الدرس : 1 - سورة الذاريات - تفسير الآيات 1-20 ، كل شيء في الكون يدل على الخالق سبحانه - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة الذاريات - تفسير الآيات 1-20 ، كل شيء في الكون يدل على الخالق سبحانه


1995-06-23

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الأوَّل من سورة الذاريات.

خلق الله الإنسان من أجل طاعته و عبادته:

 قال تعالى:

 

﴿ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) ﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 هذه الآيات ومثيلاتها في القرآن الكريم، ومثل هذه الآيات تحتلّ مساحة كبيرة في القرآن الكريم، الآيات الكونيّة الدالة على عظمة الله جلّ جلاله، هذه الآيات، لو أنّ واحدًا منا سأل نفسه، لماذا أورَدَها الله في كتابه الكريم ؟ الحقيقة أنَّك خُلِقْتَ مِن أجل أن تعبُدَهُ، أن تعبُدَهُ أي أن تُطيعَهُ، لن تستطيع أن تُطيعَهُ إلا إذا عرفْتَهُ فمعرفتهُ سبب عبادته.

 

عبادة التفكر من أرقى العبادات:

 الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن تراهُ بِحَواسِّك الخمس، قال تعالى:

 

 

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾

 

[سورة الأنعام ]

 لكنَّك بإمكانك أن تعرفَهُ إذَا دقَّقْت في خلقه، فلذلك هذه عِبادة تُعدُّ مِن أرْقى العبادات على الإطلاق، عِبادة التَّفكُّر، فأنت إذا فكَّرْتَ في خَلْقِهِ تتعرَّف إليه، إن عرفْته، عرفت الآمِر، هان عليك تطبيق الأمر، فالآمر قبل الأمر والأصول قبل الفروع، والإحسان قبل البيان، والقدوَة قبل الدَّعوة، هذه وسائل لِمَعرفة الله عز وجل.

 

الهواء مِن أكبر الآيات الدالة على عظمة الله:

 مثلاً هذا الهواء لا يحول بيني وبينكم، لكنَّ طائرةً يزيدُ وزنها عن ثلاثمئة وخمسين طنًّاً يحملها ! فما هو هذا الهواء اللطيف ؟ أما إذا تحرَّك وزادَت سُرْعتُهُ عن مئتي كيلو متر، ووصَلَتْ إلى الثمانمئة كيلو متراً أصْبَحَ إعْصاراً ودمَّر كلّ شيء، فبينما هو نسيم عليل إذا هو إعْصار مُدمِّر، فما هذا الهواء ؟ هذا الهواء سبب تنافر الضوء، فلو ذَهَب الإنسان إلى القمر، وهو في رابعة النهار يرى الفضاء أسْوداً، وفي وسطِهِ قرْص الشمس، بينما في الأرض ترى الدنيا مضيئة وسببها هذا الهواء الذي ينثر الضَّوء، ففي غرفتك ضَوء من دون أشِعَّة الشمس، فالهواء وحدهُ مِن أكبر الآيات الدالة على عظمته، لطيف ويتحرَّك، كيف يتحرّك ؟ مِن خصائصه أنَّه إذا سُخِّن تمدَّد، فالهواء الذي فوق الصَّحراء حرارته خمسون درجة يتمدد، والهواء الذي فوق المناطق الباردة ينكَمِش، فهنا ضَغط منخفض، وهنا ضَغط مرتفع، والهواء يتحرَّك من الضَّغط المرتفع إلى الضّغط المنخفض، فلولا أنّ هناك مناطق صَحراوِيَّة في الأرض هواؤُها حار، ومناطق باردة هواؤُها بارد منكمِش لما تحرَّك الهواء، وهذا تفسير بسيط جدًّا لِحَركة الهواء !
 هناك تفسيرات أخرى مُعقَّدة جدًّا، فالهواء يتحرَّك من القطبين إلى خطّ الاستِواء، ومن المناطق الباردة إلى المناطق الحارة، ومن الغرب إلى الشَّرق، فلولا حركة الهواء لَكُنَّا في حالة لا تُحْتمل.

 

 

ذَرْوًا: كلمة لها عدة معان:

 ربُّنا عز وجل أشار في مطلع هذه السورة إلى هذه الظاهرة التي يُمكن أن تكون أحدَ أكبر الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل، قال تعالى:

 

 

﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 ذَرْواً مفعول مطلق، وسُمِّيَ مفعولاً مطلقًا لأنَّه يحْتَمِلُ معانٍ كثيرة، ذَرْواً حكيماً، وذَرْوًا رفيقًا، وذرْوًا لطيفًا، ذرواً هادفاً، والذاريات، فهذه الرِّياح التي تذْرو السُّحب تنقلها من مكان إلى مكان، ولو سَكَنت الرِّياح ما قيمة السحب ؟
 إذا كانت السُّحب فوق البِحار وسَكَنت الرِّياح فمن ينقلها إلى اليابسة قال تعالى:

 

﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾

 

[سورة الروم ]

 فهذه الرياح تسوق السحب.

 

ظاهرة التبخر والتقطير و التكاثف:

 ثمّ يقول تعالى:

 

 

﴿ فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 الإنسان لو ركب طائرة وحلَّق فوق الغيم لرأى جبالاً من السُّحب، فمنظر السُّحب من سَطح الأرض كالسَّقف لكنّ منظرها من فوق السُّحب جبال كالجبال، ورؤوس مؤنَّفة وتلال، ووِديان، وهذه السُّحب تحمل ألوف ملايين الأطنان من الماء، وهذه تنتقل من البحار إلى اليابسة، ومن صمَّم مبدأ التَّقطير ؟ أنَّ الماء إذا تبخَّر ترك الأجسام المُذابة فيه في البحر ولولا هذه الظاهرة، التبخر لا يحمل معه الأجسام المذابة، لذلك ينتقل البخار من البحر المالح فيصبح ماء عذباً فراتاً من قِبل الله عز وجل، مع أن تحلية اللتر من الماء في المصانع التي صنعها الإنسان، تزيد عن عشر ريالات، تحلية لتر واحد من الماء، هذه الأمطار الغزيرة التي تتحلى عن طريق التبخر والتقطير، من قنن هذا القانون ؟ أن الأشعة (أشعة الشمس) إذا سلطت على مساحات واسعة من الماء تبخر الماء، القانون ؟ ومن قال: إنَّ الهواء يحمل بخار الماء ؟ ولكل درجة من درجات الهواء كميّة من بخار الماء يحملها، فإذا برَّدنا الهواء ظَهَرت ظاهرة أخرى، وهي التَّكثّف تجد أنّ قطرات من الماء عالقة على زجاج النافذة، يوجد بالغرفة الهواء مشبع ببخار الماء، لامس سطحاً بارداً فتكاثفت القطرات.

