الدرس : 228 - أشراط الساعة - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - (( موت يكون في أمتي كعقاص الغنم ....... ) - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 228 - أشراط الساعة - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - (( موت يكون في أمتي كعقاص الغنم ....... )


2016-08-02

 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

أشراط الساعة :

 أيها الأخوة الكرام؛ موضوع النبي عليه الصلاة والسلام أخبر به، هذا الموضوع هو أشراط الساعة، والساعة قبل يوم القيامة، يوم القيامة شيء والساعة شيء، هذا الموضوع أخبر النبي به، وجاء ببعض الأحاديث، ومن هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم : إن من أشراط الساعة:

(( وموت يكون في أمتي كعقاص الغنم))

[الحاكم في مستدركه]

 مرض خطير يصيب الغنم فيميتها بالجملة، موت كعقاص الغنم لا يدري القاتل لم يقتل؟ ولا المقتول فيم قتل؟ هذا من أشراط الساعة.
 يوجد في تاريخ البشرية القاتل يقتل، أما يموت في اليوم مئتان بلا سبب ولا ذنب، فئة تبيد فئة، فهذا من أشراط الساعة، موت كعقاص الغنم لا يدري القاتل لم قتل؟ ولا المقتول فيم قتل؟ يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه، يوم يعق الرجل أباه ويبر صديقه.
 مرة طرق بابي رجل كبير، هذا الرجل بدأ يحضر دروسي، فسألته عن عمله، فوجدت أنه تاجر وأنيق جداً ومحترم، ابنه رئيس الجامعة، انتهى الأمر، مرة طالب انتقل من جامعة دمشق إلى جامعة حلب، فكان بالسنة الثالثة جعلوه في حلب بالسنة الثانية بحسب المواد التي درسها، فما تحمل ذلك، خسر سنة من حياته، فرجاني أن أبحث له عن طريق ليعود إلى دمشق، تذكرت هذا الأب الذي ابنه رئيس الجامعة، استدعيته أتى لعندي وتكلمت معه، قال لي: على عيني، لكن شعرت أنه انحرج، لم أفهم لماذا؟ تواعدنا في اليوم التالي أن نذهب أنا وإياه إلى رئاسة الجامعة، صدقوا ولا أبالغ الأب يتمتع بأناقة عجيبة، معطف من أعلى نوع، أي رجل أنيق، وقور، فدخلنا إلى مكتب الابن رئيس الجامعة، قال له: أبو رياض اجلس هناك، لم أفهم ماذا حدث، لم يشعر الحاضرين أن هذا الشخص هو أبوه إطلاقاً، جلس، النتيجة الموضوع تحدد، بعدما خرجنا قلت له: معقول أن يفعل ابنك معك هكذا؟ فتأثر، قلت له: أين درس؟ قال لي: درس على حسابي، والله أرسلته إلى ألمانيا فأخذ الدكتوراه، أخذ الدكتوراه على حساب الأب واستحى بأبيه.
 الحقيقة أنا تأثرت تأثراً بالغاً جداً، قفز إلى ذهني قصة معاكسة، ابن ضابط في الجيش، والأب مساعد، فالأب جهد أن يكون ابنه ضابطاً، أصبح ضابطاً، وكان عملهما في مكان واحد، فمن مهمات الأب أن يقدم الصف صباحاً، ستمئة جندي يجب أن يقدمهم للابن، هذا هو النظام العسكري، تقدم الرتبة الأدنى للأعلى، فكان هذا الابن حينما يقدم له الصف من قبل والده يأتي إلى أبيه ويقبّل يده أمام كل الجنود، بحسب الوضع الجديد أنا ضابط ولكن أنت أبي.
 يوجد أنواع من بر الوالدين شيء يفوق حدّ الخيال، وأنا بحياتي الدعوية لم أر ابناً بر أباه إلا كان بأعلى درجة في المجتمع، بل بأعلى درجة مادية، المؤمن بار بوالديه، بصرف النظر عنهما، أي ممكن أن يكون الابن طبيباً والأم إنسانة صالحة جداً لم تدرس، أمية، لكن مكانة الأم لا تتأثر بثقافتها، الأم أم، الأم ينبغي أن تكون بأعلى درجة من الاحترام، موت كعقاص الغنم لا يدري القاتل لم يقتل؟ ولا المقتول فيم قتل؟ يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه، يوم يعق الرجل أباه ويبر صديقه.

 

كلّ أمر أمر الله به قابل للتطبيق :

 الحديث الاصل في هذا اللقاء:

((إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا..))

