مختلفة - المغرب : 5 - لقطات من تربية الأولاد. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠25ندوات مختلفة - المغرب
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - المغرب : 5 - لقطات من تربية الأولاد.


2017-04-15

النّجاح و الفلاح :

 قبل أن أبدأ كلمتي، هناك هدية ثمينة جداً لكل أم ربت أولادها، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم:" أول من يمسك بحلق الجنة أنا، فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت: من هذه يا جبريل؟ قال: هي امرأة ربت أولادها".
 ألا يكفي هذا النص النبوي ليكون أثمن هدية لكل أم تربي أولادها؟ فإذا ربت الأم أولادها عبدت ربها فيما أقامها.
 هناك عبادة الهوية، الغني عبادته الأولى إنفاق المال، والقوي عبادته الأولى إحقاق الحق، والعالم عبادته الأولى تعليم العلم، والمرأة عبادتها الأولى رعاية زوجها وأولادها، فإذا أدت ما عليها ارتقت إلى أعلى عليين، لكن هناك حقيقة دقيقة أتمنى أن تكون واضحة تماماً هذه الحقيقة ليس هناك نجاح أحادي أبداً، ناجح بكسب مال وفير، هذا أحادي ليس نجاحاً، نجح بإتقانه لعمله، نجاح أحادي ليس نجاحاً، لا يعد النجاح نجاحاً إلا إذا كان شمولياً، أي أن تنجح مع الله في معرفته وعبادته والتقرب إليه، وأن تنجح مع أهلك في البيت، في رعاية شؤونهم، وأن تنجح مع صحتك، وأن تنجح مع من حولك بعملك.
 مع الله نجاح، ومع العمل نجاح، ومع الأهل نجاح، ومع الصحة نجاح، هذه النجاحات الشمولية تسمى فلاحاً، قال تعالى:

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الأعراف:157 ]

 الناجح غير المفلح، الذي حقق الهدف من وجوده يعد مفلحاً.
 أيها الأخوة الكرام؛ الحقيقة المرة، ودائماً وأبداً أنا أتمنى أن يقبل كل مسلم الحقيقة المرة لأني أراها أفضل ألف مرة من الوهم المريح، هناك وهم مريح وحقيقة مرة، الحقيقة المرة أن أي خلل في علاقتك مع ربك أولاً، أو مع أهلك ثانياً، أو مع عملك ثالثاً، هذا الخلل ينعكس على الأربعة معاً، لا يوجد نجاح أحادي، النجاح شمولي، أن تنجح في علاقتك مع الله معرفة وعبادة وتقرباً، وأن تنجح في علاقتك مع أهلك، وأن تنجح في علاقتك في عملك، هذه النجاحات إذا استكملت شكلت فلاحاً، والفلاح قمة النجاح.
 عندنا عالم نفس متفوق جداً مرة قال عندما وصلنا إلى بحث الذكاء: هذا البحث في الكتاب عبارة عن ثمانين صفحة، أتحبون أن أضغطه لكم في كلمة واحدة؟ ما الكلمة؟ قال: هي التكيف، أن تتكيف مع زوجتك، أن تتكيف مع أولادك، أن تتكيف مع دخلك، أن تتكيف مع الأحداث في الحياة، فالتكيف هو قمة النجاح، فلذلك الذي ينجح مع أهله، وفي عمله، ومع ربه، وفي صحته، يعد ناجحاً نجاحاً شمولياً، وهذا هو المطلوب منك.

 

شروط العمل الصالح :

 طبعاً كما تعلمون ما دام الموضوع عن تربية الأولاد هناك تربية عقلية، عندنا لكل طفل عمر زمني وعمر عقلي، اختص به علماء النفس، قد يكون عمره الزمني أسرع من عمره العقلي، وقد يكون أبطأ، هذا يعرفه الخبراء، أي لا تكلف ابنك شيئاً فوق طاقته، تكون قد أسأت إليه، وهناك تربية علمية، وتربية دينية، وتربية نفسية، وتربية اجتماعية، وتربية جنسية، وتربية صحية، إذا نجحنا في هذه الأنواع من التربية نكون قد أدينا رسالتنا.
 الإنسان معه رسالة إذا جاء إلى الدنيا وعمل عملاً صالحاً، ما معنى عمل عملاً صالحاً؟ هو العمل الذي يصلح للعرض على الله، والعمل الصالح الذي يصلح للعرض على الله لا بد له من شرطين: أن يكون خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، إخلاص واتباع، ورد في بعض الآثار: لاعب ولدك سبعاً، وأدبه سبعاً، وراقبه سبعاً، ثم اتخذه صديقاً، لذلك حينما تضغط على ابنك قبل السابعة هناك إساءة له، وحينما لا تهتم بالمرحلة الثالثة في تحصيله الجامعي تكون قد أسأت له، أنا أذكر مرة شاباً يتجه إلى مدرسته، رأى إنساناً يعمل في حرفة معينة، قال له: تعلم وإن لم تتعلم، يكون الواحد ككلب الحراسة من شدة ألمه، أي لا يوجد عطاء يعطيه الأب للابن كالتعليم، لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإن أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً، لذلك قال تعالى:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن : 46]

 جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، قال تعالى:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد : 6]

 ذاقوا طعمها، إنها جنة القرب.

فـلو شاهدت عيناك من حسننــــا  الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنـــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذر ة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة  لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعـــى  سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنـــــــــــــا
فأيسر مافي الحب للصب قتـلـه  وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنـــا
***

 لذلك لاعب ولدك سبعاً، وأدبه سبعاً، وراقبه سبعاً، ثم اتخذه صديقاً.

 

العناية بالأولاد و اختيار أصدقائهم :

 الآن حقيقة دقيقة رددتها كثيراً في عدة سفراتي في أمريكا: لو بلغت أعلى منصب في الأرض، وجمعت أكبر ثروة فيها، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس.
 إن اعتنيت بابنك اعتنيت بنفسك، لذلك أن يكون الابن قرة عين لأبيه هذا شعور لا يعرفه إلا من ذاقه، أن ترى ابنك مؤدباً، متفوقاً أخلاقياً، ترفع رأسك به، هذه نعمة لا تعدلها نعمة والله، وهذا ما يسمى في القرآن الكريم: قرة العين، العين تقر بهذا الوضع.
 أخواتنا الفضليات؛ أخوتنا الأكارم؛ يوجد حقيقة دقيقة دققوا الأب ومكانته وعلمه، والأم برحمتها، والعم والخال والمعلم والمدرس والأستاذ وشيخ الجامع والخطيب، هؤلاء جميعاً تأثيرهم في الشاب أربعون بالمئة، ورفيق السوء ستون بالمئة، أخطر شيء بهذا اللقاء يجب أن تعرف من هو صديق ابنك، ومن هي صديقة ابنتك، في بلد عربي الأب والأم مدرسان، وتربيتهما إسلامية، الابن شرد عنهما، وانتهى بحكم الإعدام عليه في أفغانستان، بمتاجرة المخدرات، هناك نتائج لا تحتمل والله، لكن الموضوع يحتاج إلى عناية بوقت مبكر، أقسم لي إنسان في بلد ما قال لي: إذا مات ابني دهساً فسأقيم مولداً احتفالاً بهذا الابن من شدة عقوقه، لكن أحياناً يوجد توجيه خطير عققته قبل أن يعقك، حينما تعتني به، تعتني به قبل أن يأتي إلى الحياة، تعتني بمن؟ باختيار أمه، تعتني بتربيته، تعتني بأخلاقه، هناك كلمة مشهورة: يأتي الأب مساء و يسأل: الأولاد كتبوا وظائفهم؟ نعم، يا ترى سأل: هل صلوا العشاء؟ الاهتمام بالدراسة، فإذا اهتممنا بالدراسة وأهملنا الدين هناك مفاجآت خطيرة جداً، إذاً تأثير رفيق السوء ستون بالمئة، هذا كلام علماء النفس، أما الأب والأم والخال والعم والأستاذ والمعلم والشيخ والخطيب وكل هؤلاء المرشدين فأربعون بالمئة.
 أعرف أخاً كريماً اختار هو لابنه رفقاءه من أسر دينية، وأخلاقية، ويسمح له بالذهاب إليهم، اتفقوا سبع أسر نحن نسمح لأولادنا أن يرافقوا أولادكم، البيوت السبعة منضبطة، أنا أقول: يجب أن تهتم بادئ ذي بدئ بمعرفة من هو صديق ابنك، ومن هي صديقة ابنتك.

