على هدى - الحلقة : 02 - الأخذ بالأسباب والتوكل على الله - الأمانة - إنما تنصرون بضعفائكم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠22برنامج على هدى - قناة الرسالة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

على هدى - الحلقة : 02 - الأخذ بالأسباب والتوكل على الله - الأمانة - إنما تنصرون بضعفائكم.


2013-07-10

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الأخذ بالأسباب و التوكل على الله :

 أيها الأخوة الكرام؛ مع لقاء إيماني جديد، لعلي ذكرت سابقاً أن الإنسان إذا كان مع الله كان الله معه، وأن الإنسان إذا دعا الله عز وجل ما أمره أن يدعوه إلا ليجيبه، وما أمره أن يستغفره إلا ليغفر له، هذه الإيجابيات في علاقتك مع الله.
 ولكن لئلا تزل القدم، ولئلا نفهم الأمور فهماً ما أراده الله هناك فهم للأسباب، وهناك توكل على الله، فالموقف الكامل للمؤمن أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، سهل جداً أن تأخذ بالأسباب، وأن تعتمد عليها، وأن تنسى الله، سهل جداً أن تأخذ بالأسباب، وأن تؤله الأسباب كما يفعل الغربيون، سهل جداً أن تأخذ بالأسباب دون أن تنتظر من الله الإجابة، لكن البطولة هي التوازن، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
 سيدنا عمر رأى رجلاً يقود جملاً أجرب فقال هذا الصحابي الجليل: يا أخا العرب ما تفعل بهذا الجمل؟ قال: أدعو الله أن يشفيه، فقال له: هلا جعلت مع الدعاء قطرانا.
 لذلك قالوا: المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله، لا بد من أن تأخذ بالأسباب، لذلك حينما تقول: لا أستطيع، لا أقدر:

(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز))

[أبو داود عن عوف بن مالك]

 هذا الذي يقول: لا أستطيع، وقع في خطأ كبير، أنت مع من؟ أنت مع خالق الأكوان، ولماذا جاء الله بك إلى الدنيا؟ كي يؤتيك سؤلك، اطلب من الله، استغفر الله، تمنى على الله، أقم علاقة مع الله، حاول أن تناجي ربك، اسأل الله، لذلك المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله:

(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز، فإِذا غَلَبَك أَمر، فقل: حَسبيَ الله ونعم الوكيل))

[أبو داود عن عوف بن مالك]

 أريد أن أقول للشباب: أحياناً لا ينجح الشاب فيقول: الله لم يكتب لي أن أنجح، من قال ذلك؟ أنت لم تدرس، لا تعزُ خطأك إلى الله، عليك أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، لا بد من الأخذ بالأسباب، وكأنني وضعت يدي على مشكلة العالم الإسلامي، العالم الإسلامي ينتظر من الله أن تحدث معجزة له من دون أن يأخذ بالأسباب، الله عز وجل قال:

﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم ﴾

[سورة الأنفال: ٦٠]

 فإذا لم نعد للطرف الآخر ما ينبغي فكيف ننتظر أن الله عز وجل سينصرنا؟ لذلك يقولون: الذي ينتظر نتائج لا تتناسب مع المقدمات هو إنسان أحمق، أي ينتظر أن ينجح ولا يدرس، شيء مضحك، فهذا الدين عظيم، هذا الدين فيه مناهج، مبادئ، قوانين، المنهج الصحيح أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
 ممكن أن أشبه العالم الإسلامي بإنسان في ضوء الشمس، سوف أرمز للحق بالشمس، وسوف أرمز للباطل بالظلام، فالذي يعمل في الظلام يسبق النائم تحت أشعة الشمس لذلك:

(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز))

 لا أقدر، لا أستطيع، هذا الشيء فوق طاقتي:

((فإِذا غَلَبَك أَمر ، فقل حَسبيَ الله ونعم الوكيل))

