مختلفة - المغرب : 6 - فضل طلب العلم والدعوة الى الله. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠25ندوات مختلفة - المغرب
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - المغرب : 6 - فضل طلب العلم والدعوة الى الله.


2017-04-19

مقدمة :

المذيع :
 نشكر الله عز وجل ونحمده سبحانه على هذا اللقاء الذي فيه نلتقي مع عالم جليل عزيز وضع الله له القبول فأحبه أهل المشرق والمغرب، وهو فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، ونرحب به، ونشكره أن تفضل علينا بالاستجابة إلى الدعوة، أهلاً به في بلده الثاني، يا مرحباً براتب، القلب غارق في بحر الأنس، والعين عافت نومها من ضحى أمس، قبل أن نقدم للمحاضرة نشنف آذاننا بآيات بينات من القرآن الكريم...
 بارك الله ... أعطي الكلمة للأستاذ الدكتور رئيس شعبة الدراسات الإسلامية لكلية عين شمس...
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين حمداً يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على رسول الله الكريم، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أنا مسرور جداً بضيوفي، بالعلّامة الأستاذ الفاضل والداعية الكبير، الذي له فضل بعد الله عز وجل على هذه الأمة في تنوير طريق معرفة الحق، ورسوخ القدم بالحق، دعا لله شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، واستفاد منه الجن والأنس، والشجر والحجر، ولله الحمد، فدروسه غير مملة أبداً كلما سمعت له درساً وتوجيهاً، أنا بالحقيقة لا أريد أن أطيل كثيراً، بل نريد أن نسمع منه، أشكره باسمنا جميعاً على استجابته لهذه الدعوة، وتجشمه عناء السفر والتنقل لإفادة طلبة العلم، نسأل الله عز وجل أن يجعل أعماله في ميزان حسناته، وأن يبارك في عمره وعلمه وفي ذريته، وأن يكتب لنا وله الحسنى، وأن يجعل أعماله كلها خالصة لوجهه، ثم أشكر السيدة مديرة مكتب الجامعة، وطاقمها على ما بذلوه لطلبة العلم من مكان وراحة، وأشكر اللجنة المنظمة...وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أفضل إنسان من دعا إلى الله و عمل صالحاً :

الدكتور راتب :
 عندنا في الشام إمام كان إذا صلى بالناس يقول: استووا واعتدلوا وأطفئوا هواتفكم إن إطفاء الهواتف من إقامة الصلاة.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.
 أيها الأخوة الكرام؛ القرآن كون ناطق، والكون قرآن صامت، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، أنا أرى بادئ ذي بدء ما لم ير الناس بعيونهم إسلاماً يمشي أمامهم لن يقتنعوا بهذا الدين، لأن الإنسان يفهم بحواسه قبل عقله، أمامك مسلم إن حدثكَ فهو صادق، وإن عاملتهُ فهو أمين، وإن استثيرت شهوتهُ فهو عفيف، هذه القدوة أبلغ من مليون محاضرة، هذا الإسلام يقوى بالقدوة.
 أيها الأخوة الكرام؛ لذلك فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، المسافة بين كلام الله وبين كلام خلقه كالمسافة بين الله وخلقه، ماذا يقول الله عز وجل؟

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33 ]

 بحسب نص الآية ليس على وجه الأرض إنسان أفضل عند الله ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً، وقال: إنني من المسلمين، فهذا الذي سمح الله له أن يكون داعية، أو سمح الله له أن يكون طالباً في كلية الشريعة، هذا الذي ينتظر منه أن يكون خطيباً في مسجد، أو داعية إلى الله، هذا الذي سمح له أن يدعو إلى الله، هذا نال من الله شرفاً كبيراً لا يعلمه إلا الله.

 

ضرورة تطابق أقوال الداعية مع أفعاله :

 لذلك أخواننا الكرام؛ الآية الكريمة:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة فصلت: 33 ]

 الدعوة سهلة تحتاج إلى ذاكرة ومعلومات غزيرة وطلاقة لسان، لكن:

﴿ مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

[ سورة فصلت: 33 ]

 لا بد من تطابق أقواله مع أفعاله، أن تنتفع من طبيب ولا تعنيك أخلاقه، يعنيك علمه، يوجد التهاب بالمعدة حاد، وهو مختص بجهاز الهضم، تنتفع من مهندس من محامي، إلا رجل الدين لن تنتفع منه إلا إذا رأيت تطابقاً بين أقواله وأفعاله، التقيت مع الإمام الشعراوي عدة مرات، ألفت عنه كتاباً صغيراً، مرة قلت له: بماذا تنصح الدعاة إلى الله؟ أنا توقعت أن تكون مدة الإجابة ربع ساعة، سؤال كبير جداً فإذا بها جملة واحدة قال لي: ليحذر الداعية أن يراه المدعو على خلاف ما يدعو الله، المجتمع، الإنسان يقبل من أي اختصاص العلم فقط إلا من رجل الدين لا يقبل العلم إلا أن يكون مطبقاً، يقول: إنه يكذب علينا أو ليس قانعاً بما يقول.
 فأنتم كدعاة إلى الله، والله تحاسبون على أنفاسكم عند الناس، مرة أذكر يسمونها لقطة، جلسة في الجامع، من فضل الله يرتاده ألوف مألفة، ولي بنت صغيرة جداً عمرها ثماني سنوات إلى جانبها امرأة عرفت أنها ابنتي فسألتها: أبوك في البيت كما يتكلم في الدرس؟
الكلام سهل فيه وجاهة، وفيه تألق، وفيه راحة، وفيه ذاكرة قوية، وفيه قصص لكن البطولة في البيت، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِه..))