 

إنبات النبات سببه الرياح التي خلقها الله عز وجل:

 هذه الذاريات التي تذرو السُّحب، وتسوقها إلى بلد، أو تذرو حبوب الطَّلع الملقِّحة للنباتات فلولا الرياح لما أنبت النبات، وكلّكم يعلم (وفي ذلك آية كريمة) أنَّ النبات مخلوق من ذكر وأنثى، النبات كله مخلوق من ذكر وأنثى، وهذا الذَّكر والأنثى لا بدّ من أن يتلاقحا عن طريق الرياح، لذلك سمى الله الرياح في آية أخرى لواقحاً، قال تعالى:

 

 

﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾

 

[سورة الحجر]

عبادة الإنسان لخالقه واجب عليه:

 هذا الهواء الذي يتحرّك يُجدِّد الجو، لو أغلقت النوافذ في غرفة لضاقت نفسك، نسمة لطيفة تنعش الإنسان، وتحرّكه له قوانين دقيقة جدًّاً ويسوق السُّحب ويسوق حبوب الطَّلع الملقِّحة للنباتات، فهذا الذي صمَّم وهذا الذي قنَّن وهذا الذي وضَع هذه السُّنن هو ربّ العالمين، ألا يستحقّ أن تعبده ؟ قال تعالى:

﴿ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً (2) ﴾

[ سورة الذاريات ]

 فالهواء مُحمَّل بِبُخار الماء.
 ثمّ يقول الله تعالى:

 

﴿ فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 مُحرِّك ماء صغير في بستان يُقْلق الحاضرين، ويُصْدِرُ صوتًا مزعجاً، يحطم الأعصاب، فهذه الكُتل الهائلة وملايين الأطنان المحمولة في الهواء وتسير بلا صوت، قال تعالى:

﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾

[سورة النمل]

 هذا تشبيه بليغ مصدري ! في هدوئها ولطفها.

 

قسم الله لفتُ لنظر الإنسان إلى عظمة هذه الآية:

 قال تعالى:

 

 

﴿ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً (4) ﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 يقول لك هنا ألف ميليمتر وهنا سبعمئة وخمسون، وهنا مئتين واثنا عشر كذا وكذا، والأمطار في طرطوس كذا، ومعدلّ الماء في منطقة كذا هي كذا، فَمن يُقسِّم هذه الأمطار بهذه النِّسب ؟ فالمقسمات أمراً، سيّدنا علي يُنقل عنه أنَّه قال: الذاريات ذروًا هي الرياح، والحاملات وقرًا هي السحب، والجاريات يسرًا هي السفن، والمقسمات أمرًا هي الملائكة وهناك تفسير يجعل كلّ هذه الفقرات الأربع هي الرياح، فالرياح تسوق، وتحمل وتسير وتوزِّع، فهذا قسَمٌ، والله سبحانه وتعالى حينما يُقْسِم يلْفتُ النَّظر ! نظر الإنسان إلى هذه النِّعم العظمى، فما معنى أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا أقْسم بِخَلقه فالقصدُ من ذلك لفتُ نظر الإنسان إلى عظمة هذه الآية، فالله عز وجل أعظمُ من كلّ عظيم، فإذا قال لك: لا أُقْسِم فبالنسبة إليه، وإذا أقْسم فَبِالنِّسبة إلينا.

 

الماء موضوع من موضوعات التفكر في عظمة الخالق:

 طبعاً ظاهرة الهواء، حركة الهواء، قوانين الهواء، الهواء يُضْغط ولكنَّ الماء لا يُضْغط، لو وضَعنا متراً مكعَّباً من الماء تحت مِكبس ثمانمئة طن لا يمكن أن يُضغط الماء ولا ميليمتر ! أما إذا أراد أن يتمدَّد بِفِعل التَّجَمّد لا شيء في الأرض يقف أمامه ! بل إنَّ أحدث طريقة لِتَفكيك الرُّخام أن تثقبَهُ وأن تضع فيه ماءً ثمَّ تبرِّدَهُ !! عندها ينفجر، أو يتصدع الرخام، وهو من أقسى الأحجار، مُحرِّك مَصنوع من خلائط نادرة لو أنَّ الماء تجمَّد فيه لشَطَرهُ شَطرين، ما هذا الماء ؟ لا لوْن له، ولا طعم له، ولا رائحة له، ولا ينضَغط وإذا تمدَّد لا شيء يقف أمامه، فالماء موضوع من موضوعات التَّفكّر، والهواء موضوع من موضوعات التَّفكّر، ولماذا ذكر الله ذلك في القرآن الكريم ؟ إنّما ذكر ذلك كي نتعرَّف إلى الله مِن خِلال خلقه، قال تعالى:

 

 

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) ﴾

 

[سورة آل عمران ]

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط:

 قال تعالى:

﴿ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً (4) ﴾

[ سورة الذاريات ]

 هذا قسَم، وجواب القسَم قوله تعالى بعدها:

 

﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 أيها الأخوة الكرام، فِكرةٌ دقيقة جدًّا ذكرتها مِراراً أنت مخيّر، لك أن تختار هذا البيت أو هذا البيت، حينما تُقْدِم على الزَّواج لك أن تختار هذه الفتاة أو هذه الفتاة، وحينما تُجْمع أن تعمل لك أن تختار هذا العمل أو ذاك، أما خِيارُك مع الإيمان ليس خِيار قبول أو رفض، إنَّما هو خِيار وقت فقط، فالأشياء التي جاء بها الأنبياء، لا بدّ من أن تؤمن بها عند الموت، ألم يقل فرعون كما في قوله تعالى:

﴿آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

[سورة يونس ]

وعد الله للإنسان لا ينتفع به إلا إذا آمن بربه:

 قضيتك مع الإيمان قضية وقت، فإمَّا أن تؤمن وأنت صحيح شَحيح، وإما أن تؤمن وأنت غنيّ شابّ قَوِيّ فارغٌ، وإما أن تؤمن بعد فوات الأوان، قال تعالى:

 

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

 

[سورة الشعراء ]

 تصوّر طالباً خرج من الامتحان، ولم يكتب شيئًا، توجَّه إلى البيت وفتح الكتاب وقرأ الجواب الصحيح ! ولكن متى عرف الجواب ؟ بعد فوات الأوان، فالله عز وجل قال:

 

﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 نحن الآن أحياء، ولكن حينما يأتي ملك الموت هذا الوعد نراه رأْيَ العَين وعندئذٍ لا نَنْتفِع بهذا الوعد، ننتفع به الآن إذا آمنا بالله عز وجل.