 مع أنني أرفض من طالب مثلاً لم يدرس ولم ينجح أن يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، ينبغي أن تدرس أولاً، أما إذا درست دراسة متقنة ولا سمح الله ولا قدر أصابك مرض طارئ قبل الامتحان، ولم تقدم الامتحان، لك أن تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، نتعود على الواقعية، هذا العالم الإسلامي يواجه عالماً غنياً جداً، قوياً جداً، ذكياً جداً، فإن لم نكن على حد معقول من الذكاء والقوة والغنى لن نستطيع أن نقف في وجهه، هذه مشكلة كبيرة، مشكلة الأخذ بالأسباب.
 عندك سفر طويل بمركبتك، قم بمراجعة كاملة لها، وبعد أن تجري هذه المراجعة من أعماق قلبك يا رب أنت المسلم، أنت الحافظ، القضية تحتاج إلى بطولة، أن تأخذ بالأسباب، قد تعتمد عليها دون أن تشعر، وتنسى الدعاء، أما إذا لم تأخذ بها فلا يوجد غير الدعاء، لكن أنت في معصية، لأنك لم تأخذ بالأسباب، فالحل الأمثل للعالم الإسلامي هذا العالم ينبغي أن يأخذ بالاسباب وكأنها كل شيء، ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.

 

العبادات الشعائرية لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادات التعاملية :

 مما يعين على أن تكون مستجاب الدعاء أنت في مشكلة، في أزمة، هل أديت الأمانة؟

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُم أَن تُؤَدُّوا الأَماناتِ إِلى أَهلِها ﴾

[سورة النساء: ٥٨]

 المعلم التلميذ بين يديه أمانة، البائع هذا الذي يشتري من عنده بضاعة أمانة، لو أن هناك زيتاً فاسداً، وبعت هذا الزيت، ولم تذكر ماذا حصل في هذا الوعاء، البيع أمانة،

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُم ﴾

  وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب،

﴿ أَن تُؤَدُّوا الأَماناتِ إِلى أَهلِها ﴾

  لذلك أيها الأخوة، الزوجة أمانة، هل عرفتها بالله؟ هل حملتها على طاعته؟ هل حجبتها؟ بناتك أمانة، أولادك أمانة، الجيران أمانة، إن كنت معلماً فالطلاب أمانة، إن كنت طبيباً فالمريض أمانة، إن كنت محامياً فالموكل أمانة، والله حينما نفهم الأمانة فهماً موسعاً والله ننضبط انضباطاً مذهلاً.
 أيها الأخوة الكرام؛ هناك مادة مسرطنة تضاف إلى مادة غذائية ليفتح لونها، فيزداد سعرها، صدق ولا أبالغ كل عبادات الإنسان إذا بنى عمله على إيذاء المسلمين مرفوضة عند الله عز وجل.
 لذلك أيها الأخوة النقطة الدقيقة أن العبادات الشعائرية كالصلاة والصوم والحج والزكاة هذه العبادات لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادات التعاملية:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]

 الزكاة:

﴿قُل أَنفِقوا طَوعًا أَو كَرهًا لَن يُتَقَبَّلَ مِنكُم إِنَّكُم كُنتُم قَومًا فاسِقينَ﴾

[سورة التوبة: ٥٣]

 الحج:

(( من أم هذا البيت من الكسب الحرام شخص في غير طاعة الله، فإذا أهل ووضع رجله في الغرز أو الركاب وانبعثت به راحلته، قال: لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، كسبك حرام، وزادك حرام، وراحلتك حرام، فارجع مأزوراً غير مأجور، وأبشر بما يسوءك))

[أخرجه البزار في مسنده]

 أريد أن أقول لكم ولمن يشاهدنا: إن هذه العبادات الشعائرية كالصلاة والصوم والحج والزكاة هذه العبادات يبنى عليها منهج كامل، ما لم تتعامل مع الله تعاملاً واضحاً لن تستطيع أن تقطف من العبادات ثمارها.
 الحج:

(( من حج بمال حرام فقال : لبيك اللهم لبيك ، قال الله له : لا لبيك ولا سعديك حجك مردود عليك))

[الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ]

 من أنفق مالاً مصدره حرام:

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 53 ]

 هذه الإنفاق وهذا الحج، الصيام:

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))

[ أخرجه البخاري ، وأبو داود ، والترمذي]

 ما قول الزور؟ الغش في البضاعة، بضاعة محلية أنت كتبت أنها مصنوعة في بلد غربي هذا زور، فأنا أقول: لن نقطف من ثمار الدين شيئاً إن لم نستقم على أمر الله.
 أيها الأخوة؛ يجب أن نعلم أن الدين منهج تفصيلي، ما لم تقف عند هذا المنهج وعند تفاصيله، وما لم تلتزم بأمر الله، وتنتهي عما نهى الله عنه لن تنفعك عباداتك الشعائرية.

