبي ساحر، وشاعر، وكاهن، ومجنون، فهذا الاتهام كلُّه من صنع عقولهم الراجحة، أهكذا تأمرهم عقولهم ؟ قال سبحانه:

 

﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾

 هل تستنبطون من هذه الآية شيئاً ؟ لماذا لم تأمرهم أحلامهم أن يؤمنوا ؟ أن يصدقوا ؟ أن يستسلموا ؟ أن يخضعوا ؟ قال:

 

 

﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾

 

 (سورة الذاريات: 53 )

الطاغي يأبى عقله أن يعترف بالحق:

 الإنسان إذا طغى، اختلَّ توازنه النفسي، فإذا اختلّ توازنه النفسي، لا يستطيع أن يعيد هذا التوازن إلا برد الحق وعدم قبوله، ولو قبل الحق وكان مخالفاً لتعليمات الحق، يزداد اختلال توازنه، أما حينما يتهم أهل الحق بالكذب، أو بالجنون، أو بالغيبيات، هذا الاتهام يحقق له توازنه لذلك فالإنسان حينما يطغى، فلن يستجيب للحق.

 

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾

 

 (سورة القصص: 50 )

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)مَ﴾

 (سورة الماعون: 1 ـ 2 )

 هو نفسه.
 لذلك لو أنهم لم يكونوا قوماً طاغين لأمرتهم أحلامهم بالإيمان بالله ورسوله، لكن لأنهم قوم طاغون، عقولهم أبت أن تعترف بالحق:

 

﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾

 

اتهام الكفار بأن القرآن الكريم ليس من عند الله بل هو كلام النبي:

 وبعدُ، فالله عز وجل خاطب الفطرة خطاباً رائعاً، وافترض كلَّ الافتراضات ورد عليها:

﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

 أيْ أنهم قالوا: هذا الكلام ليس كلام الله، النبي جاء به من عنده، افتراه على الله، القرآن من صنع النبي عليه الصلاة والسلام، كان عبقرياً فذاً فكتب كلاماً، استحوذ على قلوب الناس به:

﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

 يعني أنّي لم أجد مثلاً أوضح لهذه الآية مما لو أَطلعت إنسانًا على قطعة ماس من أعلى مستوى، ثم قال لك: هذه بلور، كيف يقول عن الماس إنه بلور ؟ لأنه لا خبرة له إطلاقاً بهذا الموضوع، ما قال هذه الكلمة إلا لأنه عديم الخبرة، لو كان خبيراً، لما قال عن هذا الماس الناصع إنّه بلور.

التوضيح، التبيين، والتنوير، من لوازم الإله الكامل:

﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾

 أي اقرءوا القرآن ؟ لو وقفوا عند صياغته، ونظمه، وإعجازه، ودقة أحكامه، وتوافق أحكامه مع طبيعة النفس، لو تأملوا هذا الكتاب، لما قالوا تَقَوَّل، ما من شيء في الإنسان أقبح من أن يمزق رسالة قبل أن يقرأها، إنه موقف قبيح وغبي، أن تمزق رسالة قبل أن تقرأها، فهذا الذي يقول إنّ هذا الكلامَ كلامُ محمدٍ، هل قرأ القرآن ؟ هل تدبر آياته ؟ هل شاهد إعجازه ؟ إعجازه العلمي، والتشريعي، والتاريخي، والبلاغي، واللغوي، والحسابي، هل وضع يده على إعجاز القرآن الكريم ؟ ثم يقول تقَوَّل:

﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

 لأنهم ما آمنوا بأن لهذا الكون خالقاً عظيماً، ولا يمكن يدع الناس من دون هدى.
 فمثلاً هل تجد أباً يبقى ساكتًا، وأولاده يتحركون بغير منهج، ولا خطة، ثمّ لا يتدخل، أب يجلس ويرى ابنه الصغير يقترب من المدفأة، ألا يتحرّك ؟ أيبقى ساكتًا، يعني أنّ التوضيح، والتبيين، والتنوير، كلُّ هذا من لوازم الإله الكامل، الإله الكامل الذي خلق، فأبدع، لا بد أنه نوَّر الناس وهداهم إلى طريقة سعادتهم، فلذلك ترى الإنسان حينما لا يؤمن، ينكر أن يكون هذا الكلام كلام الله، أما إذا آمن يرى أن هذا الكلام من لوازم الخالق، ومن لوازم كمال الخالق أن ينذر، وأن يحذر، وأن يبين، وأن يضع منهجاً لخلقه يهتدون بهديه.