 

عدم وجود الحساب يتناقض مع كمال الله عز وجل:

 ثمَّ يقول تعالى:

 

 

﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 يقول تعالى:

 

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

 

[ سورة الحجر]

 خَلْقٌ عظيم، وخالق كبير، لا يُعْقل أن يخلق الإنسان سُدى، قال تعالى:

 

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾

 

[سورة القيامة ]

 قويّ وَضعيف، وحاكم ومحكوم، وظالم ومظلوم، ومُسْتغِلّ ومُسْتَغَلّ، ومُحْتال ومُحتال عليه ويموتون جميعًا، ثمّ ينتهي الأمر من دون شيء !! ومن دون حِساب !! هذا يتناقض مع كمال الله عز وجل:

 

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

 

[سورة الحجر ]

محاسبة الله للإنسان محاسبة شديدة:

 قال تعالى:

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8) ﴾

 

[سورة الزلزلة ]

 وقال تعالى:

 

﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾

 

[سورة الأنبياء ]

 أيها الأخوة الكرام، حينما تؤمن أنّ الله تعالى معك، ويعلم ما تفْعل وسيُحاسِبُكَ، هناك يوم لا ينفَعُكَ إلا عملُكَ الصالح، وعندئذ تستقيم.

 

الإيمان بالله و اليوم الآخر من لوازم الإيمان:

 من لوازم الإيمان أن تؤمن بالله واليوم الآخر، وأن تؤمن أنَّ الله تعالى يعلم وسَيُحاسِب، وأن تؤمن أنّ كلّ شيءٍ تفعلُهُ ينبغي أن تُجيب الله عنه، فالإنسان الموفَّق قبل أن يتكلم كلمة، وقبل أن ينطق ببنت شفة، وقبل أن يعدو، قبل أن يبْتَسِم، و قبل أ ن يُعطي، قبل أن يمْنع، وقبل أن يتزوّج، قبل أن يُطلّق، قبل أن يضرب، قبل أن يُسامح، قبل أن يأخذ وقبل أن يُعطي يقول: ماذا سَأُجيب الله عز وجل عن هذا الموقف ؟ لِقول الله عز وجل:

 

 

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

 

[سورة الحجر ]

 إخواننا الكرام: فالمؤمن الموفَّق لا تغيب عن ذِهنهِ ولو لحظة ساعة الحِساب وساعة نزول القبر، فمهما اعْتَنَيْنا بِبُيوتنا، مهما زيَنَّاها، ومهما زخرفْناها، مهما أغْنَيْناها بالفرش، لا بدّ مِن مُغادرة المنزل، فالإنسان داخل وخارج البيت عمودياً، إلا أنَّ مرَّةً سيخرج أفقياً ولن يعود، فمهما كان قويًّاً سيموت، وكلّ مخلوق سيَموت ولا يبقى إلا ذو العزَّة والجبروت،

 

والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر  والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر
***

 

 يقول الشاعر:

و كل ابن أنثى و إن طالت سلامته  يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبـــور جنازة  فاعلم بأنك بعدهــا محمول
***

الموت و الحساب نهاية كل حي:

 قال تعالى: أيها الأخوة الكرام:

 

﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾

 

[ سورة الذاريات ]

﴿ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5)﴾

[ سورة الذاريات ]

 هذا هو جواب القسم:

﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾

 فخالق الكون الذي خلق المجرَّات، والمجرة التي اكْتُشِفَت حديثًا تبعُد عنَّا أربعة وعشرين ألف مليون سنة ضَوئيَّة، فالذي خلق هذه المجرَّات هذا هو كلامه، وسوف نُساق إليه.

 

تصوير الله ليوم القيامة لنستعد لها قبل فوات الأوان:

 قال تعالى:

 

﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) ﴾

[سورة ق ]

 قال تعالى:

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ﴾

 

[سورة الحاقة ]

 هذا كلام ربِّنا، وكلام خالق الكون، صُوَرُ يوم القيامة إنما ذكرها الله عز وجل كي نسْتعدّ لها قبل فوات الأوان، قال له: كيف أصبَحْت يا زيد ؟ قال أصبحت وكأنِّي بأهل الجنَّة يتنعَّمون، وبأهل الله النار يتصايَحون ! فقال: يا زيد عرَفْتَ فالْزَم ! عبْد نوَّر الله قلبهُ.

 

طلب العِلم أهم عمل يفعله الإنسان في الدنيا:

 العاقل يعيش المستقبل، أما الجاهل فيعيش الحاضر، و الأجهل يعيش ماضيه، فما مضى فات والمؤمّل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، فيا أيُّها الأخوة الكرام، لا بدّ من الصُّلْح مع الله تعالى، ولا بدّ من التوبة النَّصوح، ولا بدّ من معرفة منهج الله تعالى، والله الذي لا إلا هو طلب العِلم أخطر عملٍ تفعلهُ في دُنياك، وهو أهمّ مِن أيّ نشاطٍ آخر، لأنَّه منْجاة، فيجب أن تعلم من أنت ؟ ولماذا أنت في الدُّنيا ؟! وما هو سِرُّ وجودك، وما هي غاية وُجودك ؟ وما المنهج الذي ينبغي أن تسير عليه ؟ وكيف تتزوَّج ؟ وكيف تكْسِبُ المال ؟ وكيف تنفق المال ؟ وكيف تُمضي وقت الفراغ ؟ هل تعلم أيُّها الأخ الكريم أنَّ أثْمن شيءٍ تمْلِكُهُ على الإطلاق هو الوقت ؟ فالإنسان قد يملك مئة مليون أو خمسمئة مليون، الوقت أثمن منها، والدليل أنَّه لو مضى الوقت وجاء الأجل لا تنفعُكَ هذه الأموال الطائلة، ينفعُكَ أن تعرف الله في هذا الوقت هذا الوقت غِلاف الزَّمن، غِلاف العمل.

 

 

كل إنسان مدان في الآخرة بأفعاله:

 قال تعالى:

 

﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) ﴾

[ سورة الذاريات ]

 الدين يعني الدينونة، الإنسان مدان بأفعاله.
 قال تعالى:

 

﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾

 

[سورة المدثر ]

 فالذي فعل، وترك، وقبض، ودفع، وأعطى، ومنع، وقطع، ووصل، وغضب، ورضي، هذه الحركة سوف نُحاسب عليها جميعًا، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) ﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 فالملخَّص أنَّ خيار الإنسان خيار وقت لا خيار قَبول أو رفض، خيار وقت.

