الدرس : 223 - الأمة الإسلامية أُمَّةُ الوَحيين. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 223 - الأمة الإسلامية أُمَّةُ الوَحيين.


2016-07-02

الأمة الإسلامية أمة الوحيين :

 أيها الأخوة الكرام؛ مما تسمى به الأمة الإسلامية أنها أمة الوحيين، ما معنى الوحيين؟ هناك وحي متلو هو القرآن الكريم، معنى ولفظاً، وهناك وحي غير متلو وهو كلام النبي صلى الله عليه وسلم، معنى لا لفظاً، النص من رسول الله والمعنى من الله، لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم: 3-4 ]

 إذاً هناك وحي متلو هو القرآن، ووحي غير متلو هو حديث النبي العدنان.
 الآن كلام النبي صلى الله عليه وسلم، يقول سيدنا سعد بن أبي وقاص وهو من أقرب الصحابة إلى رسول الله، كان إذا دخل على النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " هذا خالي أروني خالاً مثل خالي"، وما فدى النبي عليه الصلاة والسلام في حياته صحابياً بأمه وأبيه إلا سعد بن أبي وقاص، في المعركة قال:

(( يا سعد ارم فداك أبي وأمي ))

[ ابن ماجه وأحمد عن علي ]

 له مقام كبير، هذا الصحابي الجليل قال: " ثلاثة أنا فيهن رجل "، بالمناسبة كلمة رجل في القرآن والسنة لا تعني أنه ذكر فما كل ذكر برجل، تعني أنه بطل، قال تعالى:

﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة النور: 37]

 رجل بمعنى بطل، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قبيل معركة بدر قال: " لا تقتلوا عمي العباس ". ولا كلمة زائدة، عمه العباس مقيم في مكة، أحد الصحابة قال: أحدنا يقتل أباه وأخاه في المعركة، وينهانا عن قتل عمه! لم يفهم هذا التوجيه، الحقيقة أن عمه قد أسلم وهو هناك، وهو عينه في قريش، فكل قرار تتخذه قريش يكون عند النبي عليه الصلاة والسلام، أنا أسمي إدارته إدارة ذكية، كل قرارات الخصم، وكل توجهاته في علم النبي، لو أن النبي قال: عمي العباس قد أسلم أنهى دوره، العباس لو لم يأت مع قريش في معركة بدر أيضاً انتهى، إذا رفض أن يأتي كشف نفسه، أربعة احتمالات أي احتمال ينهي دوره، له دور خطير مقيم في مكة، وكل ما تدبره قريش بعلم النبي، وكل توجهات قريش بعلم النبي، وكل قرار تتخذه قريش بعلم النبي، هذه الإدارة الذكية، لكن لو قال: عمي أسلم دوره انتهى، ولو لم يشارك عمه العباس في المعركة انتهى، أي كلمة يقولها إضافة عن: لا تقتلوا عمي العباس فقط، يقول هذا الصحابي: أحدنا يقتل أباه وأخاه في المعركة، وينهانا عن قتل عمه! ظللت أتصدق عشر سنين رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله.

 

وظيفة الهامش الاجتهادي الضيق الذي سمح الله به للنبي الكريم :

 في الإسلام شيء اسمه تسليم، أنت قرأت الكتاب والسنة ومعك أدلة ، لكن هذا المؤمن الذي عرف الله مستحيل وألف ألف مستحيل أن يبيع دينه لأي شيء، إذا أنت رأيت موقفاً ما فهمته أحسن الظن بأخيك، يقول: ظللت أتصدق عشر سنين رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله.
 أحياناً هناك شيء واضح كالشمس، وشيء غير واضح، لذلك الله عز وجل قال:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم: 3-4 ]

 إلا أن الله سمح لنبيه الكريم بهامش اجتهادي، هذا الهامش الاجتهادي إذا اجتهد النبي وجاء اجتهاده وفق ما ينبغي سكت الوحي، سكوت إقرار، أي تسعون بالمئة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وحي يوحى، الدليل القرآني:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم: 3-4 ]

 عشرة بالمئة ترك له هامش اجتهادي، يجتهد فيه فإن أصاب في اجتهاده سكت الوحي إقراراً، وإن أفتى بخلاف ما ينبغي فالوحي يصحح له، قال تعالى:

﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة : 43]

﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾

[ سورة عبس: 1-2]

 ما وظيفة هذا الهامش الاجتهادي الضيق؟ ليكون هناك فرق كبير بين مقام الألوهية المطلق ومقام البشرية، هذا بشر لو لم يكن هناك فرق إطلاقاً لأله الناس رسول الله، كان إلهاً، أما ترك له هامشاً اجتهادي ضيقاً، فإن جاء اجتهاده مطابقاً لما ينبغي سكت الوحي تأييداً وإقراراً، وإن جاء الاجتهاد بخلاف ما ينبغي، الوحي يصحح له، فلما صحح له إذاً هذا الإنسان ليس إلهاً، هذا هو الفرق بين مقام الألوهية المطلق ومقام النبوة.

 

التوحيد لا يلغي المسؤولية :

 هذا الفكر ما علاقته بحياتنا اليومية؟ هذا مؤمن هناك تصرف لم تفهمه لعل له عذراً، لعل هناك حكمة دفعته إلى ذلك، من أجل أن تحسن الظن بأخيك، حسن الظن بالمؤمن من الإيمان، حديث الإفك هذا الذي تطاول على مقام السيدة عائشة، واتهمها بشيء أخطر ما في حياة الأنثى، سوء ظنه بهذه السيدة الكريمة، ضعف بإيمانه، أما المؤمنون فظنوا بأنفسهم خيراً، الآن يوجد نقطة دقيقة أن التوحيد لا يلغي المسؤولية، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

 اتهام السيدة عائشة بعرضها، قال تعالى:

﴿ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

 هذا التوحيد، لكن التوحيد لا يلغي المسؤولية، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

 تطبيق عملي لحياتنا اليومية، لو أن طبيباً بمستشفى، بالإسعاف جاء مريض بحالة خطيرة جداً، وهو يدير حديثاً مع الممرضة، قال لهم: لينتظر، خلال نصف ساعة انتظار وافته المنية، لو قال الطبيب: مات بأجله، لا، أنت مسؤول، التوحيد لا يلغي المسؤولية، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

 تحاسب كمقصر بأعلى درجة من المسؤولية، لا أحد يحتج بالتوحيد، هكذا ألهمني الله، ماذا أفعل؟ الله يلهمك الشر؟ أكثر الناس يقولون هذا، شخص لم ينجح يقول: ليس لنا نصيب، لا، لأنك ما درست، دائماً الإنسان يحب أن يرمي أخطاءه على القضاء والقدر، إذا كان الشيء إيجابياً يبقى ساكتاً، يعزوه لنفسه، وإذا كان الشيء سلبياً، ما نجح يقول: الأسئلة كانت صعبة جداً، غير متوقعة، ما كنت تتوقع الأسئلة؟! معظم الناس إذا كان هناك مشكلة عندهم تمس اهتمامهم، اجتهادهم، يعزون هذا للقضاء والقدر، لذلك قال تعالى:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 148]

 لذلك لما سيدنا عمر جيء له بشارب خمر قال: أقيموا عليه الحد، فقال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليَّ ذلك، فقال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، ثم قال له: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار.

 

تعلق إرادة الله بالحكمة المطلقة :

 أيها الأخوة الكرام؛ هذا الدين يمكن أن يضغط كله في التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد ألا ترى مع الله أحداً، التوحيد أن ترى أن يد الله تعمل وحدها، التوحيد أن ترى أن الله هو الرافع والخافض، والمعز والمذل، والمعطي والمانع، لذلك أخواننا الكرام؛ إذا وصلت إلى التوحيد وصلت إلى كل شيء، وإن قصرت بالتوحيد ما فهمت في الدين شيئاً، الآن يوجد مقولة جامعة مانعة: كل شيء وقع في القارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة، أراده الله، ما معنى أراده؟ لا تعني أنه أمر به أبداً، ولا تعني أنه رضيه، كيف؟ أراده أي سمح به، كما لو أن طبيباً تزوج وأنجب بعد عشر سنين طفلاً آية في الجمال، تعلق به تعلقاً مذهلاً، ثم اكتشف الطبيب الأب أن ابنه مصاب بالتهاب الزائدة الدودية، فأراد أي سمح - لم يكن يتمنى- أن يفتح بطن ابنه، إلا أنه أراد أي سمح باستئصال الزائدة، هذه معنى أراد أي سمح، لذلك كل شيء وقع أراده الله أي سمح به، لم يأمر به، ولم يرضه، و كل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، أي الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً، والذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، هذا التوحيد يريح أعصابك، لا يوجد سحق و كآبة، إله بيده كل شيء، قال تعالى:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