تحدي الله عز وجل للناس جميعاً:

 و هأنذا أضرب مثلاً ؛ شركة محترمة تصنع آلة بالغة التعقيد، النشرة التي ترافق الآلة من أخطر ما يجب أنْ يُلازَم، طريقة التشغيل والصيانة، كيفية أداءِ الآلةِ عملَها بأعلى مستوى، وأن تأخذ منها أعلى مردود، فالشركة المحترمة لا ترسل الآلة إلا معها تعليمات، أحياناً تلاحظ كثيراً من الآلات لها تعليمات بالغة الدقة و الوضوح، فمأخذ الكهرباء مغلق، ومختوم، ومكتوب عليه 220، أو 110، لئلا تقع في غلط، فكلما كان رقيٌّ في الصناعة، كلما ارتقى التوجيه، وكلما ارتفع مستوى الصناعة ارتفع مستوى التعليمات، تعليمات دقيقة جداً، مرة قال لي أخ أنّ هناك برنامج كمبيوتر عادي مؤلَّف، 1100 صفحة، كتاب تعليماته 1100 صفحة، أيُعقل ذلك ؟ برنامج تعليماته وطرق تشغيله وميزاته بهذا الحجم، فكلما ارتقت الصناعة، ارتقتْ معها التعليمات، فالله عز وجل هو الخالق المبدع، من لوازم كماله أن ينزل على أنبيائه كتباً، ومنهجاً، ودستوراً، وتوجيهاً، إذاً:

 

﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34)َ﴾

 

 ولعل هذا أكبر دليل قطعيٍّ على أن هذا كلام الله هو إعجاز وَاللَّهُ عز وجل تحدى الناس جميعاً.

القرآن معجزة مستمرة إلى يوم القيامة:

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾

 (سورة الإسراء: 88 )

 هذا الإعجاز، يعني إذا قلت لي ما الدليل على أن هذا القرآن كلام الله ؟ أقول لك إعجازه، والإعجاز يحتاج إلى تأمل، وإلى تدبر طبعاً، والمجال لا يتسع الآن لبيان ضروب الإعجاز، ففيه إعجاز إخباري من غيب الماضي، وإعجاز من غيب الحاضر، وإعجاز من غيب المستقبل، وفيه إعجاز علمي.
 في القرآن الكريم إشارات و إيماءات عن طبيعة مستوى عصر النبي لا يمكن أن يصل إليها إلا بعد ألف عام أو أكثر، وبعد قرونٍ طويلة، وبعد مئات السنين بعد 1500 عام ظهرت حقائق العلم التي تكشف إعجاز القرآن، لذلك القرآن معجزة مستمرة، إذا كانت معجزات الأنبياء حسية فهي كعود الثقاب تألقت مرة واحدة وانطفأت، وأصبحت خبراً، يصدقه من يصدقه، ويكذبه من يكذبه، لكنّ إعجاز القرآن مستمر إلى يوم القيامة، كلما تقدم العلم كشف جانباً من إعجازه.