[الترمذي عن عائشة أم المؤمنين]

 خارج البيت أناقتك، نعومتك، ترحيبك بوكيل الشركة، كل تصرفاتك خارج البيت مصالح، أما أخلاقك فأين؟ لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:

((خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي))

[الترمذي عن عائشة أم المؤمنين]

 أنت كداعية متى تنتزع احترام زوجتك؟ أنت في البيت على حقيقتك، خارج البيت تتصرف بشكل ذكي جداً، يوجد مصالح و عمل تريد أن تحافظ عليه، أين بطولتك؟ أن تكون كما ينبغي في البيت من هنا قال النبي:

((خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي))

[الترمذي عن عائشة أم المؤمنين]

 لا تستطيع أن تنتزع احترام زوجتك في البيت كداعية إلا أن تكون كما تقول، أنا أقول لكم من أعماق أعماقي لا بد من تطابق الأقوال مع الأفعال في هذا الموضوع بالذات، يوجد ألف موضوع آخر أنت تحتاج إلى خبير في البترول، يا ترى يصلي؟ ماذا تريد من صلاته؟ يصلي أو لا يصلي لا علاقة لك، فلذلك النصيحة الأولى الخبرة الأولى المتواضعة: لن تؤثر في أحد إلا إذا تطابقت أقوالك مع أفعالك كداعية، ولا تنس أن الله يقول:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33 ]

 هذا قرآن كريم.
 أيها الأخوة الكرام؛ أذكر مرة أن عالماً كبيراً ترك تفسيراً كبيراً أيضاً، أعدم في بلد عربي- القصة قديمة- جيء له بشيخ ليلقنه الشهادة لئلا يموت كافراً فقال له: أنت ترتزق بها أما أنا فأموت من أجلها، فرق بين الداعية المؤثر والداعية التقليدي المرتزق، أنا أتمنى إذا كان الإنسان يبتغي من هذه الكلية أن يرتزق فليبحث عن أي عمل آخر أربح وأنجح، أما هذا العمل فله علاقة بالله، يجوز ألا تتلقى الدعم المالي الكافي ولا الدعم المعنوي لكنك مدعو من الله، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33 ]

 أنا أتمنى الواحد بسبب توحيده وإخلاصه لله ألا يقول: أنا أعمل داعية، بل سمح الله لي أن أكون داعية، سمح الله لي هذا الواقع، من أنت؟ الله عز وجل يقول:

﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾

[ سورة محمد: 38]

 من بعض الأدعية:" اللهم استعملنا ولا تستبدلنا" والله يعلم الحقيقة، أنا أذكر مرة كنت في الحج، ودفعت إيصال الهدي، أول مرة بحياتي أمزق الإيصال، هذا لله، الله يشاهد ويعلم، الله يعلم لا تحتاج معه إلى قسم، ولا إلى يمين، ولا إلى إيصال، هو يعلم السر وأخفى، لذلك اشكروا الله أن سمح أن تكونوا طلاباً في كلية الشريعة، سمح لكم، أما إذا رأيت الذي دخل الطب أرقى منك، فمن أوتي القرآن فظن أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقّر ما عظمه الله.
 فأنت سمح لك أن تكون داعية، إلا أن مشكلتك ليست في الكلام، مشكلتك بالتطبيق، مشكلتك في بيتك، بيتك إسلامي؟ عملك إسلامي؟ حياتك في وقت فراغك إسلامية؟ هذا الذي يقتضي أن يكون، أنت تمثل الدين، والناس عندهم النقد من أعلى مستوى، الناس نقادون نقدهم دقيق.

 

الدين توقيفي :

 لكن أنا أقول: كلمة تجديد هل تصح في الدين؟ الدين توقيفي، كتاب وسنة، لا يوجد إضافة ولا حذف، هل تستطيع أن تحذف آية في القرآن الكريم؟ الآن ليست لازمة، هل تستطيع أن تضيف آية؟ وكذلك السنة الصحيحة توقيفية، لذلك إذا أنت أصررت أن تقول: تجديد، التجديد بمعنيين، أول معنى أن تنزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، الإضافات، الخرافات، الخزعبلات، الشطحات، هذا كله موجود، أين بطولتك؟ أن تعيدنا إلى أصلي الدين الكتاب والسنة، أن تنزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه.
 والشيء الثاني في التجديد: الخطاب الديني، أن تخاطب العقل والقلب والجسم معاً، الإنسان له عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، الحب الذي يسمو بك، والشيء الثالث الجسم، أنت عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، والجسم غذاؤه الطعام والشراب، بمال من كسبك الحلال:

((... واليدُ العليا خير من اليد السُّفْلى))

[ مسلم والترمذي عن أبي أمامة الباهلي]

