الدرس : 221 - الإعجاب السلبي. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 221 - الإعجاب السلبي.


2016-06-28

الإعجاب السلبي :

 أيها الأخوة الكرام؛ هناك حالة يعيشها معظم الناس أقصد المسلمين أنا أسميها الإعجاب السلبي، ما من مسلم في الأرض إلا ويفتخر بدينه، نحن أمة الوحيين، نحن أمة سيد المرسلين، الإسلام منهج كامل، الإسلام دستور، الكلام طويل لكن أضع بين أيديكم مثلاً والله عز وجل ضرب الأمثال وهو أسلوب قرآني مهم جداً.
 إذا كان هناك إنسان يعاني من مرض عضال وشفاؤه محقق من خلال تناول الدواء، فذهب إلى طبيب متخصص، وعالجه الطبيب، وكتب له وصفة، أنا أمام وصفة لو أن الإنسان قرأها قراءة رائعة، أو علق على خط الطبيب، أو درس نوع الورق، يمكن أن يعمل دراسات طويلة حول هذه الوصفة، كل هذه الدراسات لا تقدم ولا تؤخر ما لم يشتر الدواء، ويتناوله ليشفى، ممكن أن تسمع مئات المحاضرات عن تعظيم هذا الدين، الإعجاب بهذا الإسلام، بهذا القرآن، هذا القرآن كالوصفة من عند الطبيب الأول وهو الله عز وجل، فما لم نفكر جادين بتطبيق آياته، نحن بعيدون بعد الأرض عن السماء عن الإسلام، لذلك قد يأتيك خاطر، هناك مئات الوعود من الله بالنصر، والأمة الإسلامية ليست منتصرة الآن، بالعكس تواجه حرباً عالمية ثالثة، كانت تحت الطاولة الآن فوق الطاولة، أين الخلل؟

التفكر في آيات الله عز وجل :

 لذلك أذكر لكم آية كريمة أنا خطتي في هذه الأيام العشرة نحن اليوم فرضاً بالجزء الثالث والعشرين، البارحة الثاني والعشرين، أكثر الأخوة الكرام قرؤوا هذا الجزء، أختار آية من الجزء التي تتناسب مع يوم رمضان، أختار منه آية، آية اليوم:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾

[ سورة فاطر : 41 ]

 الحقيقة الله عز وجل لا تدركه الأبصار، مستحيل، ولكن العقول تصل إليه، ولا تحيط به، كالسيارة تأخذك إلى شاطئ البحر، لكن هذه السيارة لن تستطيع أن تخوض غمار البحر فيها، فالآية تقول:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر : 41 ]

 الزوال: الانحراف، وقت الظهر بعد انتصاف الشمس في كبد السماء بعد أن تزول تنحرف يأتي وقت الظهر.
 أيها الأخوة الكرام؛ من مسلمات علم الفلك أن الأرض تدور حول الشمس، لها دورتان؛ دورة حول نفسها، يكون الليل والنهار، ودورة حول الشمس، تكون الفصول الأربعة، لو فرضنا هذه الشمس والأرض هنا، المسار الذي تدور به الأرض حول الشمس مدار بيضوي، ليس دائرياً، بل إهليلجياً، ما معنى مسار إهليلجي؟ أي له قطران؛ أصغر، وأطول، فالأرض على قطرها الطويل، وهي باتجاه القطر الأصغر، ما الذي يحدث؟ يحكم حركة النجوم قانون الجاذبية، كل كوكب ينجذب إلى الكوكب الأكبر منه، والجذب يحكمه قانونين، قانون من عوامله المسافة والكتلة، فكلما كبرت الكتلة ازداد جذب ما حولها إليها، وكلما قلّت المسافة ازداد الجذب، جَذب الأصغر إلى الأكبر، أدق ما في هذا القانون، الآن اقتربت الأرض من القطر الأصغر هناك احتمال كبير أن تنجذب الأرض إلى الشمس، المسافة طويلة، الجاذبية ضعيفة، أما هنا المسافة قصيرة والجاذبية ازدادت، وعلامة ازديادها انجذاب الأرض إلى الشمس، شيء لا يصدق درجة حرارة الشمس أربعين مليون درجة فتتبخر الأرض في ثانية، الأرض وقاراتها الخمس وجبالها وبحارها وأنهارها وفلزاتها وطبقاتها، تتبخر في ثانية واحدة، طبعاً وتنتهي الحياة، ما الذي يمنع انجذابها؟ قوانين قطعية الحدوث، ما الذي يحدث؟ ترفع الأرض سرعتها، يتأتى من رفع هذه السرعة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة، فتبقى على مسارها.