 

على الإنسان أن يغتنم صحته و غناه و شبابه قبل موته:

 لهذا:

 

 

(( اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك ))

 

[ أخرجه ابن أبي دنيا عن ابن عباس]

 أي أحدنا معافى، والحمد لله، أما لو توجد علة خطيرة، دخل في عالم آخر، ينسى كل شيء، فالإنسان مُعافى صحيح الجسم، مرتاح من قضية أولى، وثانية، وثالثة، ورابعة، له مأوى، وله دخْل يكفيه، له زوجة وأولاد، هذه حالة مناسبة جدًّا للهدى لذلك قال الله عز وجل:

 

﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ(8)﴾

 

[سورة التكاثر ]

 أي شخص راكب مَركبة، وهو منطلق بأقصى سرعة في منحدَرٍ شديد، وفي آخرها منعطف حاد مسرور، سرعة يرتاح لها الإنسان، الهواء يلطف الجو، ثم اكتشف فجأة أن ليس معه مكبح:

 

﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6)﴾

 لذا الإنسان لو يعلم ماذا ينتظرُهُ من نُزول القبر، ومن عذاب القبر، ومن البرزخ، ومن يوم القيامة، ومن الوُقوف بين يديّ الله عز وجل، لذلك: إن هذا اليوم عصيب.

 

 

على الإنسان أن يستغل أيامه المتبقية بالأعمال الصالحة:

 مرَّةً ذكر النبي عليه الصلاة والسلام: كيف أن عَبدين وقفا بين يدي الله عز وجل أحدهما مظلوم والآخر ظالم، فقال المظلوم: يا رب خُذْ لي ظلامتي من فلان فأعطاه كلّ حسناته فلم تف، وطُرِحت عليه سيّئات المظلوم فلم تف فأُلقيَ في النار، وحينها بكى النبي عليه الصلاة والسلام.
 فنحن الآن في بحبوحة، نحن أحياء، نحن وعلى وجه الأرض، نحن سُمِح لنا أن نعيش يوماً، فكلّ إنسان يستَيقظ يجب أن يعلَمَ عِلم يقين أنَّ الله سمَح له أن يعيش يوماً جديدًا، سمَح له أن يعيش يوماً جديداً، وما من يوم ينشقّ فجره إلا ويُنادي، يا بن آدم أنا خلْق جديد وعلى عملك شهيد فتزوَّد مِنِّي فإنِّي لا أعود إلى يوم القيامة ‍، فأنت بين يوم مفقود لا جدوى من الحديث فيه، وبين يوم مَشهود تعيشه ولا تملِكُ غيره، وبين يوم موْعود، وبين يوم مورود، وبين يوم ممْدود، فالموعود الموت والمورود يوم القيامة والممدود في الجنَّة أو النار، والمفقود الماضي، والمشهود الحاضر، فأنت لا تملك إلا هذا اليوم المشهود بِهِ تتُوب، وبه تستقيم، به تؤدِّي ما عليك، وبه تسْتَسْمِح من الآخرين، به تنفق، به تُصلِّي.

 

 

أكبر مصيبة تصيب الإنسان أن لا يعلم لماذا هو في الدنيا:

 مرَّ عليه الصلاة والسلام على قبر فقال:

 

(( إنّ صاحب القبر لو أنَّه يؤدِّي ركعتين متمثلتين، هي خير له من كلّ دُنياكم ))

 النبي اطَّلَعَ على حالة صاحب القبر، يتمنى أن تكون الدنيا كلها بيده، ويسمح له بركعتين، هي خير له من كل الدنيا، فنحن في بَحبوحة، لا تدع مجلس العلم، به يذكرك بربك، به يشحنك شحنة روحية، به يبقيك على الصراط المستقيم، وعليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإنّ الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبْعَد، وإنَّما يأكل الذئب من الغنم القاصِيَة.
 فالإنسان يحتاج إلى شحنة علمِيَّة وروحِيَّة كل أسبوع، الحد الأدنى، حتَّي يبقى متوازناً، كحال المصباح يشحن بالكهرباء، إن شحنته يتألق، وإن نسيته من دون شحن، يخفت ضوءه، وكذلك الإنسان بلا شحن يقترب من حطام الدنيا، يدخل في دوامة كسب المال، وإنفاق المال، والعلاقات التجارية، والمالية، وزيد، وعبيد، وفلان و علان، وهذا أعطاني، وهذا لم يعطني، دوامة لا تنتهي، لا بد من أن تكون لك مكابح، لابد أن تخلو مع الله مِن حينٍ لآخر، ولا بدّ من أن تفكِّر لماذا أنا في الأرض ؟ فلا يُعقل أن يُسافر الإنسان إلى بلد وهو لا يدري لماذا أنا هنا ؟ فرْق كبير بين أن تكون سائحاً وبين أن تكون تاجِراً وبين أن تكون طالب عِلم، فرق كبير جداًّ، السائح له برنامج، المكان الفلاني، المتحف الفلاني، إلخ...، والتاجر له برنامج، وطالب العلم له برنامج، فإذا إنسان سافر إلى بلد أجنبي، ولا يعلم لماذا هو هناك هذه أكبر مصيبة.

 

تسيير الله لكل شيء في الكون:

 ثمّ يقول تعالى:

 

 

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 آيةٌ أخرى، هذه آية التَّجاذب الحركي:

 

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾

 

 فالكواكب مَشدودة إلى بعضِها بعضًا، كيف ؟ أبْسَط شيء أن تأتي بِقِطْعَتي مغناطيس، وبِحَجمٍ واحد، وبِقُوَّة جذْبٍ واحدة، ضَعهما على طاولة ملساء وائتِ بكرة حديديَّة، هل بإمكانك أن تضعها في نقطة تتعادَل فيها قِوى التَّجاذب بحيث تقف، لا تنجذب لا إلى هنا، ولا إلى هناك، فلو أنَّها أزيحت مِعشار الميليمتر لَجُذبت إلى الجهة اليُمنى، لذا أن تضَعها في مكان متوسِّط هذا يحتاج إلى قياسات دقيقة جدًّاً، لو أن هاتين الكرتين متفاوتَتَيْن في الحجم، وبالتالي في قوة الجذب، لاحتاجت إلى دراسة أعمق، أن تدرس الحجم، قوة الجذب، أن تضعها في مسافة تتناسب مع بعدها عن هذه الكتلة الكبرى، ومع تلك الكتلة الصغرى، هذه عملية أعقد، ولو كان ثلاث كتل، وينبغي أن تضع هذه الكرة بينهما، بحجوم متفاوتة، أصعب، ولو كانت أربع كتل، ليست على سطح واحد بل معلقة في الهواء، ولابد من أن تضع كرة.

