مقدمة كتاب أولادنا - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مقدمة كتاب أولادنا


2017-07-06

مقدمة

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل السلام وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، في كل لمحة ونفس وحين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، وبعد...
 فالإنسان-أي إنسان- حريصٌ حرصاَ لا حدود له على سلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده؛ فسلامة وجوده باستقامته؛ أي بتطبيق تعلميات الصانع، وهي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تُتَّبَعَ تعليماتها، لأنها الجهة الوحيدة الخبيرة، قال تعالى:

 

﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثلُ خَبيرٍ﴾

[فاطر: ١٤]

 الذي يعتني بتربية أولاده يعتني بذاته
وكمال وجوده بالعمل الصالح؛ وهو العمل الذي يصلح للعرض على الله يوم القيامة، وهو ما كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، واستمرار وجوده وهذا لا يكون إلا بتربية أولاده، فَلَو جمّعَ الإنسان أكبر ثروة يتصورها، ولو بلغ أعلى منصب يطمح إليه، ولو وصل إلى أعلى درجة علمية يتطلع إليها؛ ولم يكن ابنه كما يتمنى، لكان أشقى الناس فالذي يعتني بتربية أولاده؛ يعتني بذاته، لأن أولاده تأكيد لكمال وجوده، وتحقيق لاستمرار وجوده.
 من هذا المنطلق وقبل عشرين سنة كنت أفكِّر في موضوعٍ أعرضه على المصلين في درس يوم الأحد في مسجد الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله بدمشق، وكنت خصصت درس ذلك اليوم بالسُّنة النبويَّة المطهَّرة؛ إما للأحاديث الشريفة شرحاً وتبياناً، أو للأحكام الفقهيًّة التي تدور حول الأحاديث الشريفة.
 وبينما كنت أتأمَّل لَمَع في ذهني خاطر؛ وقلتُ في نفسي: إنه ما من عملٍ أخطر في حياة المسلمين من تربية أولادهم؛ لأنّ هذا العمل مقدور عليه ضمن إمكانهم، وهو من اختصاصهم، وفي دائرة سيطرتهم، فقدمت سلسلة دروس وسمتها ب:" تربية الأولاد في الإسلام"، مستأنساً بكتاب الأخ الفاضل الدكتور عبد الله ناصح علوان، أسأل الله أن يغفر له ويتغمده برحمته، واعتمدت إلى حدٍّ كبير عناوين كتابه الأساسية، وجعلت منها سكّة سرت عليها في تلك الدروس.
 واليوم... وبعد أن بُثَّت هذه الدروس على إذاعات عديدة في بلاد عربية وإسلامية، وفي إذاعات الجاليات الإسلامية في كثير من البلدان الأجنبية، ولاقت ولله الحمد قبولاً واسعاً، ارتأى بعض الإخوة مشكوراً أن يحول هذه المادة إلى مؤلَّف، لعلَّ الله تعالى ينفع به ويُكتب له القبول.
 ومع الأحوال التي تشهدها البلاد العربية والإسلامية اليوم، لعلّ مسلماً يرى نفسه ضعيفاً أو مستضعفاً، لا يملك أن يرفع هذه الأمة من كبوتها، ولا أن يدفع عنها أعداءها، أو يمنع هذه القوى المخيفة التي تتحرك لتقضي على الإسلام، لكنه يملك-وبلا شك- أن يربي أولاده تربيةً إسلاميةً، ليكونوا بذرةَ خير، تثمر في مستقبل الأمة نوراً.
 لك أخي القارئ أن تقول: هناك عقبات كثيرة جداً، فأقول لك: هذا صحيح، فطريق التربية ليس محفوفاً بالزينة أو مفروشاً بالورود لكن الله تعبَّدنا بتربية أبنائنا، وجعل رعايتهم وحسن تنشئتهم من صلب ديننا، وقال سبحانه:

 

﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا قوا أَنفُسَكُم وَأَهليكُم نارًا وَقودُهَا النّاسُ وَالحِجارَةُ ﴾

[التحريم: ٦]

 وروى البهيقي في الشعب عن الحسن رضي الله عنه في قوله عزوجل:

 

﴿قوا أَنفُسَكُم وَأَهليكُم نارًا﴾

 قال:" يأمرهم بطاعة الله ويعلِّمهم الخير".
 فالتربية من الدِّين، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: " يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ".
 فلا شكَّ أن المهمّة صعبة، لكنَّ عظيمَ أجرِها متناسبٌ مع عظيم جهدها، وما من عملٍ أعظم ولا أجدى ولا أدوم في حياة المؤمن من أن يربيِّ أولاده الذين هم بضعةٌ منه، وثمرة قلبه، واستمرار وجوده.
 الآباء يشقون بشقاء أولادهم
لعلك -أخي القارئ- رأيتَ – كما رأيتُ- آباءً على مستوىً عالٍ من الفهم أو الإيمان أو المكانة الاجتماعية أو الرتبة المالية.....، لكنَّهم يَشْقَون بشقاء أولادهم، في حين ينعم آخرون على بساطة عيشهم بقرار العين وانشراح الصدر من جهة الولد، ويأملون أن يصل لهم نعيم الدنيا بنعيم الآخرة

﴿وَالَّذينَ يَقولونَ رَبَّنا هَب لَنا مِن أَزواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعيُنٍ وَاجعَلنا لِلمُتَّقينَ إِمامًا*أُولئِكَ يُجزَونَ الغُرفَةَ بِما صَبَروا وَيُلَقَّونَ فيها تَحِيَّةً وَسَلامًا*خالِدينَ فيها حَسُنَت مُستَقَرًّا وَمُقامًا﴾

[الفرقان: ٧٤-٧٦]

 لكنَّ هذه السعادة لها ثمن، فالابن يحتاج وهو في سنٍ صغير إلى انتباه شديد، ويحتاج إلى وقتٍ مديد، يحتاج إلى معاينةٍ، ومراقبةٍ وتوجيهٍ، إلى وعظٍ، إلى اصطحابٍ، يحتاج إلى جهد كبير!! وبعدها حينما ترى ابنك كما تتمنى ديناً وصلاحاً واستقامةً وتفوُّقاً.... تشعر بسعادةٍ لا توازيها سعادة.
بعد ذلك قد تقول لي: حسناً لكن ماذا أفعل؟
 أقول لك: لا تقلق، فبإمكانك أن تفعل الكثير.
 إذا أردت بإخلاصٍ وصدقٍ أن يكون أولادك استمراراً لوجودك المؤمن، وأن تخلِّف ولدا صالحاً يدعو لك، فعليك أن تشمِّر وتجتهد، أن تحوِّل ما ستقرأ في هذا الكتاب تطبيقاً عملياً ومنهجاً حياتياً، فتعال معي نمضي خطوة خطوة، والله تعالى الموفق، وهو سبحانه من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

 

د. محمد راتب النابلسي
عمّان-الجمعة
9 ذو القعدة 1437ه
12/08/2016م

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018