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر : 41 ]

 علم من؟ حكمة من؟ رحمة من؟ قال تعالى:

﴿ سَنُريهِم آياتِنا فِي الآفاقِ ﴾

[سورة فصلت: ٥٣]

 هذه من آيات الله، لكن لا بد من التفكر.

مشكلة المسلمين الأولى الضعف في معرفة الآمر :

 أيها الأخوة الكرام؛ صدقوا وأعني ما أقول الصحابة الكرام بقوا في مكة سنوات عشر، والتشريع لم ينزل، هذه السنوات العشر أمضوها في معرفة الله، الآيات المكية كلها تتحدث عن الإله والدار الآخرة، تعريف بالله قال تعالى:

﴿ وَالْفَجْرِ * ولَيَالٍ عَشْرٍ ﴾

[ سورة الفجر: 1-2]

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ﴾

[سورة الليل: 1-2]

 الآيات المكية آيات كونية، هذا درس لنا، مرحلة أساسية بديننا أن تعرف الله، لذلك إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في معصيته، أنا أرى ولعلي مصيب في هذه الرؤية أن مشكلة المسلمين الأولى ضعف في معرفة الآمر، الأمر بين أيدينا أيها الأخوة، الأوامر الإلهية؛ الصلاة والصوم والحج والزكاة والمعاملات في القرآن والسنة نطلع عليها كل سنة بمناهجنا، بمدارسنا، بجوامعنا، بدروسنا التي بين أيدي الناس، لكن هذا الآمر ماذا يقتضي لو أطعته؟ وماذا يترتب عليك لو عصيته؟ هنا المشكلة، أنت إذا عرفت الآمر تفانيت في طاعته، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في معصيته، هذا الإسلام عظيم لا تقطف ثماره إلا بطاعة الله، فإن لم يكن هناك طاعة، يوجد حالة أنا أسميها فلكلوراً إسلامياً، يقول لك: مشاعر إسلامية، صحيح يوجد لدينا خلفية إسلامية، أرضية إسلامية، توجهات إسلامية، عواطف إسلامية، الإسلام شيء آخر، الإسلام منهج تفصيلي، يبدأ من أخص خصوصياتك وينتهي بالعلاقات الدولية، تطبقه تقطف ثماره، يوجد آلاف آلاف الأحكام الشرعية، وقد تصل إلى بضع عشرات الآلاف كيف تأكل، كيف تشرب، كيف تختار زوجتك، كيف تربي أولادك، كيف تعامل جيرانك، كيف تعامل والديك، كيف تبيع، كيف تشتري، أحكام البيوع منهج تفصيلي يغطي كل حركاتك وسكناتك، فالإنسان إذا ما عرف هذا المنهج يكون انتماؤه للإسلام شكلياً، والله الآية في الحقيقة خطيرة جداً، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

[ سورة الحج: 17]

 الذين آمنوا المسلمين، الذين هادوا اليهود والنصارى، دقق في معنى ضمني كلهم سواء، كيف؟ انتماء شكلي لا يقدم ولا يؤخر، محل تجاري ضخم كاتب لافتة مضاءة متحركة لكن لا يوجد بضاعة، إن كتب أجواخاً، لا يوجد، إن كتب حرائر، لا يوجد حرائر، وإن كتب نوفوتويه، لا يوجد شيء اللوحة صارخة بإضاءتها وألوانها وحركتها، لذلك كل وعود الله بالنصر معطلة، انتماء شكلي، اعتزاز بالدين، افتخار بالدين، ما لم نطبق لن نقطف الثمار.

