مقدمة كتاب أسئلة وفتاوى - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مقدمة كتاب أسئلة وفتاوى


2017-07-04

 رفع الإسلام قيمة العلم عاليا، فإذا أردت أن تعرف الله فاطلب العلم ، فرتبة العلم أعلى الرتب ، وإن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فحضور خطبة الجمعة جيد جداً وهي فريضة لا شك فيها ، ولكن لا يكفي أن تستمع من أسبوع إلى أسبوع إلى كلام يُلقى في ساعة ، لابد من حضور مجالس العلم، لابد من أن تعرف كتاب الله على ماذا ينطوي ، أن تعرف أمره ونهيه ، أن تعرف وعده ووعيده ، أن تعرف حلاله وحرامه ، لابد من أن تعرف سنة رسول الله ، لابد من أن تعرف سيرة رسول الله، لابد من أن تعتقد العقيدة الصحيحة ، لماذا أنت في الدنيا ؟ أين كنت ؟ ولماذا ؟ وإلى أين؟ طلب العلم فرض عين على كل مسلم ، لابد لكل مسلم أن يطلب العلم الشرعي ليعلم الحلال والحرام
لا تقل : أنا لست مختصاً بشؤون الدين ، أنا أعمل في الحقل الفلاني ، هذا كلام لا يقبل ، فطلب العلم فريضة على كل مسلم .
 هذا فيما يتعلق بالعلوم الأساسية في الإسلام، لكن يلجأ الإنسان أحيانا في فروع هذا الدين وفي دقائقه وتفصيلاته إلى الفقهاء كي يفتونه فيما لا يعلم وهنا يأتي دور الفقيه الصادق الصدوق.
 العلوم الدينية علوم كثيرة جداً، علوم أدوات، علوم فرعية، علوم فقهية، ما من موضوع على الإطلاق أخطر في حياة المؤمن بعد إيمانه بالله من موضوع الحلال و الحرام ، لأن الإنسان إذا اقترف الحرام كان الحرام حجاباً بينه وبين الله.
 القاعدة الأولى في الحلال والحرام أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صحيح صريح من قبل الله عز وجل في كتابه، أو من دوام النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، لذلك موضوع الحلال والحرام لا يستطيع إنسان كائن من كان أن يقول لك هذا حلال وهذا حرام إلا بالدليل.
 أكثر كلام أسمعه أستاذ قالوا: هذا الشيء حرام، أين الدليل؟ ليس تحليل الحرام أو ليس تحريم الحلال بأقل إثماً وخطراً وانحرافاً من تحليل الحرام، سيّان أن تحلل حراماً أو تحرم حلالاً.
 مما يؤسف له أن هناك من يطلق كلمة حرام أو حلال جزافا دون دليل مع أن أكبر معصية على الإطلاق "وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون"، أي أن تحلل حراماً أو تحرم حلالاً، أن تؤوِّل النصوص، أن تلوي عنق النصوص لمصلحتك، لمغانمك، لمكاسبك، أنت تشوِّه الحقيقة.
 فالتحليل والتحريم هو الذي حلله الله وحرمه الله.
 كلام الأشخاص لا يحلل حراماً، ولا يحرم حلالاً، والتحليل والتحريم من حق الله وحده، الأنبياء يبلغون، والعلماء يبينون، والمشرع هو الله، هذه قواعد خطيرة وأساسية في علوم الدين.
 إن تحريم الحلال أو تحليل الحرام قرين الشرك، الإنسان بحاجة إلى خبير في أمور الدنيا، وبحاجة إلى خبير في أمور الآخرة، فاسأل به خبيراً:

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل: 43 ]