 

تنمية الوازع لا الرادع والمكافأة لا المعاقبة :

 أخواتنا الفضليات؛ أخوتنا الأكارم؛ عندنا ثانوية بالشام هي الأولى بالقطر، الطالب إذا دخل إلى المدرسة يوجد لوحة فيها سؤال: هل صليت الفجر في وقته؟ وهناك نعم أو لا، فنحن مساء نعرف المشكلة في هذا الموضوع نعمل توجيهاً للطلاب في هذا الأسبوع على صلاة الفجر، هل بررت أمك أو أباك في هذا اليوم؟ إذاً نحن أخذنا معطيات، وكان التوجيه مبنياً على هذه المعطيات، العملية التربوية ناجحة جداً، فهذا الطالب يدخل و يجيب عن هذا السؤال، والموضوع ليس فضيحة لأنه لا يوجد أسماء، هناك سؤال وعنده خيار الأول نعم و الثاني لا، فنحن نعرف أين حدود المشكلة ويبنى التوجيه على هذه القضية.
أخواتنا الفضليات؛ أخوتنا الأكارم؛ يجب أن تنمي في الطالب الوازع لا الرادع، الفرق كبير بين الوازع والرادع.
 شيء آخر؛ المكافأة لا المعاقبة، نمي الوازع لا الرادع، والمكافأة لا المعاقبة، من فعل كذا له مكافأة، أما الذي يقابلها فمن لم يفعل فله عقاب.

الشباب مستقبل الأمة :

 لكن الشيء الذي لا يصدق أن جيشاً إسلامياً يتجه نحو الفتوح، قائده أسامة بن زيد، سبعة عشر عاماً، بعض جنوده الصديق، وسيدنا عمر، ما هذه اللفتة من رسول الله؟ شاب في السابعة عشرة من عمره يقود جيشاً من جنوده أبو بكر وعمر، هذا أعظم تكريم من النبي صلى الله عليه وسلم للشباب.
أنا أقول: الشباب مستقبل الأمة، الشباب هم المعول عليهم في التقدم، تصوروا سيارة ما دور الشباب فيها؟ المحرك لأن فيه قوة اندفاع كبيرة، ما دور الشيوخ؟ المقود، ما دور المنهج الشرع؟ هناك محرك هو الشاب، فيه نشاط عال جداً واندفاع، يحتاج إلى مقود، والمقود حكيم، ويحتاج إلى منهج، المنهج هو شرعنا، والمقود هو قرآننا، والشاب هو محركنا.
 فالأمة بشبابها، سيدنا أسامة قائد الجيش، كان يركب الناقة وسيدنا الصديق يمشي، قال له: يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن، قال له: والله لا ركبت ولا نزلت، يمشي الصديق وسيدنا أسامة - سبعة عشر عاماً- يركب الناقة ناقة القيادة، هذا الإسلام، نحن قلدنا الآخرين.

قانون الالتفاف و الانفضاض :

 أقسم لكم بالله لا يوجد شيء اسمه مراهقة، هناك توازن، أسرة متوازنة، متكاملة لا يوجد بها عنف، بالمناسبة العنف لا يلد إلا العنف، أخطر قضية، أن يكون الزوج عنيفاً مع زوجته، و الزوجة عنيفة مع ابنتها، والبنت عنيفة مع أختها الصغيرة، والصغيرة مع الأصغر، بيت كله عنف، كل شخص يستقوي على من هو دونه، وهناك بيت كله رحمة، دققوا قال تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

 أي يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليناً معهم، فلما كنت ليناً معهم التفوا حولك، وأنت أنت بالذات، لو كنت منقطعاً عن الله، لامتلأ القلب قسوة، وهذه القسوة تنعكس على الناس غلظة وفظاظة، فانفضوا من حولك، أنا سميت هذه الآية: قانون الالتفاف والانفضاض، هل يوجد أب لا يتمنى أن يلتف أبناؤه حوله أو يرتاح لو انفض أولاده من حوله؟ مستحيل، هذا القانون، قال تعالى:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

تربية الأولاد أكبر تجارة مع الله :

 أيها الأخوة الكرام؛ يوجد بشارة للآباء والأمهات لا تقدر بثمن هي قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾

[ سورة الطور: 21 ]

 قال العلماء: ألحقنا بهم أعمال ذريتهم، أي أكبر تجارة مع الله أن تربي أولادك، أعماله الصالحة كلها الكبيرة والصغيرة في صحيفتك، بل في صحيفة الجد الذي أنجب هذا الولد، الله عز وجل خلقنا لنربح عليه، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾

[ سورة الطور: 21 ]

 قال العلماء: ألحقنا بهم أعمال ذريتهم، قال تعالى:

﴿ْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الطور : 21 ]