الكون أكبر دليل على عظمة الله و وحدانيته:

 الآن: دراسة الجاذبية، وقوى الجذب، والاحتكاك، وما إلى ذلك أمام مليون مليون مجرة، وكل مجرة فيها مليون مليون كوكب، والكواكب متفاوِتَةٌ في الأحجام والمسافات، أدقّ ساعة في العالم تُضْبط على نجم، فالنَّجم لا يتأخَّر ولا يتقدّم ولا مِعشار ثانية، ساعة تضبط عليها ساعات العالم، هي تضبط على نجم يتحرك، فحركة النُّجوم تسير بِدِقَّة متناهِية، وبِدقّة أُسطورِيَّة، فمن يُسيِّرُها ؟
 مثل بسيط، هذه الأرض تدور حول الشمس، والمسار ليس دائرياً، المسار إهليلجي، معنى ذلك أنّ هناك قطرين ؛ قطر أكبر وقطر أصغر، لو أنَّها في القطر الأصغر في مسارها حول الشمس، في الجهة ذات القطر الأصغر يزداد جذب الشمس لها، إذًا هناك احتِمال ارتطامها بالشمس، فما حكمة الله في ذلك ؟ تزداد سرعتها لِيَنشأ عن هذه الزِّيادة قوَّة نابذة تُكافؤ القوَّة الجابذة، أما إن ابتَعَدت للقطر الأوسَع تَقِلّ سرعتها لِتَقِلّ قوَّة النَّبذ حتى تتوازن مع ضَعف الجاذِبِيَّة، من يرفع سرعتها رفْعًا تَدريجيًّاً ؟ ومن يخفض سرعتها خفضًا تدريجِيّاً ؟ الله خالق الكون، ولو أنّ هذه السرعة ارتفَعَتْ فجأةً لانْهَدَم كلّ ما على الأرض ! فهذه المدن الكبرى، وناطحات السحاب هذه ! كلُّها تنهدِم، لو أنَّ التسارع سريع، التسارع بطيء والتباطؤ بطيء، هذا مِن حِكمة الله عز وجل، فلذلك الكون أكبر دليل على عظمة الله تعالى، ووُجوده ووَحْدانِيَّتِهِ، وكماله.

 

قدرة الله عز وجل في رفع السماء بلا عمد:

 قال تعالى:

 

 

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 هذا الترابط عجيب، فلو أنَّ الأرض تفلَّتَتْ من الجاذِبيَّة مثلاً، وأردنا أن نُعيدها إلى هذه الجاذِبيَّة لاحْتَجنا إلى مليون مليون كبل فولاذي، وهذا الحبل قطرهُ خمسة أمتار، ولو زرعنا هذه الحِبال على سطح الأرض المواجه للشمس وربطناها، وربطناها بالشمس، وطول الحبل مئة وستة وخمسون مليون، قال: كلّ حَبل قوَّة تحمّله مليوني طن، يعني الأرض مربوطة بالشمس بقوة تساوي مليون مليون ضرب مليونين طن، وكلّ هذه القوى الجبارة من أجل أن تحرف الأرض ثلاثة ميلي كلّ ثانيَة، وينشأ مدار مُغلق حول الشمس، تدور !! ذلكم الله رب العالمين، قال تعالى:

 

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾

 

[ سورة الرعد]

 هل يمكن أن تقيم بناءً مئة طابق، والطابق الأوّل كله هواء، ليس فيه عضاضة واحدة ؟ هل بالإمكان بناء مئة طابق وزنه رقم فلكي من الإسمنت المسلح، وليس له أي عمود على الأرض، وارتفاعه مئة متر، وتمشي تحته ؟ تصور! مستحيل، بناء مئة طابق، من إسمنت مسلح، وتحته كله فارغ، لا يستند إلى شيء، بل إلى قوة لا ترى بالعين، الكون هكذا ! الجاذِبيَّة قوَّة تمشي وسطها أنت، وهناك جذب، ولكنَّه جذب لطيف لا تشعر به.

 

التوازن الحركي في الكون:

 قال تعالى:

 

 

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 الكون مترابِط، والحقيقة لولا هذه الحركة لكانت قِوى الجذب كافيَة أن تجعل الكون كلّه كتلة واحدة، الكون كله، المليون مليون مجرة، وفي كل مجوة، تقريباً مليون مليون نجم، كل هذا الكون يصبح كتلة واحدة، لأنَّ الجرْمُ الأكبر يجذب الأصغر، أما بهذه الحركة المستمرّة فكلّ شيء يدور حول كوكب آخر، وهذه الحركة دائما تُشَكِّل قوَّة نابذَة تكافئ القوَّة الجاذِبَة، إذًا هناك توازن حركي، التوازن السكوني سهل جدًّاً، أما التوازن الحركي صَعب جدًّاً، أثناء الحركة هناك توازن.

 

تعدد الباطل و الحق واحد:

 ثمَّ يقول تعالى:

 

﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾

[ سورة الذاريات ]

 أهل الحق كلامهم واحد، فمُؤمن من بلاد الشام، ومؤمن من باكستان، ومؤمن من الهند، من كندا، من أستراليا، من إفريقيا، كلّهم فِكر واحد ومبادئ واحِدَة، وقِيَم واحدة، أهداف واحدة، هناك توحّد، لكنّ مِلَّة الكفر ألف اتِّجاه واتِّجاه، وألف سبيل وسبيل، قال:

﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾

 لذلك قال تعالى:

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[ سورة الأنعام]

الحق يجمع الناس و الباطل يفرقهم:

 الحق لا يتعدد، والباطل يتعدَّد ولا نِهاية له، أما الحق فواحِد لذا وردَ في الآية طريق الاستِقامة مفرد:

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[ سورة الأنعام]

 وطريق الضلال بالجمع، وقال تعالى في آية أخرى:

 

﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾

 جمع، إِلَى النُّورِ مفرد.

 

 

[سورة الحديد ]

 ما قال من الظلمات إلى الأنوار، وما قال من الظلمة إلى النور، قال من الظلمات إلى النور، النور واحد، الحق واحد، الحق مثل الخط المستقيم، بين نقطتين لا يمرّ إلا مستقيم واحد، ضع النقطتين على ورق، و ائت بمسطرة، وارسم أول خط، الثاني فوقه، الثالث فوقه، لو رسَمْت ألف خطّ كلها فوق بعضها بعضاً، الحق واحد، الباطل متعدد، لذلك ما الذي يَجمعنا ؟ الحق، ما الذي يُفرِّقنا ؟ الباطل ! تحسبهم جميعاً، وقلوبهم شتى، التفرقة علامة الباطل، الباطل متعدد، المصالح متناقضة، الشَّهوات متنوّعة متعدِّدة، ومراكز قِوى، أما الحق فواحِد لذا قال تعالى:

 

 

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 جواب القسم قوله تعالى:

 

﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾

 

[ سورة الذاريات ]

الله عز وجل شَرًّف الإنسان بعبادته و معرفته:

