على هدى - الحلقة : 01 - فقه الأزمات. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠22برنامج على هدى - قناة الرسالة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

على هدى - الحلقة : 01 - فقه الأزمات.


2013-07-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الحكمة من أن الإنسان خلق هلوعاً :

 أيها الأخوة الأكارم، قد يمر بالأمة أزمة، هذه الأزمة بعض العلماء أعطوها أحكاماً فقهية خاصة، فيمكن أن يكون محور هذا اللقاء الطيب: فقه الأزمات.
 أولاً: من هذه المعلومات الدقيقة عن الأزمات نقرأ هذه الآية قال تعالى:

﴿إِنَّ الإِنسانَ خُلِقَ هَلوعًا﴾

[سورة المعارج: ١٩]

 هلوع: شديد الخوف، إذا مسه الشر جزوعاً شديد الجزع، وإذا مسه الخير منوعاً.
 قبل أن نتابع إن الإنسان حيثما وردت كلمة إنسان في القرآن الكريم تعني الإنسان قبل أن يعرف الله، قبل أن يهتدي إلى الله، قبل أن يستنير عقله بنور الله، قبل أن تتصل نفسه بجمال الله،

﴿إِنَّ الإِنسانَ خُلِقَ هَلوعًا﴾

  هكذا خلق، نقطة الضعف فيه أنه هلوع:

﴿إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزوعًا*وَإِذا مَسَّهُ الخَيرُ مَنوعًا﴾

[سورة المعارج: ٢٠-٢١]

 لكن لو أن أحدكم سأل ما الحكمة من ذلك؟ الحكمة من ذلك أن أي جهاز كهربائي عظيم النفع، غالي الثمن، يوجد بوصلة التيار نقطة ضعف تسمى الفيوز، فلو جاء تيار مرتفع بدلاً من أن يحترق الجهاز تتعطل هذه الوصلة الضعيفة، فيسلم الجهاز، هذه نقطة في خلق الإنسان، هي نقطة ضعف فيه، لكن هذه النقطة نقطة ضعف فيه لصالحه، هذا من تصميم الخالق،

﴿إِنَّ الإِنسانَ خُلِقَ هَلوعًا﴾

 لماذا يتوب التائبون؟ لأنهم خلقوا هلعين، لماذا يرجو الله من لم يرجه من قبل؟ لأنه خلق هلوعاً، لو أردت أن تعدد الإيجابيات التي أرادها الله من أن تكون هلوعاً جزوعاً لما انتهى بك البحر،

﴿إِنَّ الإِنسانَ خُلِقَ هَلوعًا*إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزوعًا ﴾

 حدثني طبيب قلب يبدو أن إنساناً أصيب بأزمة قلبية فاحتاج إلى عمل جراحي، قال لي: أثناء فحص النبض كان نبضه مرتفعاً و هو مضطرب جداً:

﴿إِنَّ الإِنسانَ خُلِقَ هَلوعًا*إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزوعًا*وَإِذا مَسَّهُ الخَيرُ مَنوعًا﴾

[سورة المعارج: ١٩-٢١]

 إذاً دقق في هذا الذي سأقوله، هذه نقطة ضعف في خلق الإنسان لصالحه، ولولا هذه النقطة لما تاب تائب.

 

أصل الدين معرفة الله عز وجل :

 لكن كلمة المصلين نحن كما أعلم يوجد سبعة مليارات على الأرض، منهم مليار وثمانمئة ألف مسلم، أنا أتصور أن من هذا العدد الضخم يوجد مليار يصلون، حسناً هؤلاء يصلون لماذا لا ينتصرون؟ لماذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ))

[أخرجه التَّرمِذِي ، وأبو داود]

 لذلك ورد في الأثر القدسي: (( ليس كل مصلّ يصلي ، إنما أتقبل الصلاة ممَّن تواضع لعظمتي))

 هل عرفت عظمة الله عز وجل؟

﴿وَأَمّا مَن أوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقولُ يا لَيتَني لَم أوتَ كِتابِيَه*وَلَم أَدرِ ما حِسابِيَه*يا لَيتَها كانَتِ القاضِيَةَ*ما أَغنى عَنّي مالِيَه*هَلَكَ عَنّي سُلطانِيَه﴾