[ سورة هود: 123 ]

 شيء ليس واضحاً فيه حكمة قد لا أعرفها بالعكس من أنت أمام رسول الله؟

﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾

[ سورة يونس: 46]

 يا محمد، يا سيد الخلق، يا حبيب الحق، قد لا يتاح لك أن ترى نتائج الظالمين، لماذا؟ لأن دورة الحق والباطل أطول من عمر الإنسان.

 

وعود الله جاهزة و قد تتحقق في أي لحظة :

 يأتي رمضان بشهر آب كل ست وثلاثين سنة مرة، رمضان بواحد آب، يأتي كل ست وثلاثين سنة مرة، إذا إنسان عاش عشرين سنة لا يلحق مرة ثانية، عمر الإنسان أقصر من دورة رمضان ليكون في شهر آب، هذه للتقريب، وأنا أقول لك: دورة الحق والباطل أطول من عمر الإنسان، أنت قد تكون في وقت ما آن الأوان لينتصر الحق، أنا أضرب مثلاً لو فرضنا إنسان معه مرض عضال، و هناك عملية جراحية لكن نجاحها مضمون، تحتاج إلى سبع ساعات، هذا الأب الذي قررت له العملية عنده ولدان؛ ولد صغير وولد كبير ناضج، الصغير صار يبكي، دعوا والدي من دون عملية، الكبير لا يبكي، لماذا؟ معه معلومات دقيقة أن هذه العملية تحتاج إلى سبع ساعات، ونجاحها مؤكد، والشفاء تام، فأنت حينما تفهم على الله لا تضجر، لا تقلق، لا تيأس، يقول لك: انتهينا الآن، خمس عواصم محتلة من دولة منحرفة في عقيدتها، شيء مؤلم جداً، لا لم ننته، لذلك دقق النبي صلى الله عليه وسلم أثناء الهجرة وضع مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، تبعه سراقة طمعاً بالمئة ناقة، دققوا، فقال له النبي الكريم: كيف بك يا سراقة إذا لبست سوار كسرى؟ أي النبي الكريم موقن أنه سيصل إلى المدينة، وسيؤسس دولة، وسينشئ جيشاً، وسيحارب أكبر دولة في العالم، وسينتصر عليها، وسوف تأتي الغنائم إلى المدينة، ولك يا سراقة سوار كسرى، ما هذه الثقة بالله؟ وفي عهد عمر جاءت كنوز كسرى، وضعت في المدينة، كنوز أي ذهب و أحجار كريمة، شيء بالمليارات، وضعت أكواماً، فقال أحدهم: إن الذي أدى هذا لأمين، الذي أحضرهم لو ذهب إلى مدينة أخرى لصار مليارديراً، فقال سيدنا علي لسيدنا عمر: لقد عففت فعفوا، ولو وقعت لوقعوا. وفي رواية: لو رتعت لرتعوا.
 وهناك رواية باللغة الدارجة لو هففت لهفوا، النظافة من الفوقاني، أين سراقة؟ ألبسه بيده سواري كسرى، وقال: بخ بخ أُعيرابي من بني تميم يلبس سواري كسرى؟!
 أيها الأخوة؛ إله الصحابة إلهنا، وعود الله موجودة، بأي لحظة، سمعتم منذ سنتين أن جماعة من المقاومة صنعوا طائرة، وطاروا بها فوق تل أبيب، وقصفوا أكبر برج، ألم تسمعوا بهذا؟ وعود الله جاهزة دائماً، لا تقلقوا، لا تقلق على هذا الدين، ولكن اقلق ما إذا سمح الله لك أو لم يسمح أن تكون جندياً له.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018