[الترمذي و أبو داود عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ]

 الشح البخل، عندنا مرض خبيث ينهي حياة الإنسان كالورم الخبيث، أنا أرى أن الشح كالورم الخبيث الذي يصيب النفس، هؤلاء الذين وصفهم القرآن الكريم، إن أنفقوا المال أنفقوه إسرافاً وتبذيراً وإن منعوه منعوه بخلاً وتقتيراً.
 مرة ببعض البلاد كلفة الأسهم النارية تقدر بأربعين مليوناً، الشعوب تموت من الجوع والأسهم النارية كلفتها رقم فلكي يحل مشكلات أمة:
 أخواننا الكرام؛

(( إذا رأيت شحاً مطاعاً ))

 مادية مقيتة، أي يقلب الحكم كله من أجل المال، يكون قاتلاً يقبض مبلغاً كبيراً جداً يصبح القتل غير مقصود، قتل خطأ، مثلاً من إعدام إلى عشر سنوات:

(( إذا رأيت شحاً مطاعاً ))

 مادية مقيتة.

(( وهوى متبعاً))

 الجنس، هذا الهوى المتبع في آخر الزمن:

(( وإعجاب كل ذي رأي برأيه))

 يقولون هذا عندنا غير جائز فرد الشاعر عمن يقول هذا الكلام: ومن أنتم حتى يكون لكم عند؟ أنا عندي لا تجوز وهي تكون عادية، أو أنا عندي تجوز وهي محرمة، هو المحور، ليس الشرع هو المحور، يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتم حتى يكون لكم عند؟ من أنت؟
هو يقرأ الحديث الصحيح فيقول: هذا الكلام غير معقول. لا يطبق.. إله ينزل الوحي يأتي بتشريع غير قابل للتطبيق؟ أليس الله بخبير؟
 لذلك اعتقد يقيناً أن كل أمر أمر الله به قابل للتطبيق.
 بالمناسبة الشيء الذي تتوهم أنك لا تستطيع أن تفعله هو الشيء الذي لا تريد أن تفعله، أي أمر للدين تتوهم أنك لا تستطيع أن تفعله هو الشيء الذي لا تريد أن تفعله.
 عندي قاعدة أصولية: "إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقضه الأيام إذا كان صادراً حقاً عن إرادة وإيمان".

 

القرار الصادر عن إرادة و إيمان لابد من أن يتحقق :

 بالمناسبة الله عز وجل عندما قال:

﴿وَآتاكُم مِن كُلِّ ما سَأَلتُموهُ ﴾

[سورة إبراهيم: ٣٤]

 أي طلب يرتقي لمستوى السعي قال تعالى:

﴿وَمَن أَرادَ الآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعيَها وَهُوَ مُؤمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعيُهُم مَشكورًا﴾

[سورة الإسراء: ١٩]

 أي إنسان طلب من الله شيئاً بصدق لا بد من أن يصل إليه:
 أذكر قصة الحقيقة لغرابتها قد لا تصدق، عالم من علماء الشام الكبار توفي رحمه الله، مرة زرته بالعيد، حدثني بهذه القصة، رجل من صعيد مصر يبعد الصعيد عن القاهرة ألف كيلو متر، والحقيقة صعيد مصر مكان فيه تخلف كبير، وجهل كبير، هذا من صعيد مصر، أرسل ابنه إلى القاهرة ليدرس في الأزهر، بعد سبع سنوات عاد هذا الابن يحمل الشهادة العليا، وخطب بجامع القرية، أو كأنه عين في جامع قريته خطيباً، الأب بكى بكاء مراً، وكل من رآه يبكي ظن أنه يبكي فرحاً بابنه الذي أصبح عالماً، والحقيقة ليست كذلك، يبكي أسفاً على جهله، وفي اليوم التالي ركب دابته وتوجه بها إلى القاهرة الرحلة كلفته شهراً، ألف كيلو متر على دابة من الصعيد إلى القاهرة، في الطريق كان يسأل أين الأزعر؟ لا يعرف أن اسمه الأزهر، سماه الأزعر، قالوا له: ما الأزعر؟ قال: المكان الذي يدرسون فيه، قالوا: هذا اسمه الأزهر وليس الأزعر، حسناً أين الأزهر؟ دلوه على مكانه فوصل بعد شهر، وكان عمره خمساً و خمسين سنة، و هو أمي لا يقرأ ولا يكتب، تعلم القراءة والكتابة في الخامسة و الخمسين، والتحق بالمعهد طبعاً يوجد مستوى ابتدائي إعداداي توجيهي، وبقي يدرس حتى نال شهادة الأزهر، أما الشيء الذي لا يصدق أن هذا الإنسان ما مات إلا شيخ الأزهر، واسمه معروف.
فأنا أقول لكم: إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقضه الايام إذا كان صادراً حقاً عن إرادة وإيمان، واقرأ هذه الآية واعتقد بمعناها الدقيق:

﴿وَآتاكُم مِن كُلِّ ما سَأَلتُموهُ ﴾

 إلا أن الله سبحانه وتعالى لا يتعامل مع التمنيات، قال تعالى:

﴿لَيسَ بِأَمانِيِّكُم وَلا أَمانِيِّ أَهلِ الكِتابِ مَن يَعمَل سوءًا يُجزَ بِهِ ﴾

[سورة النساء: ١٢٣]

 كل شخص من الحاضرين وأنا معكم نتمنى أن نكون أغنياء كباراً، التمني قضية سهلة، كل شخص منا يتمنى أن يكون معه أعلى شهادة، و زوجته من أرقى مستوى، وأولاده أبرار:

﴿لَيسَ بِأَمانِيِّكُم وَلا أَمانِيِّ أَهلِ الكِتابِ مَن يَعمَل سوءًا يُجزَ بِهِ ﴾

في آخر الزمان قيمة الإنسان من متاعه و أثاثه :

 لذلك:

(( إذا رأيت شحاً مطاعاً ))

 مادية مقيتة.

(( وهوى متبعاً ))

 الجنس.

(( وإعجاب كل ذي رأي برأيه))

 أي الانتماء للذات وليس للدين، لا للشرع ولا للقانون، الانتماء لذاته، هو يحلل ويحرم، يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتم حتى يكون لكم عند؟
 الآن التوجيه هكذا، الحديث ينطبق على بلد دون بلد، وعلى حقبة دون حقبة، أنا أقول: الحديث مدى انطباقه علينا هذا بيد الله عز وجل، أو هذا بعلم الله، أو هذا بقناعتكم.

(( إذا رأيت شحاً مطاعاً ))

 مادية مقيتة.

(( وهوى متبعاً ))

 هوى الشهوات.

(( وإعجاب كل ذي رأي برأيه))

 كنت مرة بأمريكا. عشت فيها شهراً ونصف زرت اثني عشر بناء، استنبطت حقيقة صارخة أنهم يعيشون لحظتهم فقط، عنده فيلا، مسبح، دخله كبير، عنده لكل عنصر بالأسرة سيارة، لا يهتم، يوجد موت لا يوجد موت، يوجد آخرة لا يوجد آخرة، برزخ، جنة، نار، هذه الموضوعات كلها ليست واردة إطلاقاً بذهنه، يعيشون لحظتهم، والهدف الأول والأخير لحياتهم الرفاه، فالهدف المعلن للعالم الغربي الذي لا يستحون به أبداً هو الرفاه، كلما كان الإنسان أذكى يعيش حالة من الرفاه أكثر، عنده سيارة، غني جداً، لكل ابن سيارة، بيت بالعاصمة، وبيت على الساحل، وبيت على الجبل، فهذا الرفاه هدف الناس كلهم، لم يعد هناك رسالة يحملها الإنسان، جنة، نار، دعوة إلى الله، عمل صالح، قرب من الله، طاعة الله، انتهى كله، الآن الإنسان قيمته يستمدها من متاعه، من مساحة بيته، وموقعه، من مركبته وماركة مركبته، فالإنسان يستمد كل مكانته من أثاث بيته، قيمة المرء متاعه، لا أحد ينظر لا للعلم ولا للأدب ولا للأخلاق والإيمان، حجمه المالي كم؟ مساحة بيته، مركبته، الأشياء الظاهرة.

 

توجيه النبي الكريم للناس في آخر الزمان :

((إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى ... وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ الْعَوَامَّ... ))

[الترمذي و أبو داود عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ]

 هذا الكلام ينطبق على أي بلد؟ لا أعرف، على أي حقبة؟ لا أعرف، هذا نص صحيح في الصحاح:
 " إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فالزم بيتك، وأمسك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة"
 ما معنى خاصة نفسك؟ أهلك، أصدقاؤك، زملاؤك، الدائرة واسعة ليست ضيقة، أخوانك في المسجد عشت معهم عمراً تحضر دروس العلم، أو زميلك في الحرفة، أو قريبك، أو نسيبك:
 إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فالزم بيتك، وأمسك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة.
 أما التطبيق فهذا بيدكم لا بيدي، كل بلد له خصوصية، وأنتم في هذا البلد والله لا أمدح إطلاقاً، لكن يوجد حقيقة في هذا البلد، وهذا من فضل الله عليكم، التدين في هذا البلد ليس تهمة تحاسب عليها، هل يكتب بك ضبط لأنك تصلي؟ لا، تصلي وأنت مرتاح، تدخل الجامع وأنت مرتاح، لا يوجد من يحاسبك على صلاتك.
 إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فالزم بيتك، وأمسك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة.
 هذا توجيه، أما هذا التوجيه فيطبق في بلد دون الآخر، لا أعرف، بظرف دون ظرف، لا أعرف، بوقت دون وقت، لا أعرف، كل بلد له طبيعة وخصوصية وأهل مكة أدرى بشعابها.
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018