الدرس : 224 - البلاغة والبيان. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 224 - البلاغة والبيان.


2016-07-03

 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أساليب اللغة :

 أيها الأخوة الكرام؛ من تعريفات اللغة أنها تعبير عن الأفكار والمشاعر، هذه اللغة، وقد تستخدم اللغة أو قد يستخدم المتكلم أسلوباً مباشراً، يقول لك أحدهم: تكاثرت عليّ المصائب، تعبير مباشر علمي، وقد يقول الشاعر:

رماني الدهر بالأرزاء حتى  فؤادي فــي غشاء من نبـــــال
فكنت إذا أصابتني سهـــــام  تكسرت النصال على النصالِ
* * *

 رمز للمصيبة بسهم، من كثرة السهام صار له غلاف من السهام، فإذا جاء سهم جديد ليس له مكان تكسرت النصال على النصال، هذه صورة، فأنت إما أن تعبر عن الفكرة تعبيراً مباشراً أو أن تعبر بالصورة، لذلك البلاغة هي من الأساليب الغير مباشرة، مثلاً:

بيض المطابخ لا تشكو إماؤهم  طبخ القدور ولا غسل المناديل
* * *

 هؤلاء بخلاء ما صنعوا ولا وليمة بحياتهم، مطبخهم مرتب دائماً ونظيف، كناية عن بخلهم، هذا تعبير غير مباشر، إذاً في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أقوال، و أفعال، و إقرار، و صفات، سنته أقواله، سنته أفعاله، سنته إقراره، إنسان تكلم كلمة والنبي سكت، معنى هذا أن النبي وافق عليها، إن لم يوافق النبي لا يسكت، الآن صفاته كان إذا صافح آخر من يسحب يده من يد المصافح.

 

مقياس إيمان الإنسان :

 الآن عندنا حكاية، القصة الطويلة جداً اسمها رواية، والقصة المعتدلة اسمها قصة، والقصيرة اسمها أقصوصة، وأقل منها حكاية.
 عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: لما افتتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، قال الحجاج بن علاط- وهو صحابي-: يا رسول الله إن لي بمكة مالاً، وإن لي بها أهلاً- أي أهلي بمكة- وكل أموالي فيها، وإني أريد أن آتيهم - أن أذهب إليهم - فهل أنا في حلّ إن أنا نلت منك حتى أجمع أموالي وأسترجعها- أنا أحتاج أن أنال منك- فأذن رسول الله له أن يقول ما يشاء.
 ماذا نستنبط؟ من حرصه على أصحابه، من رحمته بهم، ضحى أن يقال عنه ما ليس فيه، مقابل أن هذا الصحابي يسترد أمواله من مكة، فقال: هل تأذن لي أن أقول فيك؟ قال: فأذن رسول الله أن يقول ما يشاء.
 فلما وصل مكة أتى امرأته، وقال لها: اجمعي لي ما كان عندك من أموال، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فإنهم استبيحوا، وأصيبت أموالهم، وفشا ذلك بمكة.
 لم ينتصروا في الحرب، أخذت أموالهم، وبيعت ممتلكاتهم، وأنا سأذهب وأشتري من هذه الأموال، وفشا ذلك بمكة كالنار في الهشيم، فقمع المسلمون وتألموا، أن نبيهم في المدينة لم يربح الحرب، وأخذت أموال المسلمين، وأظهر المشركون فرحاً وسروراً، والمؤمنون تألموا ألماً شديداً، فبلغ العباس بن عبد المطلب فقعد في مجلسه، وجعل لا يستطيع أن يقوم – لأن الخبر مؤلم - قال أنس: ثم أرسل غلاماً له - إلى الحجاج بن علاط- فقال: ويلك ما جئت به؟ وماذا تقول؟ فما وعد الله خير مما جئت به. الإله وعد النبي صلى الله عليه وسلم بالنصر، ما هذا الكلام؟ انظر الثقة بالوحي، ثقة أصحاب النبي بالوحي، هذا الكلام يناقض الوحي، قال الحجاج لغلامه: أقرئ أبا الفضل السلام، وقل له: فليخل لي بعض بيوته لآتيه فإن الخبر على ما يسره- الخبر عكس ذلك- قال: ثم جاء العباس، وقال له: أبشر يا أبا الفضل، الأمر ليس كذلك، فوثب العباس فرحاً حتى قبّل بين عيني غلامه، فأخبره بما قال الحجاج فأعتقه، يوجد استنباط شديد: لاحظ نفسك، إذا أصيب المؤمن بشيء سيئ وارتحت فصنف نفسك مع المنافقين، قال تعالى:

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾

[سورة التوبة: 50]

﴿ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾

[سورة آل عمران : 120]

 علامة إيماننا جميعاً إذا كان هناك خير أصاب المؤمن نفرح كلنا، المؤمنون الكل لواحد والواحد للكل، وإن أصيب بشر نتألم من أعماقنا، هذا أحد أكبر مقاييس الإيمان أن تفرح لخير أصابهم، وأن تتألم أشدّ الألم لمصيبة أصابتهم، هذا من شدة فرحه وثب وقبّل بين عيني هذا الغلام مباشرة، قال له: أنت حر لوجه الله للخبر الطيب.