 أمر آخر مهم يتعلق بمن يسأل ويستفتي فلمجرد أن تطرح موضوعاً على بساط البحث بت فيه الشرع فأنت تنفي عن نفسك الإيمان ولذلك تحريم الحلال قانون الشرك، وتحليل الحرام قانون الشرك.
 التحايل على الحرام حرام
أما فيما يتعلق بالتحايل على الحرام ، فهذا الأمر حرام قطعا وهو فعل اليهود كما أنبأنا الله عنهم، ماذا فعل اليهود؟ حرم الله عليهم الصيد يوم السبت، فجعلوا حفراً على شاطئ البحر يوم الجمعة تأتي الحيتان إلى هذه الحفر، الجمعة مساءً يغلقون طريق العودة، الحيتان حصرت في هذه الأحواض، يصطادونها يوم الأحد، الله عز وجل ذكر هذا في القرآن الكريم، وكل إنسان يحتال على الحرام واقع في الحرام نفسه وهو لا يشعر، وهو غبي، لأن الله الذي حرم هذا الشيء وهو يراك.
 هذا باب الحيل الشرعية و الاسم الأصح الحيل غير الشرعية، ومن ذلك تسمية الشيء بغير اسمه وتغيير صورته مع بقاء حقيقته.
 مثلاً ماذا يسمي الناس الخمر؟ مشروبات روحية غير القيم الروحية، ماذا يسمون الربا؟ فائدة، ماذا يسمون الفنون الساقطة؟ فن. العمل الخليع اسمه فن، والخمر اسمه مشروبات روحية، والربا اسمها فائدة، لو غيرت الاسم الحقيقة ثابتة إذاً التحايل على الحرام حرام.
 الآن هؤلاء الذين يلعبون بدين الله، هؤلاء الذين يُحِلُّون الحرام ويحرِّمون الحلال، هؤلاء الذين يتكلَّمون بما لا يعلمون، يفتون بما لا يعلمون، هؤلاء يقول الله عنهم :

 

﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) ﴾

[ سورة البقرة: 79 ]