 

الجزاء من جنس العمل :

 أخواننا الكرام؛ شيء آخر يقول عليه الصلاة والسلام:

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

[أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء]

 هذا الضعيف إن كان جائعاً فأطعمته، إن كان شارداً فأرشدته، إن كان فقيراً فأغنيته، إن كان جاهلاً فعلمته، إن كان مريضاً فأعنت على معالجته، هذا الضعيف، أنت حينما تكرم هذا الضعيف، تطعم هذا الضعيف، تنصر هذا الضعيف، تؤوي هذا الضعيف، ترشد هذا الضعيف، تعلم هذا الضعيف، يكافئك الله بجزاء من جنس عملك، هو أضعف منك وأنت أقوى منه، ما دمت أقوى منه وهو أضعف منك أكرمته، أطعمته، علمته، أويته، الآن الله يكافئك بأن ينصرك على من هو أقوى منك، فالجزاء من جنس العمل:

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

[أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء]

 فهذا الحديث أيضاً له معنى دقيق جداً، والمسلمون في أمس الحاجة إليه.

 

الحبّ أصل في حياتنا :

 لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((... لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا))

[مسلم عن أبي هريرة]

 الحب أصل في حياتنا يا أخوان، حدثنا أستاذ في الجامعة قال: الإنسان الذي لا يجد حاجة إلى أن يحب وإلى أن يُحب ليس من بني البشر:

(( لن تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على ما تحابون عليه، أفشوا السلام بينكم، والذى نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تراحموا، قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم، قال: إنه ليس برحمة أحدكم خاصة ولكن رحمة العامة، رحمة العامة))

[الطبراني ، والحاكم عن أبي موسى]

 هنا الشاهد؛ لا يوجد أب لا يحب أولاده، يرحم أولاده، لكن لو عندك بالمحل موظف صغير في الصيف تحمله فوق طاقته، ابنك لا تحمل هذا يا بني، إياك من أجل ظهرك، الذي ليس ابنك تحمله فوق طاقته، والله يا أخوان يوجد مقياس دقيق جداً هذا الذي لا ترضاه لنفسك كيف ترضاه لغيرك؟
 كنت مرة بمطار بسيدني بأستراليا، فيبدو أن المحفظة وزنها يقدر بخمسة و ثلاثين كيلو، قال لي: يجب إنقاص وزنها لأنه سوف يحملها إنسان، فيجب أن يكون أقصى وزن ثلاثين كيلو، بحياتي ما شعرت بنظام إنساني كهذا النظام، المحفظة في الطائرة يجب أن يكون وزنها ثلاثين كيلو فما دون، لأن الإنسان فوق الثلاثين يتأثر عموده الفقري، فأنا والله بكل نفس ممنونة نقلت بعض الأغراض من هذه المحفظة إلى الأخرى.
 فأنت عندما تكون إنسانياً تتلقى الأمر الإلهي براحة نفسية بالغة، من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل، بل عليك أن ترحم الموظف الذي عندك.
 أنا سأقول كلمة لكن دقيقة: زوج وزوجة إن حدثها عن أمها منتقداً ساعات ينبغي أن تسكت، وإن حدثته عن أمه كلمة واحدة أقام عليها الدنيا، فهذا زوج عنصري، وانتهاء بحق الفيتو في مجلس الأمن، هذا عنصري أيضاً، تقول دولة: لا، فينتهي القرار ولو كان في إحقاق حق.
 كلامي دقيق أي الملخص إذا توهمت أن لك شيئاً ليس لغيرك، وأن على غيرك ما ليس عليك فأنت عنصري، وكلام دقيق وخطير، فأنت بين حالين إما أن تكون إنسانياً، وإما أن تكون عنصرياً، إذا توهمت أن لك شيئاً ليس لغيرك، وأن على غيرك ما ليس عليك فهذه عنصرية، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون إنسانيين.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018