[سورة الحاقة: ٢٥-٢٩]

 دقق:

﴿خُذوهُ فَغُلّوهُ*ثُمَّ الجَحيمَ صَلّوهُ*ثُمَّ في سِلسِلَةٍ ذَرعُها سَبعونَ ذِراعًا فَاسلُكوهُ*إِنَّهُ كانَ لا يُؤمِنُ بِاللَّهِ العَظيمِ﴾

[سورة الحاقة: ٣٠-٣٣]

 آمن بالله لكنه لم يؤمن بالله العظيم، إبليس آمن بالله:

﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغوِيَنَّهُم أَجمَعينَ﴾

[سورة ص: ٨٢]

 آمن به رباً وعزيزاً، وآمن باليوم الآخر:

﴿قالَ أَنظِرني إِلى يَومِ يُبعَثونَ﴾

[سورة الأعراف: ١٤]

 لكن إبليس ما آمن بالله العظيم، ضع أربعة خطوط تحت كلمة عظيم:

﴿إِنَّهُ كانَ لا يُؤمِنُ بِاللَّهِ العَظيمِ﴾

[سورة الحاقة: ٣٣]

 أنت إذا عرفت من هو الله تعد للمليار قبل أن تعصيه، لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت، أنت إن عرفت الله تعرف كم ينتظرك من تكريم في الدينا والآخرة إذا أطعته، إذا عرفت الله تنظر كم ينتظر العاصي من عقاب أليم إذا عصاه.
 العبرة أن معرفة الله هي أصل الدين.

 

الاتصال الحقيقي بالله يجعل الإنسان متماسكاً صابراً :

 الآن الاهتمام الكبير بالحديث عن أمر الله عز وجل، فلابد من التكامل بين معرفة الله ومعرفة أمره، وأكرر وأقول: إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الأمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر، فلذلك احرض على أن تتفكر في خلق السموات والأرض من أجل أن تؤمن بالله العظيم، احرص على أن تخضع للآمر لا خضوع تقليد بل خضوع علم، قال تعالى:

﴿فَاعلَم أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[سورة محمد: ١٩]

 لذلك الاتصال بالله الحقيقي الناتج عن معرفة بالله تجعلك عند الأزمات متماسكاً، صابراً واثقاً من نصر الله.
 خرج النبي الكريم إلى الطائف، وفي الطائف دعاهم إلى الله فلم يؤمنوا به، وكذبوه، بل سخروا منه، بل أغروا صبيانهم ان يضربوه، فلما رجع النبي الكريم إلى مكة سأله زيد: يا رسول الله أترجع إلى مكة وقد أخرجتك؟ ماذا قال النبي الكريم؟

(( إِنَّ اللَّهَ نَاصِرٌ دِينَهُ وَمُظْهِرٌ نَبِيَّهُ))

 هذه الثقة.
 هناك ملمح آخر؛ النبي في أثناء الهجرة تبعه سراقة ليقبض عليه أو يقتله، لأن قريشاً أعدت مئتي ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، قال له النبي الكريم- دقق إنسان مهدور دمه، مئتا ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً-: كيف بك يا سراقة إذا لبست سوار كسرى، إنسان ملاحق، مئتا ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً يقول: يا سراقة كيف بك إذا لبست سوار كسرى، ما معنى ذلك؟ معنى ذلك أنني سأصل إلى المدينة سالماً وسأؤسس دولة، وسأنشئ جيشاً، وسأحارب الروم والفرس، وسأنتصر عليهم، ويا سراقة لك سوار كسرى، وهذا وقع. الذي أتمناه أن تكون واثقاً من نصر الله، لا تيئس، لا تتشاءم ، اليأس من البعد عن الله، عليك أن تكون واثقاً من نصر الله.