 أحياناً تقوم مصلحة الإنسان على أن يبتدع في الدين ابتداعاً ما أنزل الله به من سلطان، يبتدع في الدين ليُحصّل المكاسب الدنيويَّة، هؤلاء الذين يبتدعون مذاهب ليس لها أصل في الدين، يبتدعون فتاوى ليس لها أصل في الدين، يُحِلُّون بعض ما حرَّمه الله عزَّ وجل، مثلاً فوائد البنوك ليست فوائد إنها عوائد، فتوى تصدرها جهة معتمدة في الفتوى تبيِّن أن أكل مال الربا حلال، هؤلاء الذين يعلمون الحقيقة ويفتون بخلاف ما يعلمون، طبعاً موجودون عند اليهود، وموجودون عند كل دينٍ.
 لا تتاجر بالدين ولا تتخذه مطية للدنيا
ينطلق بعضهم من أنه يحاول أن يسَهِّل للناس أمور حياتهم لمكاسب دنيوية فيصدر فتوى، هذه مسموح بها، وهذه مسموح بها، وهذه مسموح بها، لم يبق شيء من الدين. هذا الكيان المتماسك، هذه القلعة الصامدة أصبحت رملاً، تلاً من الرمل، فانتهى الدين، فأخطر شيء هذا الذي يفتي بغير علم، أو الذي يفتي بخلاف ما يعلم من أجل الدنيا، من أجل مكاسب دنيويَّة، هذا الإنسان الذي يبيعُ دينه بدُنياه، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، بعرضٍ لا يقدِّم ولا يؤخَّر.
 الشيء المُلاحظ هو أنه كلَّما اشتدَّ ضغط الناس على بعض العلماء، هؤلاء العلماء بدل أن يرفعوا الناس إلى مستوى الشرع يهبطون بالدين إلى مستوى الناس، لدرجة أن إنساناً كان يدير مسبحاً مختلطاً أقام ذات مرة فيه مولداً، ودعا أناساً تكلَّموا، وأثنَوا، ومدحوا، هذا ماذا يفعل ؟ هذا يرتكب أكبر معصية، يدير مسبحاً مختلطاً نساءً ورجالاً شبه عرايا يسبحون مع بعضهم بعضاً، ومع ذلك يقيم احتفالاً بعيد المولد في المسبح نفسه، ويدعو من يتكلَّم ويثني عليه، هؤلاء الذين يمتهنون الدين، فالمشكلة أنه بدل أن نرتفع بالناس إلى مستوى الشريعة أصبحنا نهبط بالدين إلى مستوى الناس، فهذه مشروعة، وهذه فيها فتوى، وهذه فيها رأي ضعيف يُجيزها، وهذه بلوى عامَّة فماذا نفعل ؟ بعد حين صار الغناء، والموسيقى، والتمثيل، كل هذا مسموح، والاختلاط، وأكل المال الحرام، والربا، والفوائد، لم يبق شيء، حتى الصحون صارت مسموحة، مشكلة كبيرة جداً.
 كل إنسانٍ يلعب بدين الله يتوَعَّده الله عزَّ وجل بالهلاك، فإيَّاك أن تقترب من دين الله، دعه في السماء، دعه في عليائه، دعه في صفائه، دعه في نقائه، لا تستخدمه وسيلةً لمكاسب دنيويَّة، لا تشترِ به ثمناً قليلاً، لا تتاجر بالدين، لا تتخذ الدين مَطِيَّةً للدنيا، هذا فساد كبير جداً عند الله عزَّ وجل، فيجب أن تعلم من هو الطرف الآخر.
 أما معظم الناس فهم حريصون على دنياهم وإن أرادوا بيع بيت سألوا أكثر من شخص ليحصلوا أعلى سعر فلماذا في أمور الدين يكتفون بفتوى واحدة، بعالِم واحد، بمقالة في مجلة وانتهى الأمر ؟ معك فتوى ومرتاح ولكنك لا تنجو من عذاب الله، أنت في أمر دنياك تعذِّب الخبراء، تسأل فلاناً وفلاناً، لماذا في أمر دينك لا تسأل ؟ لماذا تكتفي بفتوى واحدة ؟ إن كنت حريصاً على دينك ينبغي أن تسأل عِدَّة مصادر.
 الآن بعض المسلمين يرتكب الكبائر ويقول لك: أمِّة محمَّد مرحومة، من قال لك ذلك ؟
 نحن إن لم نأمر بالمعروف، ولم ننهَ عن المُنكر، ولم نؤمن بالله الإيمان المُنَجِّي، أين خيريَّتنا ؟ انتهت خيريَّتنا، أصبحنا أمَّةٌ كبقيَّة الأمم.
 الأمر الأخير أتمنى على كل إنسان قبل أن يزج نفسه فيما يضطره إلى استفتاء هذا العالم وذاك، قبل أن يطلق الأيمان جزافا ثم يبحث لها عن فتوى، قبل أن يرتكب حماقة فيبحث لها عن مخرج عند الفقهاء، أن يتحلى بالحكمة والعقل.
 يقول ابن عباس عن أيمان الطلاق التي يطلقها بعض الرجال على زوجاتهم لأتفه الأسباب:
 << أيرتكب أحدكم أحموقته ثم يقول: "يا ابن عباس، يا ابن عباس".>>
 خلال الأعوام التي تجاوزت الخمس وثلاثين عاما من الدعوة إلى الله توجه الكثير من الإخوة بالأسئلة إلى الدكتور محمد راتب النابلسي، فارتأينا أن نضع كل الأسئلة والفتاوى التي أفتى بها الدكتور ضمن كتاب جامع عسى أن تعم الفائدة على كل من يقرؤه حيث تم فيه تجاوز المتكرر من الأسئلة بالإضافة إلى تبويب الفتاوى بطريقة تسهل على القارئ إيجاد طلبه حيث قسمت الفتاوى إلى العقيدة- العبادات- المعاملات- القرآن- الحديث- الأصول- الأخلاق والتزكية- الرؤى والأحلام- الطب- الإعجاز العلمي- الدعوة- الجهاد ثم مسائل متفرقة أخرى.
 نأمل أن يجد القارئ في هذا الكتاب مبتغاه وأن يجد فيه الإجابة عن تساؤلاته والله من وراء القصد.

انتهى

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018