 أنا لا أتمنى الداعية أن يكون: سيدي لا يوجد لنا غيرك... قليل من مال زكاتكم، هل أنت شحاذ؟ أنت عالم، داعية، لذلك ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن النفوس جبلت على حبّ من أحسن إليها.
 فالدين توقيفي، إن أضفت عليه اتهمته بالنقص، وإن حذفت منه اتهمته بالزيادة، لكن البطولة في فهمك للدين أن تفهم حقائق الدين العميقة، أن تفهم الدين من مفهوم تطبيقي عملي، إنسان أسلم عند أحد العلماء، أبقاه في أحكام المياه ستة أشهر حتى خرج من جلده، فترك الدين، ثم التقى بالإمام محمد عبدو، قال له: الماء الذي تشربه توضأ منه، انتهى، الإنسان الآن لا يرقى إلا بالتطبيق والعقلنة، لا تقم حاجزاً بين العقل والعلم، هذا أكبر غلط، النقل لا بد من أن يتوافق مع العقل، متى يتناقضان؟ إذا كان العقل نظرية ليس حقيقة، متى يتناقض العقل مع النص؟ إذا كان العقل غير صريحاً تبريرياً، هناك عقل صحيح و عقل تبريري، عندك نقل غير صحيح ونقل صحيح، العقل الصحيح والنقل الصحيح لا يتناقضان إطلاقاً، لأنهما من جهة واحدة.
 في الرياضيات حد يساوي حداً، حد آخر يساوي نفس الحد فهما متساويان، لذلك أيها الأخوة الكرام؛ غذاء العقل أن تكون داعية، وغذاء الطعام أن تكون يدك العليا.

 

قواعد الدعوة إلى الله :

1 ـ القدوة قبل الدعوة :

 الآن يوجد قواعد في الدعوة تنجح فيها الدعوة، أنا أقول: الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، وبينهما أربعة سنتمترات، يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، لذلك أقول: القدوة قبل الدعوة، الداعية أهم شيء أن يكون كلامه وفق الأصول، في بيته، في عمله، في هندامه، ما من داع ليخلع ثيابه أمام أهله، ابني محتشم، ما رأى من أبيه خطأ، ما رأى من أبيه كلمة بذيئة، ولا موقفاً حاداً، ولا غيّر ملابسه أمام أولاده، الأب الملتزم لو لم ينطق بكلمة التزامه دعوة، لا تقل: هناك دعوة منطوقة ودعوة منظورة، الحشمة دعوة، والصدق دعوة، والأمانة دعوة، فكل إنسان يستطيع أن يعلم أولاده من دون أمر، من دون توجيه، من دون محاضرة، مثلاً سامحوني ذهبت الأم مع ابنتها إلى دار الجيران، والحديث ممتع طال بهم، عادت إلى البيت، الطعام غير جاهز، جاء زوجها وهو عصبي المزاج، أين الطعام؟ أين كنتم؟ قالت الأم: لم نذهب إلى أي مكان، نحن في البيت، الأم الآن كذبت على زوجها، نحن مشكلتنا ليس في الكلام، أحياناً في السلوك، لا يمكن أن ينسى هذا الابن، لا يوجد كلمة بذيئة، لا يوجد تصرف غير لائق، القدوة قبل الدعوة، مطلوب من أستاذ الجامعة فقط معلومات دقيقة، ومأصلة، ومدللة مع شواهد وأدلة، ليس مطلوب منه أن يغض بصره، هذا موضوع علمي، أما المؤمن فمطلوب منه أن يطبق الدين قبل أن يبدأ المحاضرة، هذا الذي أتمناه منكم، الله سمح لك أن تكون طالباً في الشريعة، والدعوة في القرآن الكريم أفضل عمل على الإطلاق، الدليل قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33 ]

2 ـ الإحسان قبل البيان :

 الآن هذا الذي أمامك – المدعو- أنا أقول: ضمن الإمكان املأ قلبه بإحسانك ليفتح لك عقله لبيانك، عنده مشكلة مادية، تستطيع أن تعاونه عاونه، املأ قلبه بإحسانك ليفتح لك عقله لبيانك، القدوة قبل الدعوة، والإحسان قبل البيان، هذه أصول دستور الدعاة، القدوة قبل الدعوة، لا يضبطك أحد تلامذتك وأنت في مخالفة في الشرع، تكون بهذا قد انتهيت عنده، تنتهي عند الناس إذا لم تطبق.
 القدوة قبل الدعوة، والإحسان قبل البيان.

3 ـ الأصول قبل الفروع :

 أحياناً دون أن تشعر هذا خطأ يقع به بعض الناس، أنا أسميه: الغرق في التفاصيل، تفاصيل تفاصيل إلى أن يخرج الناس من جلدهم، الأصول حكمة وجودنا في الدنيا، هذه أصول لماذا خلقنا؟ يوجد مقولة عند العوام: الله خلقنا للعذاب، قال تعالى:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

[ سورة هود :119]

 خلقنا ربنا ليرحمنا، فلذلك يوجد أقوال عند العوام تتناقض مع الدين تناقضاً كبيراً، أنا أذكر نصاً حاسماً لسيدنا عمر، جيء لسيدنا عمر بشارب خمر فقال: أقيموا عليه الحد، فقال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليَّ ذلك، فقال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال له: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار.
 أيها الأخوة الكرام؛ سامحوني الخطأ في العقيدة من أكبر الكبائر، هناك ذنوب تغفر أما الخطأ في العقيدة فلا يغفر إذا إنسان مات عليه، أرجو الله عز وجل أن نقدم هذا الدين على طبق من ذهب، أن نقدمه متوازناً وسطياً، القدوة قبل الدعوة، والإحسان قبل البيان، والأصول قبل الفروع.