 

النبي أقواله وأفعاله وإقراره سنة :

 أيها الأخوة الكرام؛ لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا حزنه أمر قال: " لا إله إلا الله الحليم العظيم " أي لا مسير للكون إلا الله الحليم العظيم، هكذا كان يدعو ويقول إذا ألم به أمر، وكان يقول بعض العلماء الذين نقلوا سيرة النبي الكريم كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة وهذه سنة.
 النبي أقواله سنة، وأفعاله سنة، وإقراره سنة، هذه من أفعاله كان إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة.
 شخص قد تأتيه مشكلة، قد تكون في صحته، في زوجته، في أولاده، في عمله، في بيته، مشاكل كثيرة جداً، فالنبي علمنا كان إذا حزبه أمر - ألمّ به - بادر إلى الصلاة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إنَّ رُوح القُدسِ نَفَثَ في رُوعي أنه لن تَمُوتَ نفس حتى تستكمل رِزْقها وأجَلَها))

[أخرجه زيادات رزين]

 أي الأجل والرزق لا يتغيران، مادمت تنطق فلك رزق، الأجل والرزق ليسا بيد إنسان، ولو رأيت بهذه العين أن إنساناً قتل إنساناً، الذي قتل الإنسان قتله في أجله، الأجل لا يتقدم ولا يتأخر، الرزق مقسوم، أنت إذا آمنت إيماناً حقيقياً أن الأجل ثابت والرزق مقسوم لا تخف عندئذ ولا تخشى أحداً.
 بشكل أو بآخر وحوش كاسرة مفترسة شرسة جائعة، لكن هذه الوحوش موبوطة بأزمة متينة، بيد جهة عليمة، رحيمة، حكيمة، عادلة، بربك علاقة هذا الإنسان مع الوحوش أم مع من يملكها؟ الذي يملكها، إذا أرخى زمام أحدها انطلق الوحش، ونهش هذا الإنسان، فإذا بقيت هذه الأزمة مشدودة الوحوش لا تخيفك، إذاً اسمع القرآن:

﴿ فَكيدوني جَميعًا ثُمَّ لا تُنظِرونِ*إِنّي تَوَكَّلتُ عَلَى اللَّهِ رَبّي وَرَبِّكُم ما مِن دابَّةٍ إِلّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبّي عَلى صِراطٍ مُستَقيمٍ﴾

[سورة هود: ٥٥-٥٦]

أكبر عذابات النفس أن تدعو مع الله إلهاً آخر :

 يا أخوان التوحيد مريح، دقق في هذه الآية:

﴿فَلا تَدعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكونَ مِنَ المُعَذَّبينَ﴾

[سورة الشعراء: ٢١٣]

 أي أحد أكبر عذابات النفس أن تدعو مع الله إلهاً آخر، لذلك:

﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ ما دونَ ذلِكَ ﴾

[سورة النساء: ١١٦]

 شخص سألني حسناً لماذا لا يغفر أن يشرك به؟ قلت له: إنسان أراد أن يسافر فرضاً إلى الشام بالقطار، فقطع درجة أولى، ولعدم خبرته ركب في قاطرة أو مقطورة من الدرجة الثالثة، دافع درجة أولى وركب درجة ثالثة، هذا خطأ، جلس مع شباب غير منضبطين، أزعجوه كثيراً هذا خطأ ثان، يوجد بالقطار عربة مطعم، والطعام مجاناً وهو لا يعلم ذلك، هذا خطأ ثالث، قد يرتكب عشرات الأخطاء لكن القطار في طريقه إلى هدفه، ويوجد مبلغ ضخم يريد أن يقبضه، رغم كل هذه الأخطاء القطار متجه نحو الشام، وهناك يوجد مبلغ كبير، إذاً القطار في طريقه إلى الهدف، والهدف محقق، لكن يوجد أخطاء ارتكبت أثناء الطريق. و لكن هناك خطأ لا يغفر أن يركب قطار جدة مثلاً.
 فالإنسان عندما يتجه لغير الله يفقد كل شيء، هذا هو الشرك، توجه لغير الله، لا يوجد شيء إطلاقاً، إن الله لا يغفر أن يشرك به، مادمت تركت الله أشركت به، أي توجهت لغيره، غيره ليس عنده شيء، فالمعنى الدقيق لقوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به، لذلك قالوا: هناك ذنب يغفر، وذنب لا يغفر، وذنب لا يترك، أما الذي يغفر فما كان بينك وبين الله، وأما الذي لا يترك فما كان بينك وبين العباد، والذي لا يغفر الشرك بالله.
 فحقوق العباد مبنية على المشاححة، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة، فالذي يغفر ما كان بينك وبين الله، والذي لا يترك ما كان بينك وبين العباد، والذي لا يغفر الشرك بالله، لأنك تركت الله كلياً وتوجهت إلى غيره.