 

كل شيءٍ خلقه الله من زوجين:

 

﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾

 (سورة الذاريات: 49 )

 من كل شيء، ما كان أحد يعرف أن الجماد فيه ذرات، وشحنتها موجبة تارة، وسالبة تارة أخرى، حتى الجماد تجد أنّ بين النواة وبين الكهارب تبايناً في الشحنات، هناك شحنات موجبة، وشحنات سالبة، حتى النبات، كله ذكر وأنثى، والحيوان كذلك، والإنسان كذلك:

 

﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾

 

 (سورة الذاريات: 49 )

 الله عز وجل قال:

 

﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾

 

 (سورة يس: 40 )

 كل شيءٍ خلقه الله يَسْبَح في فلك، بدءاً من الذرة وانتهاء بالمجرة، نظام الكون قائم على ذرة تدور حول أخرى في مسار مغلق، هذه الدورة ينتج عنها قوة نابذة تكافئ القوى الجاذبة، ولولا ذلك لاجتمع الكون كله في كتلة واحدة، هذه آية ثانية:

 

﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾

 

 (سورة النجم: 45 ـ 46)

 الآن وبعد خمسة عشر قرناً أثبت العلم أنّ كون المولود ذكراً أو أنثى لا يتعلق بالبويضة إطلاقاً، يتعلق بالحوين فقط، يعني يتحدد جنس المولد من خصائص الحوين فقط:

 

﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾

 

 (سورة النجم: 45 ـ 46 )

القرآن الكريم إعجاز علمي و تربوي و بلاغي:

 كذلك:

 

﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾

 

 ( سورة الحج: 27)

 لِمَا لمْ يقل الله عز وجل من كل فج بعيد، بل قال: من كل فج عميق ؟ لأننا نحن على كرة، وكلما ابتعدنا عن إحدى نقاطها نشأ مع المسافة بعد ثالث، عمق:

 

﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾

 

 (سورة الحج: 27 )

 لم يكنْ في عهد النبي ما يسمى بأشعة الليزر التي تقاس بها المسافات بدقة بالغة، لكنهم قاسوا البُعْدَ بين الأرض والقمر على مستوى المليمترات بأشعة الليزر، هذا طيب ومطمئن، والآن ثبت أنّ أخفض نقطة في الأرض على الإطلاق غور فلسطين والمعركة التي جرت بين الفرس والروم كانت بحسب التاريخ في غور فلسطين قال تعالى:

 

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3)َ﴾

 

 (سورة الروم: 2 ـ 3)

﴿ في أدنى ﴾

 يعني في أدنى مكان من الأرض، ما كان أحد يعرف هذه الحقيقة، إذًا إعجاز علمي، وإعجاز فلكي، وإعجاز تاريخي، و إعجاز بلاغي، وإعجاز تربوي، فلذلك:

 

﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33)فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾

 

كل شيءٍ في الكون يحتاج إلى مُحدث:

 الآن:

 

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾

 

 طبعاً ؛ هذه الآية فسَّرها علماء العقيدة ؛ أنّ هناك في الكون واجبَ الوجودِ وهو اللهُ، وممكنُ الوجود وهو الكونُ، ومستحيلُ الوجود، فأمَّا ممكن الوجود فلا يمكن أن يكون إلا بمحدث، كل شيءٍ حديث يحتاج إلى محدث قديم، الشيء الذي لم يكن قديماً يحتاج إلى من يوجده:

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾

 العقل لا يقبل، والفطرة تأبى:

 

﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾

 كيف خلقوا أنفسهم ؟ يعني كانوا قبل أن يخلقوا، كذلك لا يقبل العقلُ ذلك.

 

 

عدم قبول العقل بأن الإنسان خلق نفسه:

 

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾

 طبعاً هذه الآية تشير إلى واجب الوجود، وإلى ممكن الوجود، وإلى مستحيل الوجود، فوجود الإنسان كم حالة وكم افتراض يفترض لوجوده ؟ إما أنه خلق من غير شيء، وهذا يرفضه العقل لأنه شيء حادث، والحادث سبقه عدم، وكل شيء سبقه عدم يحتاج إلى محدِث، إذًا فذاك الافتراضُ مرفوضٌ:

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾

 وإذا كان قد خلق نفسه، فهو مخلوق قبل نفسه، فكيف خُلق ؟ ثم خلق نفسه ؟‍‍‍! أيضاً العقل لا يقبل هذا.