4 ـ التربية لا التعرية :

 هناك فرق كبير بين التربية لا التعرية، يقول أحد العلماء: كان عمره خمس سنوات يمشي مع والده، فشاهد جده، فقال هذا الجد لابنه: ابنك عالم، رنت هذه الكلمة في أذنه. نحن الآن عملنا تحطيم الطفل، أذكر في الشام عندنا طبيب متفوق جداً، عنده ابن حريص أن يكون طبيباً، عمره خمس سنوات، فقال له: يا بني هذا الخطاط كبير في السن و قد يموت في أية لحظة دعنا نكتب عنده لوحة: الدكتور فلان الفلاني، هذا صار دكتوراً، شجع ابنك، أنا أذكر طالباً ضعيفاً في اللغة العربية يأخذ دائماً درجة الصفر، جئت له ببيت شعر وأعربته له، قلت له: احفظ هذا البيت طوال الليل، في اليوم الثاني كتبت بيت شعر و قلت لأحد الطلاب: أعرب أنت فلم يعرف، و الثاني لم يعرف، فقلت لهذا الطالب: أعرب أنت فعرب، قلت له: ما شاء الله أكمل فعربه كله فصفقوا له، فصار يأخذ علامة تامة، من صفر إلى علامة تامة، شجعه لا تحطمه، لا تكن معولاً مخرباً، أنت كمعلم كلمتك لها تأثير كبير جداً، أنت غبي، فعلاً يصبح غبياً بعد ذلك، يقتنع.
 يا أيها الأخوة الكرام؛ لا أبالغ كلمة منك لطالب ترفعه، التربية لا التعرية، لا تظن أنك إذا أهنته وحقرته أمام رفاقه أنه سينسى ذلك.
 وهناك نقطة دقيقة اقبلوها مني كمربين، يقبل منك الطالب أقصى عقوبة، لكن لا يقبلها أمام رفيقه، إياك أن تعاقب إنساناً أمام رفيقه، ولا تعاقب ابنك أمام أخوته، بينك وبينه، دع التأديب بينك وبينه، والإنسان أحياناً يقبلها من والده، لكن لا يقبلها أمام أخوته، وأخوته البنات أيضاً، إذاً التربية لا التعرية.

5 ـ المضامين لا العناوين :

 المضامين لا العناوين، يقال: العالم العلّامة، والحبر وحيد عصره، وفريد زمانه، خير إن شاء الله، اكتب ما شئت، إذا كان المؤلف فارغاً ليس له طعم لا يقال له شيء، وإذا كان عظيماً ينعتونه بهذه الصفات، أنت كن في الوضع الطبيعي، المبادئ لا الأشخاص.

6 ـ التدرج لا الطفرة :

 التدرج لا الطفرة، هذا منهج، الإله العظيم الذي بيده كل شيء قال تعالى:

﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾

[ سورة النساء : 43 ]

 أي مسموح أن نشرب الخمر؟ هكذا الآية، لماذا أبقاها الله عز وجل في القرآن؟ كي يعلمنا التدرج، ليعلم الدعاة التدرج، أما رأساً حكم عليه مؤبداً، قال تعالى:

﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾

[ سورة النساء : 43 ]

 إلى قوله تعالى:

﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾

[سورة المائدة: 90]

 التربية لا التعرية، والمضامين لا العناوين، أحياناً يكون الإنسان متفوق لكن ما عنده إمكانية، يقول لك: أنا دكتور كبير في علم النفس، في الإنسان قدرة خطيرة جداً، القدرة أن تبدو بحجم أكبر من حجمك، هذه قدرة، هناك الكثير من الأشياء لها حدود محدودة جداً لكنك تعبر عنها بطريقة واسعة.
 المضامين لا العناوين، لا تحتاج وحيد زمانه، إمام عصره، لا تحتاج هذه كتبه، الفقير إلى الله تعالى، لذلك أنا أقول كلمة دقيقة، تأتي الآية في قوله تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

 أي يا محمد من خلال اتصالك بنا اشتققت الرحمة منا، بهذه الرحمة كنت ليناً لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك، وأنت أنت بالذات ولو كنت افتراضاً منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة ولانعكست القسوة غلظة وفظاظاً، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 أنا أقول: هذا قانون الالتفاف والانفضاض، أما أحياناً غير معقول على حرف، خمس علامات، رسب، كان عندنا خمسمئة طالب و تسعة، وعندنا سؤال بمادة معينة، أجبت إجابة فيها غلطة إملائية نحوية خمس علامات، أنت كاتب كلاماً تاماً، فالنجاح كان خمسة أو ستة بالمئة، كان النجاح في الليسانس عشرين بالمئة، أول سنة بالجامعة خمسمئة طالب و تسعة نجح تسعة فقط، هكذا كان عندنا النجاح شبه مستحيل...

7 ـ الإقناع لا القمع :

 أنا أقول كلمة أخيرة: البطولة بالإقناع لا بالقمع، أقنع ولا تقمع، ابنك غلط، طالب أخطأ رأساً عاقبت، أنت غلطت أنا أسامحك، أعطه فرصة، فرصة ليعتذر، فرصة ليندم، أما رأساً عاقبته فالانتقام يعمل شرخاً بينك وبينه، وهذا الكلام للأب أيضاً، الأب والمعلم واحد، فالأمومة أخلاق، الأمومة علم، في أحد الآباء أولاده كلهم دعاة إلى الله، البيت منضبط فيه وسطية، فيه اعتدال، الأب يغض بصره عن تسعة ويحاسب على العشرة، ليس واحدة وراء واحدة، تحتاج إلى محاسبة مستمرة، تحتاج إلى وقوف، ضع نفسك مكانه، الإقناع لا القمع، والمحاسبة المعتدلة.