(( ثم جاء العباس فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد افتتح خيبر وغنم أموالهم، وجرت سهام الله في أموالهم، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي، فأخذها لنفسه، وخيّرها بين أن يعتقها فتكون زوجته أو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته، ولكني جئت لمال لي ها هنا، أردت أن أجمعه وأذهب، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لي أن أقول ما شئت، فأخف عني ثلاثاً ثم اذكر ما بدا لك-الخبر اكتمه فقط ثلاثة أيام- قال: فجمعت امرأته ما كان عندها من حلي ومتاع ودفعته إليه، فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج، فقال: ما فعل زوجك؟ فأخبرته أنه قد ذهب، وقالت: لا يحزنك الله يا أبا الفضل لقد شقّ علينا الذي بلغك، قال: أجل لا يحزنني الله، ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، وقد أخبرني الحجاج أن الله قد فتح خيبر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجرت سهام الله فيها، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به، قالت: أظنك والله صادقاً، قال: فإني صادق والأمر على ما أخبرتك، قال: ثم ذهب حتى أتى مجالس قريش- العباس مع قريش - وهم يقولون: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل، قال: لم يصبني إلا خير بحمد الله، قد أخبرني الحجاج أن خيبر فتحها الله على رسوله، وجرت فيها سهام الله، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه، وقد سألني أن أخفي عنه ثلاثاً، وإنما جاء ليأخذ مالاً كان له، ثم يذهب، قال: فردّ الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون من كان دخل بيته مكتئباً حتى أتوا العباس فأخبرهم الخبر، فسرّ المسلمون، وردّ الله ما كان من كآبة أو غيظ أو خزي على المشركين))

 أنا جئت بهذه الحكاية القصيرة من السيرة كي أبين حقيقة افحص نفسك هل تفرح من أعماق قلبك إذا أصاب المسلم خيراً؟ لك صديق أخذ دكتوراه هل تفرح؟ تفرح إذا كنت مؤمناً لأن الكل لواحد والواحد للكل، لك صديق كان زواجه ناجحاً جداً هل تفرح؟ لك صديق أسس شركة ونجحت، فأنا أرى مقياساً لنا جميعاً إذا فرحت من أعماق قلبك لخير أصاب مسلماً فهذه علامة إيمانك، أما المنافق فهو كما وصفه الله عز وجل:

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾

[سورة التوبة: 50]

﴿ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾

[سورة آل عمران : 120]

 إذاً هذا مقياس لنا.

 

مجتمع المؤمنين مجتمع راق جداً فيه تعاون و مشاركة وجدانية :

 أيها الأخوة الكرام؛ يجب أن يكون عندنا مقياس يا ترى أنا إيماني قوي؟ إيماني ضعيف؟ أحد المقاييس يجب أن تفرح من أعماق أعماقك لخير أصاب أخاك، وأن تتألم أشدّ الألم من مصيبة حلت بأخيك المؤمن، لذلك المؤمنون كتلة واحدة، صف، هذه علامة الإيمان، وكلما توحد المؤمنون لن يستطيع الطرف الآخر أن ينال منهم، أما إذا هناك تفرقة فهذا مشكلة كبيرة جداً، مثلاً بجلسة يوجد إنسان أصابه مكروه نتألم له جميعاً، ونعاونه، هذا مجتمع الإيمان مجتمع راق جداً، وأرجو الله إذا كان هناك مجتمع إيماني قوي كأنك بالجنة، كل من حولك يفرح لك بالخير، ويتألم إذا أصابك شيء، إذا كل واحد تعامل مع أخيه بهذه النفسية المجتمع ينمو، لذلك مجتمع المؤمنين مجتمع راق جداً، فيه تعاون، فيه مشاركة وجدانية، فيه ألم لما يؤلمه، و فرح لما يفرحه، هذه علامة الإيمان، أما إذا أصيب أخوك المؤمن بخير وأنت تألمت فهذه بادرة غير طيبة ومؤشر لا يليق بالمؤمن، ينبغي أن تفرح لخير أصاب المؤمنين، وأن تتألم لشر أصابهم، هذه القصة فرزت، دائماً الله يفرز، أحياناً تقع مصيبة المنافقون يفرحون، أعداء الدين يفرحون، بل ويهنئ بعضهم بعضاً، والمؤمنون يتألمون أشدّ الألم، لا يكفي أن تصلي وتصوم نريد انتماء، إذا كان انتماؤك للمؤمنين تتألم لآلامهم، وتفرح لفرحهم، إذاً من حين لآخر اعمل مقياساً، افحص إيمانك، أين أنت من هؤلاء؟ قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات: 10 ]

 كأن الله رفع مستوى العلاقة بين المؤمنين إلى أعلى علاقة وهي الأخوة النسبية، قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات الآية: 10 ]

الابتعاد عن الانتماء الفردي :

 إذاً أيها الأخوة؛ عندنا شيء اسمه: مجتمع إسلامي، هذه حقيقة، لكن أحياناً يكون هناك ضعف في الإيمان، يبقى الانتماء فردياً، مادمت أنت في بحبوحة، ودخلك كبير، لا يوجد عندك مشكلة مالية، لا يهمك وضع المسلمين، أكلوا أم لم يأكلوا، دمرت بلادهم، تشردوا في الآفاق، هدمت بيوتهم، انتهكت أعراضهم، تقول: لا دخل لنا، هذا انسحاب من الانتماء إلى الأمة، أنا والله أؤكد لكم هذه الحقيقة، ما لم تتألم لمصيبة أصابت أخوانك المؤمنين في أي مكان في العالم عندك مشكلة مع الله، وما لم تفرح لخير أصابهم عندك مشكلة، والمنافق كما قال تعالى:

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾

[سورة التوبة: 50]

﴿ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾

[سورة آل عمران : 120]

 فالإنسان بحاجة من حين لآخر لكشف من هو مؤمن و من هو منافق.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018