عدم قدرة الإنسان على امتلاك خزائن السماء:

﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾

 هل يستطيع أحد الآن في عصر الكفر، والإلحاد، والتفلت، والضلالات، هل هناك جهة في الأرض تدّعي أنَّها خلقت الشمس، أو القمر ؟ لا أحد يقول هذا، من يستطيع أن يدعي أنه خلق السماوات والأرض ؟

 

﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ (36)أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾

 يعني إذا كانت السماء شحت بالأمطار فهل يمكن لأكبر لجنة في الأرض أنْ تعقد اجتماعاً هامًّاً وتتخذ قراراً بإنزال مطر، وهو قرار موقع من الجميع، ولا يطعن فيه أحدٌ، لا تقدر، هل عند الناس خزائن السماء ؟

 

 

الله تعالى وحده المسيطر على كل شيء:

 الله عز وجل سلط على الناس الآن فيروس الإيدز، العالم كله في حيرة، 17مليون إنسان مصاب بالإيدز، والسلسلة ليست هندسية بل انفجارية، والعلم يعجز عن وضع مصلٍ لهذا الفيروس، ثم اكتشفوا أن له سلالات، إذا صرفوا ألوف الملايين لوضع مصل لهذا الفيروس هناك سلالة أخرى تحتاج إلى ألوف أخرى، فلذلك على أي شيء يسيطر الإنسان، هل يملك الإنسان أن يضمن عدم اهتزاز الأرض، بسبع درجات على مقياس رختر حيث يصير كلُّ ما على الأرض أنقاضًا، مثلاً: 5 رختر، بناء 14 طابقاً صار أنقاضاً، والزلازل موجودة في الأرض، في آسيا، وأوربا، وإفريقيا، والمغرب، مدينة أغادير على الساحل الأطلسي بثوانٍ معدودة أصبحت تحت الأرض كلها، فندق من30 طابقًا، بقي منه الطابق الأخير، وكأن هذا الطابق الأخير الذي عليه اسم الفندق صار شاهدة لهذا القبر.

 

 

﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾

 

 أكبر محطة بترول في بحر الشمال، قالوا عنها: إنّها مدينة، مدينة أنشئوها في البحر، مهبط طائرات، ومكاتب، حطَّمها موجٌ عاتٍ، وناقلة نفط تحمل مليون طن قد يأتي موج كالجبال فيشطرها شطرين، وباخرة (تيتانيك) قالوا عنها: إن القدر لا يستطيع أن يغرقها، غرقت في أول رحلة لها، ولها قصة مثيرة جداً.

الله سبحانه بيده تصريف كل شيء:

﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾

 الآن في المغرب يوجد جفاف كبير جداً، وجفاف قبل سنوات في أوربا، وكذلك قبل سنوات كان عندنا جفاف، وفي العالم مثلاً منطقة تموت من العطش، أين المطر ؟ ليتّخذوا قرارًا بإنزال المطر، منطقة تموت من الفيضانات:

﴿أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾

 تملك الرياح، إعصار واحد يدمر كل شيء هناك أعاصير في أمريكا، لا تبقي ولا تذر، لقد كان هنا مدينة ثم تحوّلت كلها إلى أنقاض، لا أشجار ولا أبنية ولا شيء بقي منها، هل نملك تحريكَ الرياح أو تسكينها ؟
 هبَّت عاصفة رياح واحدة قلعت 130 بيتًا زراعيًا في الساحل، عاصفة واحدة وفي وقت قصير، وأحياناً صقيع يتلف النبات كله، فهل نملك في تصريف الحرارة شيئًا ؟ قبل أعوام على الساحل بلغ سُمكُ الثلج ثمانية سنتيمترات، والدرجة 9 تحت الصفر، عند سطح البحر، إننا لا نملك أن نفعل شيئاً إزاءَ ذلك، وليس لنا سلطان لا على الحرارة، ولا على البرودة، موجة حر واحدة مات بسببها 380 شخصًا ألمَّت بأمريكا قبل أسابيع، فالذي يملك الزمام والذي بيده تصريف كل ذلك هو الله سبحانه.