8 ـ موافقة العمل للعقل و القلب معاً :

 وأن يكون عملك موافقاً للعقل والقلب معاً، أنا لي كلمة: إذا علم الله منك صدقاً في نشر الحق ألهمك الحكمة، هذا إلهام من الله عز وجل، عندئذ تلهم الصواب، تكون موفقاً، التوفيق قال تعالى:

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

[ سورة هود: 88 ]

 ليس هناك شيء في الأرض يتحقق إلا بتوفيق الله، قال تعالى:

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

[ سورة هود: 88 ]

بطولة الإنسان أن يجمع بين التعظيم و الحب :

 أيها الأخوة الكرام؛ قد انتهي بهذه الحقيقة وهي قوله تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

 بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد من خلال اتصالك بنا، عندئذ لنت بالتعامل معهم فأحبوك، أنت مدرس، أو داعية، أحب شيء إليك أن يلتف الناس حولك، أين بطولتك؟ أن تجمع بين الحب والتعظيم، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

[ سورة الرحمن: 78]

 ذي الجلال تعظمه، والإكرام تحبه، التعظيم فقط سهل، والحب فقط سهل، أن تجمع بين الحب والتعظيم، أن يحبك بقدر ما يخافك، أو أن يخافك بقدر ما يحبك، أما التطرف فسهل جداً، الضرب القاسي، أنا أقول كلمة أخواننا أنت تدخل إلى البيت، يوجد قسوة و سباب و ضرب، تخرج من البيت خروجك عيد، أما الأب الراقي فدخوله عيد، فأنت انظر دخولك عيد أم خروجك عيد؟ إذا كان العيد في دخولك فأنت كأب ناجح، كزوج ناجح، كمعلم، كنا في ثانوية وكان هناك مدرس له عمامة، بالفرصة جاء الطلاب ووضعوا عزقة بالسلم ثم ربطوا هذا الطربوش أثناء المحاضرة وسحبوه فصار بالسقف، كان يسأل الجميع أين الطربوش؟ لم يترك طريقة إلا وبحث بها عن الطربوش وهو بالسقف، إذا أنت أزعجت الطلاب عندهم وسائل لا تتحملها.
 أنا أتكلم مع طلاب الشريعة، لا تزعج الطلاب، اجعل الطالب مثل ابنك يحبك، يحبك ويحترم رأيك، يحبك ويعاونك، لا يحبك ويضايقك، بارك الله بكم ونفع بكم.
المذيع :
 بارك الله بأستاذي الفاضل على ما قدم من نصائح وتوجيهات لطلبة العلم والدعاة والأساتذة.
 حدثنا الأستاذ الفاضل أن العلم له جلالة وبهاء وإلا تذهب بهجته ورونقه وتذهب هيبته، أخوتي الكرام، نفتح باب التواصل مع الشيخ وجزاكم الله خير الجزاء...
 سؤال: بسم الله الرحمن الرحيم، أتقدم بالشكر الجزيل إلى فضيلة الأساتذة الكرام، و إلى الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، موضوع فضل طلب العلم هو عنوان يحمل في ثناياه جملة من الخير، وفضل الدعوة إلى الله هو موضوع طالما أحببناه، ولكننا وجدنا صعوبة في معايشته، الله عز وجل قال في القرآن:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾

[ سورة العلق: 1-3 ]

 وللأسف هذه الأمة لا تقرأ....

 

العلم النافع هو العلم الذي تتقرب به إلى الله :

الدكتور راتب :
ارقص. ...
 أيها الأخوة الكرام؛ إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً. والعلم النافع هو العلم الذي تتقرب به إلى الله عز وجل.

***

 سؤال: بسم الله الرحمن الرحيم في حدود ثلاثين ثانية من باب الرحمة التي تحدثت عنها، لي رجاء من الأستاذ الفاضل، أرجو محاضرة في هذا البلد بالذات، ليست لطلبة العلم بل للأساتذة والشيوخ فهم أحوج منا إلى هذا الخطاب نحن معاشر الطلبة، وكم عانينا أستاذي الفاضل من بعض الإهانات وبعض التحقيرات من كثير من الأساتذة ولكن أعلن أمام الله أني أسامحهم...

 

المعلم بمثابة الأب :

الدكتور راتب :
 لأن المعلم بمثابة الأب، لك أب أنجبك، ولك أب زوجك، هذا عمك والد زوجتك، ولك أب دلك على الله، ثلاثة أباء.

***

 سؤال: بسم الله الرحمن الرحيم جزاكم الله خيراً الإشارات مع التطبيق والسلام عليكم.