 وقال صلى الله عليه وسلم:

(( الدِّينُ النصيحة ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

 لا بد من أن تقتطع من وقتك وقتاً دورياً أو أسبوعياً أو شهرياً للجلوس مع أولادك، يقول لك أحدهم: خرجت من البيت قبل أن يستيقظوا وعدت بعد أن ناموا، هل أنت فالح بهذا العمل؟ لست أباً إطلاقاً، لا بد من جلسة دورية أسبوعية، نصف شهرية، يومية مع أولادك، استمع إليهم، ماذا قال الأستاذ اليوم؟ قد يكون الأستاذ بعيداً عن الدين ومقتنعاً بنظرية دارون، دارون ألغى الدين كله، إذا كان الابن لا يعرف الموضوع وأنت لم تتابعه فأنت بهذا أسلمته إلى فكر إلحادي، أحياناً يوجد قضية أنا سأوضحها بهذا المثل، شابان أو رجلان يريدان أن يشتريا سيارة، الأول اشترى والثاني لم يشترِ، سرى في البلد إشاعة أنه سوف يصدر قانون بتخفيض الرسوم الجمركية إلى النصف، الذي اشترى السيارة يكذب هذه الإشاعة من دون بحث، ولا درس، ولا دليل، والذي لم يشترِ يصدقها من دون دليل، أنت عندك عقل باطن، فأنت عندما تشاهد ابنك مخطئاً تقول: الناس كلهم هكذا، لا، لا يمكن أن تعمم هذا، لذلك في جامعة كان هناك طالب يقدم الماجستير، الطالب يلقي أطروحته جاء بعبارة فيها تعميم، قال له الأستاذ: توقف، التعميم من العمى، إياك أن تعمم، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ مِن أَهلِ الكِتابِ ﴾

[سورة آل عمران: ١٩٩]

 ما قال: وإن أهل الكتاب.

 

الموضوعية قيمة أخلاقيّة وعلميّة :

 لذلك أخواتنا الفضليات؛ أخوتنا الأكارم؛ الموضوعية قيمة أخلاقية، الموضوعية قيمة علمية في وقت واحد، إذا كنت موضوعياً فأنت عالم، وإذا كنت موضوعياً فأنت أخلاقي، العلم يلتقي مع الأخلاق في الموضوعية، الموضوعية أن تستخدم معياراً واحداً، وأن تعرف ما لهذا الشيء من إيجابيات، وما عليه من سلبيات، لا من أجل الفكاهة، قد يمضي الزوج طوال السهرة في النيل من أم زوجته وهي ساكتة، فلما تكلمت كلمة واحدة عن أمه أقام عليها الدنيا، ما دام اتخذ مقياسين لم يعد موضوعياً ولا إنسانياً، صار عنصرياً.

قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر  وقتل شعب مسلـم مسألة فيها نظر
***

 إذا لم تكن موضوعياً فأنت لست إنسانياً إطلاقاً، ولست عالماً إطلاقاً، إذاً أقنع ولا تقمع، كافئ ولا تعاقب، شجع ولا تثبط، أنا أذكر مدرس لغة عربية عنده طالب نال الصفر في الامتحان، حكيم جداً، بعدما انتهى الدوام جلس معه ساعة أعطاه بيتاً من الشعر وأعربه له، قال له: احفظه طوال الليل، في اليوم الثاني كتب البيت على السبورة، من يعرب؟ فاختاره ليعرب، فعربه، أقسم لي بالله نال العلامة التامة في الامتحان، شجعه، لا تثبط، لا تقل له: أنت لا تفهم، هناك كلمة تحطم الابن، والشيء الثاني: إياك ثم إياك ثم إياك أن تعنف ابنك أمام أحد الناس، إذا كان هناك تربية معينة قد يكون القرار قاسياً بينك وبينه، ولا أمام أخته، من أجل أن تحافظ على شخصيته، الابن يقبل هذا التعنيف فيما بينك وبينه، أما أمام الآخرين، أمام أصدقائه في المدرسة، صعبة، هذه غلطة كبيرة، تحطمه تحطيماً إذا عنفته أمام صديقه، أو أمام أخواته، في القرآن الكريم لفتات، لو فرضنا إنساناً اختلف وأحب أن يقاطع، ماذا قال الله عز وجل؟

﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ﴾

[سورة النساء: 34]