 

من كان مع الله كان الله معه بالحفظ و التأييد :

 أيها الأخوة الكرام؛ الإنسان حينما يكون إيمانه بالمستوى المطلوب تأتي هذه الآية:

﴿قُل لَن يُصيبَنا إِلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا ﴾

[سورة التوبة: ٥١]

 دقق في معنى كلمة لنا، يوجد فرق كبير بين لنا وعلينا، لنا لصالحنا إيجابية، أما علينا فسلبية، لن يصيبنا لن للمستقبل، لكن الإنسان مادام مع الله فالله معه، مادام مستقيماً على أمر الله فهو في رعاية الله، في حفظ الله، في توفيق الله،

﴿ لَن يُصيبَنا إِلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا ﴾

 هذه الآية تمنح الإنسان ثقة في المستقبل، لذلك قال تعالى:

﴿أَفَمَن كانَ مُؤمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَستَوونَ﴾

[سورة السجدة: ١٨]

 وقال أيضاً:

﴿أَم حَسِبَ الَّذينَ اجتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَجعَلَهُم كَالَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحياهُم وَمَماتُهُم ساءَ ما يَحكُمونَ﴾

[سورة الجاثية: ٢١]

 أخواننا الكرام؛ زوال الكون أهون على الله من أن يضيع حق امرئ مسلم، أنت تعاملت مع الله، طبقت أمر الله، اتقيت الله، أطعت الله، تقربت إلى الله بعمل صالح، كنت باراً بوالديك، صادقاً في حديثك، أميناً فيمن ائتمنك، هذه الاستقامة، الاستقامة لها عند الله نتائج عالية جداً، لذلك

﴿قُل لَن يُصيبَنا إِلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا ﴾

 هذا هو الإيمان، لذلك الإنسان عندما يتوقع مصيبة كبيرة جداً هذا من ضعف إيمانه، أنت في رعاية الله، والأدق من ذلك أن الآيات الموجهة للنبي عليه الصلاة والسلام هذه الآيات يمكن أن تصلح للمؤمنين، بقدر إيمان المؤمن وإخلاصه، فإذا الله تعالى قال للنبي الكريم:

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعيُنِنا ﴾

[سورة الطور: ٤٨]

 وأنت أيها المؤمن المستقيم بعين الله عز وجل، برحمته، بحفظه، برعايته، بإكرامه، فاستقيموا ولن تحصوا الخيرات، لذلك

﴿قُل لَن يُصيبَنا إِلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَولانا وَعَلَى اللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنونَ﴾

 هذه العلاقة الطيبة مع الله، علاقة الخضوع لله، علاقة الدعاء، علاقة الاستغفار، علاقة الحب، أي الله عز وجل نحن بيده، نحن في قبضته، ومع ذلك ما أراد أن تكون علاقتنا به علاقة إكراه، قال:

﴿لا إِكراهَ فِي الدّينِ ﴾

[سورة البقرة: ٢٥٦]

 بل أراد أن تكون العلاقة به علاقة حب قال:

﴿ يُحِبُّهُم وَيُحِبّونَهُ ﴾

[سورة المائدة: ٥٤]

 أي الله عز وجل أراد أن تأتيه طائعاً محباً، وما أراد أن تأتيه مكرهاً، فلا إكراه في الدين، فلذلك ابن علاقتك مع الله على الحب، أي شيء في الدين معاملة الله لك بعد أن تصطلح معه.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018