 

﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾

 

 قد تأتي حشرة تقضي على كل المحصول، ذبابة أحياناً، قد تعجز كل الفئات العلمية أن تكافحها، كالذبابة البيضاء، فالإنسان ضعيف، إذا اعترف بضعفه صار قوياً.

عدم قدرة الإنسان الاستماع إلى وحي السماء:

﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾

 أأنتم تفرضون هذا الوحي ؟ هل عندكم طريقة لأخذ خبر السماء من غير هذا الطريق، هل عندكم من يستمع إلى وحي السماء ؟

﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾

ادعاء العرب في الجاهلية أن الملائكة هن بنات الله:

 ثم إن العرب كانت تحتقر البنات في جاهليتهم ألم يقل الله عز وجل:

 

﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)﴾

 

 (سورة التكوير: 8 ـ 9 )

 فكان العرب في جاهليتهم ينسبون الملائكة، ويتوهمون أنهم بنات الله.

 

﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾

 

 ثم إن هذه الدعوة، هل طالَبَ الأنبياءُ بأجر عليها ؟ فالإنسان عند طبيب ينقد الأجر، وقد يؤدِّيه مسبقًا، كذلك عند المحامي والمهندس، ولا يجرؤ إنسان أن يدخل محلاًّ تجارياً أو عيادةَ طبيب، أو مكتبَ محامٍ، إلا ومعه المال المخصص لأدائه وإلاّ رُفِض، لكنه يدخل المسجد من دون رسمِ دخول، ومن دون رسم شهري، ومن دون رسم اشتراك، وليس على المحاضرة أجرةٌ مقابلةٌ، لا شيء من هذا أبداً.

الإسلام لا يطالب الإنسان بشيء إلا بحسن العاقبة:

﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾

 بينما الإنسان حين يعصي الله يؤدّي الكثير من النقود، فمثلاً ليلة رأس السنة الميلادية على الشخص 1500 ليرة سورية لدخول الفندق، ولا بدّ مِن أجر باهظ ليسمع لهو الحديث، أجر باهظ بأرقام كلها خيالية، فأجرة المغني خمسون ألف دولار، وأثوابه من بلد أجنبي مثلاً، لكن الإسلام لا يطالبك بشيء من هذا إطلاقاً، وكلُّه من غير مقابل مع حُسن العاقبة.

 

الغيب بيد الله وحده:

 

﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41)َ﴾

 هل مِن جهة أرضية تستطيع أن تكشف الغيب ؟ هذا الذي حصل في شرق العالم، انهيار دول عظمى، مَن كان يتنبأ بهذا ؟ والله لو تنبأ أحدٌ بهذا لأُدخل إلى مستشفى الأمراض العقلية، لكن بعد حين هذه القلعة الشامخة من قلاع الكفر أصبحت كبيت العنكبوت، من يتنبأ بهذا؟

 

﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42)﴾

 

الكافر في قبضة الله لا يتحرك إلا بإذنه:

 الكافر لا يصنع الكيد، يقع عليه الكيد، هو موضوع الكيد ليس صانع الكيد، الله جل جلاله هو الذي يدبر، أما الإنسان يُدبّر له:

 

﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾

 أي الكافر في قبضة الله، أيْ إذا أراد أن يتحرك فبإذن الله، لأنّ الله سمح له أن يتحرك، وفي أية لحظة يمكن أنْ يقعَ في قبضة الله، ولا يَلْوِي على شيء.

 

 

﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43)﴾

 

سورة الطور الآية الوحيدة التي تطرح كل الشبهات و ترد عليها:

 لا أعتقد أنّ في كتاب الله مجموعة آيات متتابعة تطرح كل الشبهات وترد عليها كلها مجتمعة كما جاء في هذه الآيات التي ضمَّتْها سورة الطور:

﴿ فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43)َ﴾

العاقل من يعدّ العدة ليوم القيامة:

﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾

 قد يكون هذا الكسف الساقط بلاء كبير، قالوا بسذاجة: سحاب مركوم.

﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾

 دقق نظرك في هذه الآية:

 

﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾

 

 العاقل يتهيأ لهذا اليوم، يعد العدة له، يعد له استقامة، يعد له طاعة، يعد له إنفاقاً، يعد له شوقاً، يعد له حباً، هذا شأن العاقل، لكنّ الإنسان إذَا أنغمس في الدنيا، وأعرض عن ذكر الله عز وجل حينما يأتي ملك الموت معلناً قرب أجله، يصعق !.

اهتمام الكافر بالدنيا لا ينفعه عندما يأتي ملك الموت:

﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (46)َ﴾

 كل تدبيرهم، واهتمامهم بالدنيا، وعنايتهم بها، والعناية ببيوتهم وأعمالهم، وضبط أمورهم، وتأمين أرصدة كبيرة جداً، للمفاجآت، كل هذا الذي أعدوه لشيخوختهم لا ينفعهم شيئاً عندما يأتي ملك الموت.

 

﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (46) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47)﴾

 هو عذاب في الدنيا، أجل: لهم عذاب بالدنيا، وعذاب بالآخرة.

 

 

المؤمن الحق في أعلى درجات العناية و الحفظ و التأييد:

 

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

 هذه الآية خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولكل مؤمنٍ نصيبٌ منها على قدر إيمانه، وعلى قدر استقامته، وإخلاصه، فالله عز وجل قال لسيدنا موسى:

 

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾

 

 (سورة طه )

﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾

 (سورة طه )

 وقال للنبي عليه الصلاة والسلام:

 

﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

 يعني في أعلى درجات العناية، أعلى درجات الحفظ، والرعاية، والتأييد، والتوفيق وكل مؤمن مستقيم، محب لله عز وجل، يشعر أن الله معه، وهو في محنته، يشعر أن الله معه، ولن يخيب ظنه، ولن يسلمه لأحد، ولا يتخلى عنه.

 

 

طاعة الله ثمنها التأييد و الرعاية و الحفظ:

 

﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

 قدم الطاعة فقط، وانتهى الأمر، قدم الطاعة وانتظر أن ينطبق مضمونُ هذه الآية أو بعضها عليك:

 

﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

 

 برعايتنا هذا معنى قول الله عز وجل:

﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾

 قال العلماء: هذه معية خاصة، معية بالتأييد، والنصر، والحفظ، والتوفيق:

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾

 فالحكم غيرُ واضحٍ، إذْ لو كان واضحاً لمَا احتاج إلى صبر.

امتحان الله لعبودية الإنسان ليعرف صدقه و استسلامه له:

 قد يجلس المريضُ على كرسي طبيب الأسنان، ويعلم علم اليقين أنّ هناك إبرة بنج، وسوف تغرز لثّة أسنانه، وهناك ألم محقق، لأنه يعلم حقيقة ما سيجري، والحكمة مما يجري، لا يقال لهذا: اصبر، لكنْ يقال لإنسان: اصبر إذا كان الحكُم غيرَ واضحٍ، فاللَّهُ أحياناً يمتحن عبوديتنا له بقدر غير واضح، ولأنه غير واضح تظهر عبوديتنا واستسلامنا له وصدقنا في محبته، لذلك قال سيدنا علي: الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين:

 

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾

 

 هذه مشيئة الله، هكذا أراد الله، هذا قرار الإله، هذا حكم الله، فالمؤمن الذي يعرف حكمة الله ويعرف أن كل أفعاله سبحانه حكيمة يصبر.

على الإنسان أن يسبح ربه بكرة و أصيلاً:

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49)﴾

 يعني إذا قمت من فراشك، فسبِّح بحمد ربك، وإذا قمت إلى عمل فسبِّح بحمد ربك، وإذا أويت إلى الفراش فسبِّح بحمد ربك:

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾

 وإذا استيقظت إلى صلاة الفجر فسبحه، يعني سبحه ليلاً ونهاراً:

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49)ِ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018