 

حاجة الإنسان إلى حاضنة إيمانية :

الدكتور راتب :
 إشارة إلى التطبيق في قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[ سورة التوبة: 119]

 تحتاج إلى حاضنة، تحتاج إلى رفيق مؤمن، تحتاج إلى أصدقاء مؤمنين، هذه اسمها حاضنة إيمانية، ما لم يكن لك حاضنة إيمانية لن تستطيع متابعة الاستقامة، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[ سورة التوبة: 119]

 الآية الثانية:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾

[ سورة الكهف : 28 ]

 أغفلنا في اللغة وجدناه غافلاً، بالضبط حسب ما نتصور الله أغفله لا، طلبت منك فما أصبرك، أي وجدناه غافلاً، ليس جعلناه غافلاً، الفرق كبير، قال تعالى:

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾

[ سورة الكهف : 28 ]

 تحتاج إلى حاضنة إيمانية، أنا أذكر إنساناً من كبار التجار في مدينة بسوريا تاب إلى الله، طبعاً هو شارب خمر كبير، عمل حجة وعمرة ورجع تائباً، لكنه لم يغير طقم الأصدقاء الذين يجلس معهم، ففي سهرة من السهرات دفعوه إلى شرب الخمر، قال: أنا تائب، قال له أحدهم: كم كلفتك الحج؟ فقال له: كلفتني خمسين ألفاً، وكان رقم فلكياً، فقال له صديقه: أنا سأعطيك خمسين ألفاً لتحج في العان القادم فشرب، بعد اثني عشر يوماً توفي، قال تعالى:

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾

[ سورة الكهف : 28 ]

 أنت تحتاج الآن إلى حاضنة إيمانية، إلى صديق مؤمن، سهرة مع مؤمنين، أقول: ما الذي يمنع خمسة من الأصدقاء الطيبين إما بقرابة أو أصدقاء أو زمالة بالأسبوع ساعة واحدة يحضرون موضوعاً من الانترنيت ليبقوا على صلة مع الدين، أنت كالهاتف الخلوي إذا لم تشحنه يصبح قطعة بلاستيك، قد يكون ثمنة مئة ألف، أحدث موديل، وأنت من دون شحن يومي أو أسبوعي ترجع شيئاً ليس له قيمة إطلاقاً.

***

 سؤال: خيرية هذه الأمة قال تعالى:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

 أنا بصراحة أريد أن أسأل عن دور المرأة في الإسلام، قال لهن الله في القرآن الكريم:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾

[ سورة الأحزاب: 33 ]

 ما هو دور المرأة في الدعوة إلى الله عز وجل خصوصاً أن هناك هجمة وحرباً على المرأة وكيان المرأة ودور المرأة في المجتمع؟

 

دور المرأة في الدعوة إلى الله عز وجل :

الدكتور راتب :
 أريد أن أقول لك: بارك الله بك، المرأة حينما تعبد ربها فيما أقامها، أقامها زوجة، فالعبادة الأولى لها رعاية الزوج والأولاد، وفي البيت مليون طريق سالك إلى الله عز وجل، أن تعبد الله فيما أقامها، أقامها أماً، أقامها زوجة، أقامها أختاً، هذه واحدة، لكن لا يمنع أن تضيف المرأة إلى عبادة الهوية عبادة الدعوة إلى الله، أولادها تزوجوا، بناتها تزوجوا، جالسة مع زوجها ودارسة ومتعلمة، تعمل درساً أسبوعياً ممكن، نحن نقول أن تقوم المرأة بما كلفها الله به من أمومة، وبنوة، وزوجة، أن تؤدي هذه الوظائف كما أراد الله، وهذا أقرب شيء إلى الله، هناك مثل بعض الناس يأخذونه عليّ كمأخذ، امرأةٌ صلت قيام الليل، من الساعة الثانية إلى الخامسة والنصف صباحاً، وبكت في الصلاة، وخشع قلبها، ودموعها تمشي على البلاط، وعندها خمسة أولاد، في الساعة السادسة تعبت كثيراً فطلبت من أولادها أن يتدبروا شأنهم، الأكل غير موجود، بعض أولادها السندويش من دون كيس نايلون، الزيت انتقل إلى الكتاب فعاقبه المدرس، والثاني لم يكتب وظيفته فعوقب أيضاً، والثالث حذاؤه غير نظيف فعوقب كالباقيين، الخمسة عوقبوا، الكل أُهِينوا، أنا أقول: هذه المرأة لو استيقظت قبل طلوع الشمس بربع ساعة، ودفأت الغرفة، ووضعت الطعام، وهيأت الشطائر لأولادها، وراقبت وظائفهم، راقبت هندامهم، راقبت ثيابهم، أنا أرى أن هذه المرأة أقرب إلى الله مليون مرة من الأولى، لأن الثانية كانت عابدة لله فيما أقامها، هذه اسمها عبادة الهوية، أنتَ غني؟ عبادتك الأولى إنفاق المال، وليس الأذكار، أنت من؟ أنت قوي، عبادتك الأولى إنصاف المظلوم، إحقاق الحق، إبطال الباطل، أنت من؟ أنت عالم؟ العبادة الأولى تعليم العلم، قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّه ﴾

[ سورة الأحزاب:39 ]

 إذا خشي غير الله، سكت عن الحق خوفاً، أو تكلم بالباطل تملقاً انتهت دعوته كلها، لذلك هذا العلم يشبه سفينة في البحر، إذا أخذت من ماء البحر غرقت، وإذا ترفعت عن ماء البحر سلمت.

***

 سؤال: بسم الله الرحمن الرحيم، والله إنا نحبك في الله، الإعجاز العلمي في القرآن الكريم...