 مذاهب، واتِّجاهات، وآراء، ومنطلقات، وتفسيرات، ونظريَّات ما أنزل الله بها من سلطان، وفي الهند يعبدون البقر، وفي بلاد اليابان، وقد لا تُصدِّقون يعبدون عَورة الرجل، وفي أمريكا يعبدون الجرذان، وفي بعض البلاد يعبدون مَوْج البحر، ويضعون أطيب الطعام، والشراب، والفواكه أمام الموج ويقذفونه في الموج ثمّ يُصلُّون، وفي بلاد يعبدون الجرذان، يضعون في طبق الحليب، تأتي الجرذان، ويعبدونها من دون الله، وفي الهند يعبدون البقر، وفي بعض البلاد المتقدمة صناعياً جداً يعبدون عورة الرجل، يعني شيء لا يصدق، ولكن الله سبحانه وتعالى شرَّفنا بِعِبادته شرفنا وبِمَعرفَتِه، شرفنا بِمَنهج سليم صحيح.
 أخٌ كريم كان في بعض مدن الهند، وهو في غرفته بالفندق رأى أمام الفندق ساحة عامَّة والناس مجتمعون، وقد وُضِعَت أكداس مكدَّسة من الحطب فلما سأل قيل له: مات رجل وسوف يُحْرق ! فقال: ومن هذه التي بِجانبه ؟ قال: زوجته، قال: أراها تتحرق، ويجب أن تُحْرق وهي حيَّةٌ، فإن لم تحرق سَقطت اجتماعيًّاً هذا دين هذا ؟ امرأة متعها الله بالحياة، ينبغي أن تحرق مع زوجها ! قال تعالى:

 

﴿ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 الحقيقة، نحن لا نشعر بقيمة هذا الدِّين العظيم ؛ دينُ مبادئ وأحكام فقهيَّة، وعلاقات اجتماعيَّة، كانوا في الجاهليّة المرأة تتزوّج عشرة رِجال ثمّ تحْمِل هي تختار أحدهم لِتَنسِبَه، هذا سفاح الجاهلية، فالله عز وجل شرَّفنا بِمَنهج قويم، شرفنا بِعَقيدة صحيحة، وما علينا إلا أن نُقبل إلى الله، ما علينا إلا أن نعرف سِرَّ وُجودنا.

 

انهيار الدعوات الباطلة مهما كانت قوية:

 ثمّ يقول تعالى:

 

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) ﴾

[ سورة الذاريات ]

 هِرَقل سأل سيّدنا معاوية قبل أن يُسْلم فقال: أصحاب نبيّكم يزيدون أم ينقصون ؟ فقال: يزيدون، قال هرقل: إذًا هو نبي، لأنَّ الباطل قد تنخدِعُ به إلى حين ثمّ ينكشف فتنْسحب، فإذا كان هناك دخول وخروج، أو خروج من دون دخول معنى ذلك هناك باطل، أما إذا كان هناك ثبات، ونماء وازْدِياد، معناها حق، قال تعالى:

 

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) ﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 أي يُصْرفُ عنه مَن صُرِف، فلذلك الدَّعوات الباطلة تنهار والله عز وجل قال:

 

﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾

 

[سورة الإسراء ]

الحق نعمة لا تقدر بثمن:

 مهما ظَنَنْتَهُ قويًّاً، مهما ظننته مُتماسِكاً، مهما فلْسفْتَه، مهما دَعَمْتَهُ بالأدلّة الواهِيَة، ومهما جمَعْتَ الناس حوله، مهما رفعت شعاراته، فالباطل يبقى باطلاً:

 

﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾

 

[سورة الإسراء ]

 ثمّ ينهار كَبَيْت العنكبوت ثم يُصبح في الوُحول هذا الباطل.
 لذلك أنتم أيها الأخوة تتمتَّعون بِنِعمة لا يعرفها إلا مَن فقَدَها ما هذه النِّعمة ؟ إذا كنتَ مع الحق فليس في حياتك مُفاجأةٌ أبداً، المفاجآت تكون لِمَن كان مع الباطل، يفاجأ لأنّ مبدأه باطل، مبدأَهُ غير صحيح، ومبدأُهُ فيه دَجل، أما المؤمن لن تزيدَهُ أيَّامهُ إلا اعْتِقاداً بِمَبدئِهِ، وكلّ أحداث الأرض تؤكِّد هذا المبدأ وتدْعَمُهُ، ولأنّه دينُ الله عز وجل، لذلك إذا الإنسان مع الحق فهذه نِعمة لا تعْدِلها نِعمة.

 

الإسلام مبدأ الله العظيم و منهجه القويم:

 صَديقٌ ذَهَب إلى بلدٍ في شرق آسيا، وكان هناك لِقاء مع مُدير شركة، وإذْ به يُفاجأ أنَّ أمَّه قد تُوُفِّيَتْ، فهو توقَّع أنَّ تلغى المواعيد كلها، فقال المدير: لا، كل شيء على حاله، قال له والوفاة ؟ قال له: ضَعوها في البراد إلى أن يأتي دورها في الحرق، فقال هذا الأخ: ولمَا تحرقونها ؟ قال: لأنَّ القبر مُكْلف، أما الحرق أيسر، أرخص، نضعها في قارورة، الرماد، ونأخذها إلى المعبد، تتقدس هناك، في الأعياد نأتي بها، القارورة طبعاً، هي أمه، يرجعها، سبحان الله، شيء مضحك، لهذا ضحكتم أنتم:

 

 

﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾

 والذي زار مِصر، زار الأهرامات يرى العجب العُجاب، حينما يموت الفرعون توضَع معه اللُّحوم المُقدَّدة أنواع الحليّ، ومركبة، مركبة في قبر، مركبة كبيرة، لحوم، خبز، وطعام ؛ كلّ شيء في القبر، لأنَّهم يعتقدون انَّه سيحيى بعد حين، وسيَحتاج إلى كل هذه الأشياء، قال تعالى:

 

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) ﴾

[ سورة الذاريات ]

 فهذا الإله العظيم الذي خلق السماوات والأرض لا يُمكن إلا أن يكون مبدؤُه عظيماً، ومنهجُهُ قَويماً.

 

انغماس المنافقين في شهواتهم و مباهجهم في الدنيا:

 الحق ما أقرَّ به العقل، وما ارْتاحَت له الفِطرة، وما أيَّدَهُ الواقع، وما أيده النَّقل، فكلمة الحق ؛ الحق والنقل والعقل والواقع والفطرة كلّها متطابقة، فالفِطرة ترتاح، قال تعالى:

 

 

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

 

[سورة الروم ]

 قال تعالى:

﴿ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾

 الكذابون:

 

﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11)﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 في غَمرة الشَّهوات، وغمرة جمْع الأموال، وغمرة اقتِناص الملذَّات، وغَمرة القيل والقال، وغمرة البحث عن الأمجاد الزائفة في الدنيا، وغمرة التمتع بمباهجها:

 

﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾

 

غفلة الإنسان الكافر عن يوم الحساب:

 غافلون عن هذا اليوم، يوم الحِساب، قال تعالى:

﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾

[ سورة الذاريات ]

 اسْتِهزاءً، قال تعالى:

 

﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14)﴾

 

[ سورة الذاريات ]

﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾

 الكذابون، يعني أخطر شيء في حياتنا الكذب، وأحيانًا تعتَقِدُ عقيدةً أنت لسْتَ قانِعاً بها.