 لماذا قال في المضاجع؟ لئلا يشعر الأولاد بالخلاف بين الأب والأم، هذا الخلاف ينبغي أن يبقى في غرفة النوم فقط، لأن الابن هذا أبوه وهذه أمه، مختلفان يتراشقان التهم أمامه، فهذا يحطمه، يحب أباه وأمه معاً، ولا يوجد عنده إمكانية ليستوعب الأمر، كلمة في المضاجع تعني أن هذا الخلاف ينبغي ألا يخرج من غرفة النوم، دع ابنك مرتاحاً، الأم والأب على وفاق كبير، أنا لا أصدق أن واحداً يستشير ابنه، بهذه الاستشارة تعزز شخصيته، تعزز مكانته، النبي صلى الله عليه وسلم كان يستشير، وقد يشار عليه بغير ما يرى وينفذ، هذا كله من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم.

وسائل إصلاح الأولاد :

 الحقيقة يا أخوان؛ يوجد وسائل كثيرة لإصلاح الأولاد، أنا أقول كلمة دقيقة: القدوة قبل الدعوة، الأب ما تكلم كلمة خطأ، انضبط بلسانه، فيكون بهذا قد علّم ابنه ولو لم يتكلم، ما تكلم بكلام سوء أبداً، انضباطه بتبديل ملابسه تعليم، ما سمع منه كلمة نابية، ما عامل الأم بقسوة بالغة، انضباطك دعوة، فالقدوة قبل الدعوة، قبل توجيهاتك، مثلاً ذهبت الأم مع ابنتها إلى دار الجيران، والحديث ممتع فأطالت الجلوس، عادت إلى البيت، الطعام غير جاهز، جاء زوجها وهو عصبي المزاج، أين الطعام؟ أين كنتم؟ قالت الأم: لم نذهب إلى أي مكان، نحن في البيت، الأم الآن كذبت على زوجها، البنت رأت أمها تكذب على أبيها، دخل الكذب في كيانها، أنت انتبه ابنك يراقب، وهو يفهم كل شيء، أنت كن دقيقاً جداً، يوجد آداب في العلاقات الأسرية كثيرة جداً تحتاج إلى محاضرات كثيرة.
 القدوة قبل الدعوة، والإحسان قبل البيان، والله هذه القاعدة لا أنساها، املأ قلب ابنك بإحسانك حتى يفتح لك عقله لبيانك.
 أنا أقول كلمة لطيفة: يوجد عيد، العيد بدخول الأب إلى البيت أم بخروجه؟ العيد إذا دخلت وليس إذا خرجت الحمد لله، يجب أن تعتقد يقيناً أن نجاحك بتربية أولادك يظهر في فرحهم إذا دخلت لا إذا خرجت.
 وعلمه الأصول والفروع معاً، عندنا مرض الغرق في الجزئيات، تفاصيل تفاصيل، مرة إنسان فرنسي أسلم على يد شيخ في مصر، أبقاه ستة أشهر في أحكام المياه، حتى خرج من جلده، فالتقى بالإمام محمد عبدو، قال له: الماء الذي تشربه توضأ منه.
 أنا أقول: نحن بحاجة إلى أشياء ثلاثة، التبسيط، العقلنة، التطبيق، الأصول، التشجيع لا التخويف، المضامين لا العناوين، والمبادئ لا الأشخاص، وهناك فكرة خطيرة قد لا تصدق كل ما تستطيع أن تقدمه لابنك من مبادئ وأخلاق وقيم ومهارات تترسخ فيه من يوم الولادة حتى السبع سنوات، وبعد السبع سنوات العوض بسلامتك، انتهى، مع الأسف الشديد معظم الناس يهملون أولادهم في السنوات السبعة، لذلك قيل: لاعب ولدك سبعاً، وأدبه سبعاً، وراقبه سبعاً.
 أيها الأخوة الكرام؛ والله لا أستطيع أن أصف لكم شعور الأب حينما يرى ابنه على ما يتمنى، ابن دراسته جيدة، أخلاقه عالية، ثناءات على أخلاقه، هذه سماها القرآن الكريم:

﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾

[سورة الفرقان : 74 ]

 لا يعرف هذه الحالة المسعدة إلا الأب والأم إذا اعتنيا بتربية أولادهم.
 أرجو الله لكم أن يقوي إيماننا جميعاً، وأن يحفظ لكم إيمانكم وأهلكم وأولادكم وصحتكم ومالكم، بقي دعوة أخيرة، هذه الدعوة الأخيرة لا يعلمها إلا من فقدها واستقرار بلادكم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018