 

الإعجاز العلمي في القرآن الكريم :

الدكتور راتب :
 هل تصدق أن هناك حباً من طرف واحد؟ الحب يكون من الطرفين، قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة الروم:22]

 هذه آية قرآنية، رواد الفضاء عندما صعد رائد الفضاء إلى القمر، في منتصف الرحلة صاح رائد الفضاء: لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً؟ ما الذي حصل؟ الذي حصل أنهم تجاوزوا طبقة الهواء التي تبلغ ستة وخمسين ألف كيلو متر، فلما تجاوزوا طبقة الهواء انعدم الهواء، انعدم تناثر الضوء، صار هناك ظلام دامس، افتح الانترنيت على أبولو ثمانية، بعد أن قطعوا ستة وخمسين ألف كيلو متر، صاح رائد الفضاء: لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً؟ تفتح القرآن الكريم الذي نزل قبل ألف وأربعمئة عام يقول الله عز وجل:

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 14-15]

 هذا يؤكد بالمئة مليار أن الذي خلق الإنسان أنزل القرآن، هذا القرآن من عند الله، بعد اكتشاف أشعة الليزر التي تقاس بها المسافات بدقة بالغة مهما بعدت المسافة، قاسوا المسافة بين الأرض والقمر بالمليمتر، المهندسون معهم جهاز يقول لك: ثمانية عشر متراً وثمانون سنتمتراً، بعد اكتشاف هذه الأشعة قيس أعمق مكان على سطح الأرض فكان غور فلسطين، والتاريخ يؤكد أن المعركة التي تمت بين الفرس والروم في غور فلسطين، والآية تقول:

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ﴾

[ سورة الروم: 2-3]

 الآن أخفض نقطة في الأرض في غور فلسطين، قال تعالى:

﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾

[ سورة الحج : 27]

 ما قال: بعيد، مع أن المنطق بعيد، لأن الشكل كرة، إذا امتد عليها الخط ينحني، من كل فج عميق، هذه الإشارات شيء مذهل، هذه الإشارات تؤكد أن حقائق الكون مدرجة في الآيات بشكل دقيق جداً، كان الأرض مسطحة، دخل أستاذ رياضيات على صف بدولة نفطية رسم خطين متوازيين، قال: المتوازيان لا يلتقيان، وقف طالب وقال: هذا الكلام حرام شرك، ليس معقول هذا الكلام، قال له الأستاذ: هذا في الرياضيات، فلما أصر- كان الأستاذ أذكى منه – فقال: الخطان المتوازيان لا يلتقيان إلا بإذنه تعالى.

***

 سؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل هناك تصادم بين النقل والعقل؟ قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ يَومًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ ﴾

[سورة الحج: ٤٧]

 هل تبدأ بالنقل أم تبدأ بالآية القرآنية أم تبدأ عقلاً ثم تتبع من النقل؟

 

العلاقة بين العقل و النقل :

الدكتور راتب :
 أنت حينما تبدأ بالقضية العلمية بأدلة قوية قطعية الثبوت، بشهادة علماء كبار، يتوهم الطلاب أن العلم شيء كبير جداً، ثم تنقل الآية بعد ذلك فيصابون بصعقة إعجاب، هذا الموضوع ذكره القرآن الكريم، أنا أقول لك قولاً صاح رائد الفضاء: لقد أصبحنا عمياً. الآن هذا الكلام صار شيئاً بديهياً، القضية العلمية إذا بدئ بها ولم تشر إلى نص قرآني، يأتي النص تعمل حالة صعق إعجاب.

***

 سؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخنا الفاضل ذكرتم في مسألة القدر والاختيار، الإنسان أحياناً يريد أن يتخذ قرارات، هل الإنسان مسير في بعض هذه القرارات أم مخير؟

 

الاستخارة بالمباحات لا بالفرائض :

الدكتور راتب :
 لا يوجد استخارة في الفرائض، الاستخارة بالمباحات فقط، إنسان أراد أن يشتري حاجة معينة يشتريها أم لا يشتريها؟ هذا الشراء مباح، والحاجة مباحة، أما في الفرائض فلا يوجد اختيار، الفرائض إلزامية، ولذلك نغلط عندما نعمل استخارة أتوب أم لا أتوب؟ هذه ليس فيها استخارة، أستقيم أم لا أستقيم؟ أنا أستخير أن هذا البيت أشتريه أم أشتري بيتاً آخر، هذه النقطة دقيقة جداً بالمباحات.

***

 سؤال: بسم الله الرحمن الرحيم أشكر القائمين على هذا اللقاء، وأشكر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، التجديد هل يدخل في ذلك أيضاً؟ يظهر شيء جديد من اكتشافات العلوم، و من العلوم التي يفتح بها الله على عالم رباني، هل يدخل هذا في التجديد؟

 

اكتشاف العلوم من التجديد :

الدكتور راتب :
 يدخل في التجديد طبعاً، أنت الآن كأن الأمور القديمة استبعدت، أنت أين بطولتك؟ أن تطرح موضوعاً ضمن الكتاب والسنة، موضوع جديد هذا هو التجديد، قال تعالى:

﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾

[سورة الكهف:109]

 الحق ليس له نهاية، والحق الشيء الثابت والهادف، كلمة حق نتداولها مليون مرة في اليوم، الحق هو الشيء الثابت، والباطل هو الشيء الزائل والعابث، بناء جامعة أنا معي دكتوراه من جامعة عمرها خمسمئة عام، الجامعة ولدت لتبقى، والسيرك وجد ليزول بعد أسبوعين، السيرك فيه عبث، ألعاب بهلوانية، مسلية لكنها عابثة، الحق الشيء الثابت والهادف، والباطل الشيء الزائل والعابث.

***

 سؤال: بسم الله الرحمن الرحيم، مرحباً بفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، والله أحبك في الله وأنا من متابعي إذاعة الرسالة وأتابع الدكتور النابلسي وأتمنى أن تزورنا مرة أخرى و أن تكون بصحة وعافية.