الصدق يهدي إلى البر و الكذب يهدي إلى الفجور و النفاق:

 أحياناًً تجلسُ جلسةً كلّ ما قيل فيها كَذِب في كذب، كله نفاق، فالذي يُدَمِّر حياتنا هو الكذب، لذلك المؤمن صادِق، إن الصِّدق يهدي إلى البرّ وإنَّ البرّ يهدي إلى الجنَّة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرَّى الصِّدق حتَّى يُكتَب عند الله صدِّيقًا، النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

 

(( إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا ))

 

[رواه البخاري ]

 المؤمن لا يكذب، ويجب أن تعتقِد ما هو واقِعيّ، فلا تعتقِد بالأوهام، ولا الترّهات ولا بالأباطيل، لا تقبل شيئًا من دون دليل، وأنت كريم على الله عز وجل والنبي عليه الصلاة والسلام أرْسَل سريَّة وأمَّر عليها أنصاريًّاً ذا دُعابة:

 

(( بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا فَأَوْقَدَ نَارًا فَقَالَ ادْخُلُوهَا فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا فَرَرْنَا مِنْهَا فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَالَ لِلْآخَرِينَ قَوْلًا حَسَنًا وَقَالَ لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ))

 

[رواه مسلم عن علي ]

إكرام الله للإنسان بنعمة العقل:

 العقل لا يُعطَّل أبداً، والله تعالى وهَبَك عقلاً، وأعطاك منهجاً، وأعطاكَ قرآنًا بِلِسان عربيّ مبين، أخي هذا القرآن إذا الإنسان فكرفيه يغرق، لا، ما أنزله على النبي عليه الصلاة والسلام إلا لكي تفهمه، قال تعالى:

 

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾

 

[سورة محمد ]

 ما أمرك أن تتدبَّرَهُ إلا لأنَّه في مستواك، يمكن أن تفْهمه، أنزله على نبيه بلسان عربي مبين، لا تدخل بدوامة، ما ننتهي من القرآن، إذا هو لمن ؟ يعني ممكن جهة ترسل رسالة، لا يفهمها المرسل إليه ؟ هذا شيء غير معقول.

 

الدنيا عرض حاضر و الآخرة وعد صادق:

 إذاً:

 

 

﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11)﴾

 

 قال تعالى:

﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾

[سورة الزخرف]

 قال تعالى:

 

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)﴾

 

[سورة آل عمران]

 قال تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آَمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾

[سورة البقرة]

 إنَّ هذه الدنيا عرضٌ حاضِر، يأكل منه البرّ والفاجر، والآخرة وَعْدٌ صادِق، يحْكُمُ فيه ملِكٌ عادِل.

 

عرض الكفار على النار:

 قال تعالى:

 

 

﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ ﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 يفتنون أي يعرضون على النار.

 

آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ: آية لها عدة معان:

 

1 ـ أخذوا أمر الله بالطاعة:

 بعضهم قال: أخذوا أمرهُ بالقَبول والطاعة:

 

﴿آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾

 أمرهم بالصِّدق فصَدقوا، وأمرهم بِكَسب المال الحلال فكَسِبوا، أمرهم بالصلاة فصلوا.

 

 

2 ـ هم في ضيافة الرحمن:

 والمعنى الآخر أنَّهم الآن في ضِيافة ربِّهم:

 

 

﴿آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾

 إذا الإنسان في مجال التَّكريم تُقدَّم له الهدايا، تقدم له الأطعمة النفيسة، تقدم له كل وسائل الراحة.

 

 

ثمَنُ الجنَّة أن تكون مُحْسِناً:

 

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ ﴾

 طيب ما سبب هذا الإكرام، قال تعالى:

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾

[ سورة الذاريات ]

 هذا هو الثَّمن، يا إخوان، ثمَنُ الجنَّة أن تكون مُحْسِنًا، على إطلاق هذه الكلمة مُحْسِن في عملك، محسن في حرفتك، محسن في وظيفَتِك، ومُحْسِن في طبابتك، محسن في أيّ مهنة تمْتهنها مُحْسِن مع زوجتك مع أولادك مع جيرانك مع إخوانك، ومع المخلوقات جميعها، ومع الحيوان الذي تذبحه، لا تعذبه، قال عليه الصلاة والسلام: فليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته مُحسِن يعني، والمؤمن لا يصدر عنه إلا كل خير، المسلم لا يُقلق أحداً، أما الكافر: اللهم إني أعوذ بك من جار سوء إن رأى خيراً كتَمَهُ، وإن رأى شرًّاً أذاعه، اللهم إني أعوذ بك من إمام سوء، إن أحسنت لم يقبل، وإن أسأت لم يغفر، فالمؤمن محسِن يأمن جاره بوائقهُ، يأمن كل من حوله.

 

المؤمن مصدر أمْن و سعادة و الكافر مصدر خوف و تعاسة:

 هذا الذي يُتَّقيه الناس مخافة شره، هو شرّ الناس، الذي يُتَّقيه الناس مخافة شره هذا ليس مؤمنًا، المؤمن مصدر أمْن مصدر سعادة، مصدر طمأنينة، مصدر عطاء، وهو يبني حياته على العطاء، أما الكافر فيبني حياته على الأخذ، وإذا أردت أن تعرف ما إذا كنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة، فانظر ما الذي يسعدك ؟ أن تأخذ أم أن تعطي ؟ المؤمن يسعده العطاء، أهل الدنيا يمْلِكون الرِّقاب بِقُوَتهم، والأنبياء يمْلِكون القلوب بِكَمالهم، أنت مع من ؟ فهل تُحبّ أن تملِكَ قلوب الناس بِكَمالك، بلُطفك، بتواضعك، بحِلمِكَ، برحمتك، بإنصافك، بخدمتك للخلق ؟ إما أن تملك قلوبهم بكمالك، وإما أن تملك رقابهم بقوَّتك، فالطُّغاة يملكون الرِّقاب بالقوّة، و الأنبياء فيملكون القلوب بكَمالهم، لذلك قال تعالى:

 

 

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) ﴾

 

[ سورة الذاريات ]

المؤمن محسن ينصف الناس من حوله:

 وفيّ لِزَوْجته، ويربِّي أولاده تربيَةً عالية جداً، كريم لجيرانه، ومُحسن لطلابه، ومُحسِن لِزَبائِنِه، ومُحسِنُ لِمَرضاه، ولا يكذب، ولا يغشّ، ولا يسْتحكِم، ولا يسْتغلّ، لا يبتز أموال الناس بالباطل، ولا يتكبَّر، لا يستعلي، ولا يتغطْرسَ، ولا يقول: أنا وأنا، متواضع:

 

﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾

 وعمله مُتْقن، كلامه واضح، مواعيده صحيحة، ويأخذ ما له، ويَدعُ ما ليس له، وينصِف الناس من نفسه، لا يحتاج أحد معه إلى أن يرفع عليه قضية أبداً، لما القضية؟ كنتُ في عَقد قِران فجلس بِجانبي أخٌ كريم فقال لي: أنا دُهِشْتُ أنَّ أحد إخوانكم جاء إلى مكتبي لِيَرْفَعَ الأُجرة التي عليه اتِّجاه مُوَكِّلي ؛ طواعِيَةً ومن دون دَعوى، فقلتُ هذا هو الأصل، وهو أن تُنْصف الناس من نفسك أن تعطيهم ما لهم، أن تأخذ ما لك، وقال لي أحد إخواننا القضاة: أربعة أخماس الدعاوى في قصر العَدل دعاوى كَيْدِيَّة، والدعوة المحقة قليلة جداً، لذلك المؤمن ينصف الناس من نفسه، لا يأخذ ما ليس له، قانع بالذي له، لا يطمح بما ليس له، ويعرف ما له وما عليه، ورَحِمَ الله عبداً عرف حدَّه فوَقَفَ عنده، فهذه امرأة تزوّج عليها زوجها من دون أن يُعلمها، فلما علِمَت سَكَتَتْ، ولما مات هذا الزوج، بعثت لضَرَّتِها بالتركة، ففوجئت أن هذه الضرة قد طلقت قبل أسبوعين، الزوجة الأولى التي تزوج عليها زوجها، حينما مات زوجها بعثت لضرتها، بنصيبها من الإرث، ولم تعلم رسمياً بهذا الزواج، وهذه التي أرسل لها المبلغ، قالت لا: لقد طلَّقني قبل أسبوعين، ليس لي عنده شيء، هذا هو المؤمن.
 قال تعالى:

 

 

﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾

 

[ سورة الذاريات ]

الإحسان سببه الاتصال بالله عز وجل:

 فالمؤمن إذا عامل مؤمناً يقول لك: هنأه الله، بارك له الله، صنعته متقنة، سعره معتدل، مواعيده صحيحة، متواضع، هذا الذي نملكه، هذه ثروة الحياة الدنيا أن يرضى الله عنك:

 

﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾

 من أين جاءهم هذا الإحسان ؟ لماذا هم أحسنوا وغيرهم لم يحسن ؟ قال تعالى:

 

﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾

[ سورة الذاريات ]

 كانت لهم صِلَة بالله، إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى فإذا أحبَّ الله عبدًا منَحَهُ خُلقًا حسنًا، وهذا الإحسان إذًا سببه الاتِّصال بالله.

 

الناس رجلان برّ تقي و فاجر شقي:

 الناس على اختلاف مِلَلِهم، نِحلهم، واتجاهاتهم، وأجناسهم، وأعرافهم، ومذاهبهم، ومعتقداتهم، وأصلهم، وفصلهم، ومهما قسَّمتَ البشر، ففي النِّهاية هم رجلان موصول بالله، ومقطوع عن الله، فالموصول مُحْسِن، والمقطوع مسيء والموصول مُنْصِف، والمقطوع مُجحف، والموصول عادِل، والمقطوع ظالم، الموصول متواضع، المقطوع متكبر، أبداً، محسن، منضبط، مسيء، متفلت، وهذا التَّقسيم الحقيقيّ، مؤمن وكافر، موصول ومقطوع، محسن ومسيء، مستقيم ومنحرف، مخلص وخائن، يرحم ويقسو، يعطي ويمنع، يعلو ويتواضع، أبدا هذا التقسيم الحقيقي، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

 

(( َالنَّاسُ رَجُلَانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّاسُ ))

 

[رواه الترمذي]

 لا قيمة له عند الله.
 قال تعالى:

 

﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾

 

[سورة الكهف]

 لهم صغار عند الله.

 

من صفات المؤمن الاتصال بالله و صلاة الفجر في جماعة:

 قال تعالى:

 

 

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾

 

﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾

[ سورة الذاريات ]

 متصلون بالله:

 

﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

 يصلون الفجر في جماعة، ومن صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله.

 

 

على الإنسان أن يبحث عن العفيف الذي لا يطلب:

 

﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾

[ سورة الذاريات ]

 من ألطف تفاسير هذه الآية أنَّ السائل الذي يسأل ويأخذ، لكن الذي يتعفَّف ولا يسأل يُحْرَم، لا يعطيه أحد، فالجريء يسأل ويأخذ، الحييّ لا يسأل فيُحْرم، لذلك واجبنا أن نتحرَّى هؤلاء الذين لا يسألون، بل يتعفَّفون، والذين يحْسبهم الجاهل أغنياء من التَّعفُّف، وهذا هو واجبنا اتِّجاه هؤلاء أما الذي يسأل، يسأل ويأخذ، وهو يجرؤ على أن يسأل، فللسائل والمحروم.

 

الإنسان إذا طلب الحقيقة كلّ شيءٍ حوله يدله على الله:

 قال تعالى:

 

﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾

[ سورة الذاريات ]

 كلّ ما في الأرض آيات دالة على عظمة الله تعالى، العِبرة أن تملك آلة التصوير مع الفيلم، فإذا لم يكن هناك فيلم، فكلّ هذه الآيات لا تنطبع، إذا الإنسان طلب الحقيقة، كلّ شيءٍ حوله يدلّ على الله، وإذا أعرض عن الحقيقة لا شيء ينفعُهُ، قال تعالى:

 

﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾

 

[ سورة الذاريات ]

 يعني هذا الماء لما نجمده يتمدد، هل تُصدِّقون أنَّ لولا هذه الآية لما كُنَّا على وجه الأرض، ولما كانت حياة على وجه الأرض، الأجسام كلّها تتمدَّد بالحرارة وتنْكمش بالبرودة إلا الماء، يتمدد بالحرارة، وينكمش بالبرودة إلى درجة زائد أربعة عند هذه الدرجة تنعكس الآية فيتمدَّد بالتبريد، فلولا هذه الظاهرة لما كُنَّا في هذا المكان.
 الماء حينما يتجمد، يزداد حجمه، فتقل كثافته، فيطفو، وتبقى البحار دافئة، أما إذا برد فقل حجمه، كثافته زادت، فغاص في أعماق البحر، بعد حقبة من الزمن، تصبح البحار كلها متجمدة، ينعدم التبخر، ينعدم إنبات النبات، يموت الحيوان، يموت الإنسان، هذا الماء الذي يتمدد.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018