 

الحب في الله :

الدكتور راتب :
 والله لا أقول هذا إلا قناعة أنا زرت بلاداً عديدة في العالم، وجدت التدين القوي في بلدين في عُمان وفي المغرب.

***

 سؤال: بسم الله الرحمن الرحيم، إني أحبك في الله، كيف نختار الدعاة في هذا الزمان لأننا لاحظنا انحراف بعض العلماء في هذا الزمان؟

 

كيفية اختيار الدعاة إلى الله في هذا الزمان :

الدكتور راتب :
 أقسم لكم بالله أن أي مسلم على وجه الأرض عنده حاسة سادسة يرى الصادق صادقاً، والمنتفع منتفعاً، والمنافق منافقاً، والكاذب كاذباً، هذه حاسة سادسة، الله عز وجل حينما يقبل إنساناً يكتب له القبول عند الناس، فالذي قبله الناس معنى هذا أن الله كتب له القبول عنده أولاً، ثم عند الناس ثانياً، أنا مرة دخلت إلى مسجد فيه مكان للصلاة ومكان للدرس، سمعت درساً رأيت فيه قوة إلقاء وأداء رائع جداً، لفت نظري فألقيت نظرة على المتكلم فكان أمامه أربعة أشخاص فقط، وأحياناً محاضرة يحضرها ثلاثة و أربعون ألف شخص، فقبول الناس، الذي يكن مع الله يكتب له القبول عند الناس، أنا ألقيت محاضرة في الأردن، حضرها ثلاثة وأربعون ألفاً، في جامعة إربد، وحولها ثمانية آلاف مقعد، أكبر مدرج في الأردن كله، امتلأ ثمانية آلاف وأربعة فوقهم على الواقف، وفي الخارج ثلاثون ألفاً، أنا أقول: بطولتك أن يسمح الله لك أن يكتب لك القبول عنده وعند الناس، والله يعلم الصادق.

***

 سؤال: السلام عليكم نشكر أستاذنا على هذه المحاضرة القيمة، المشكلة في التطبيق، وهناك قول شهير لأحد الصحابة الكرام، من يطبق...

 

البطل من يطبق منهج الله :

الدكتور راتب :
 ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتقي الله البطل

***

 سؤال: وأنا أقول العبرة بالعمل والتطبيق، وهذا شعار عندنا في الكلية، إننا بأخلاقنا نسمو.

 

حاجة الإنسان إلى منهج و رؤية صحيحة :

الدكتور راتب :
 أنا مرة كنت في الحج فريضة في وفد رسمي، قام إنسان وتكلم عن فضائل الحج، أنا خطر في بالي خاطر، هذه الفضائل تجدها في كتيب ثمنه خمسون ليرة، البطولة أن تتكلم بشيء أنت بحاجة له، الأشياء المعلومة بالضرورة موجودة في أي مكان بالانترنيت، أما أنت فيجب أن تقدم للناس شيئاً يحتاجونه، تحتاج إلى منهج، إلى تفاصيل، إلى رؤية صحيحة، أما الأشياء التقليدية فبين أيدينا جميعاً.

***

 سؤال: السلام عليكم نشكر أستاذنا الفاضل وأشكر أساتذتي في كلية الآداب والعلوم، وأن الداعية هو أول من يستفيد من الدعوة، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( بلغوا عني ولو آية ))

[ البخاري والترمذي عن ابن عمرو ]

 وقال تعالى:

﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾

[ سورة الصف: 3 ]

 بارك الله بكم.

 

أكبر عطاء للداعية أن يرى أن الله فضل عليه وجعله داعية :

الدكتور راتب :
 تكلمت بكلمة من أروع ما سمعت، أقسم لكم بالله كما تفضلت أن أول منتفع من الدعوة الداعية نفسه، أكبر عطاء للداعية أن يرى أن الله فضل عليه وجعله داعية، عندنا منطقة على اليمين ملهى فيه كل أنواع الموبقات، وعلى اليسار جامع، وكلا المؤسسين ماتا، أما الجامع فإلى يوم القيامة كل من صلى به وخط به في صحيفة المؤسس، والملهى كل خطيئة ترتكب في الملهى حتى يغلق في صحيفة من أسسه، لذلك قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾

[ سورة الطور: 21 ]

 قال العلماء: ألحقنا بهم أعمال ذريتهم.
 أيها الأخوة الكرام؛ التجارة العالمية إن كانت صناعة فنسبة الربح فيها عشرون بالمئة، وإن كان تجارة فنسبة الربح اثنا عشر بالمئة، أما أربح تجارة فهي مع الله، أن تفعل عملاً يرضى الله عنك، لذلك أنا ما رأيت أعقل ممن تاجر مع الله، ما رأيت شخصاً هبط عمله التجاري إلى المنفعة كمن انتفع بتجارته.

***

 سؤال: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جزاكم الله أستاذنا الفاضل، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( إِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا ))

[ ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو]

العلم أفضل مهنة على الإطلاق :

الدكتور راتب :
 والله لا أقول هذا افتخاراً أبداً، في اليوم يدخل موقعي مليون زائر، يسحب منه في اليوم مليونان ومئتا ألف ملف، هذه المعلومات ملككم، انشروها ولا تعزوها إليّ، قال الشافعي كلمة: أحب أن ينقل علمي دون أن يعزى إليّ، اعزوها لكم ما عندي مشكلة أبداً، أنا حقوق الطبع عندي غير محفوظة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018