 

الدين الإسلامي دين جماعي و فردي :

 قد يقول أحدهم: أنا ليس لي علاقة، الناس لا تطبق الدين، هناك جواب رائع أخاطب به الشباب: إنه دين جماعي ودين فردي، تطبقه وحدك تقطف كل ثماره الفردية، تشعر بالسكينة، تشعر بالسعادة، بالأمن، بالتوفيق، بالنجاح، تنجح في أسرتك، في علاقتك مع أسرتك، وفي علاقتك مع ربك، وفي علاقتك مع من حولك، شيء مذهل، إذا لم تقل: أنا إنسان آخر، إذا لم تقل: ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني، إلا أن يكون أتقى مني، عندك مشكلة، هذا منهج الله عز وجل، منهج الخالق لو طبقته لا يوجد عندك أية مشكلة، قال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147]

 الموضوع أخطر من أننا جئنا إلى الجامع، دينك بالحقيقة هنا، في الجامع تتلقى تعليمات الصانع، وتأتي مرة ثانية تصلي وتبكي في الصلاة فتقطف ثمار طاعتك، هذا المكان لتلقي تعليمات الله، ثم تقبض ثمن طاعتك، إقبال على الله، سكينة، سرور بالصلاة، إذاً هذا البيت بيت الله، إذاً أي بقي الدين؟ الدين في بيتك، الدين بعملك، الدين بمعملك، الدين بدكانك، بوظيفتك، يأتيك مراجع تنحل قضيته بثانية، بتوقيع، تعال غداً، قد يكون أتى من بلد بعيد، مضطر أن ينام في الفندق، فاضطر أن يدفع مبلغاً ضخماً، حتى أنت تدير حديثاً مع موظفة، مرتاح في الحديث لا تريد أن تقف هذه المتعة، تعال غداً، والله هناك أخطاء يا أخوان شيء لا يتصور، فالإنسان عندما يشعر أن الله يراقبه يحاسب نفسه على الهمسة، على النظرة، على الكلمة، على التأجيل، على أي شيء آخر، أنت عندما تعرف الله تحاسب نفسك حساباً دقيقاً، تستقيم استقامة تامة، أنا سوف أضرب مثلاً من واقع الناس؛ راكب سيارتك والإشارة حمراء، وهناك شرطي واقف، و ضابط شرطة بسيارة، وشرطي على دراجة، مادام واضع قانون السير علمه يطولك من خلال هذا الشرطي، وقدرته تطولك، لا يمكن أن تعصيه، لا أحد يدفع مبلغاً ضخماً لسبب تافه، يقف على الإشارة الحمراء، أما إذا ظننت أن علمه لا يطولك، وإذا لم يكن هناك شيء إلكتروني، الساعة الثالثة بالليل ليس هناك شرطي، أو إذا أنت أكبر من وزير الداخلية، لا يهمك، مادام علمه يطولك وقدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، أي إنسان، مليار إنسان، الآية تقول:

﴿ اللَّهُ الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمرُ بَينَهُنَّ لِتَعلَموا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَد أَحاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا ﴾

[ سورة الطلاق: ١٢]

 أي الله عز وجل علمه يطولك، وقدرته تطولك، لا يمكن أن تلاحظ هذه المعاني وتعصي الله.

 

التفكر في الكون أحد أقصر الطرق إلى الله :

 لذلك أيها الأخوة الكرام؛ أنت عندما تطبق منهج الله تماماً تقطف ثمار هذا الدين، ينبغي أن تقول والله لا أبالغ: ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني، إلا أن يكون أتقى مني، من هنا أيها الأخوة الكرام؛ الله عز وجل هذه الأرض تسبح في الفضاء من رفع سرعتها؟ إنه الله، فلما تجاوزت القطر الأصغر استمرت المسافة طالت السرعة أبطأت ضعف انجذاب الشمس لها، إذاً حينما يضعف انجذاب الشمس لها تزيد سرعتها، وحينما يمكن أن تكون السرعة مدمرة لها تقلل سرعتها، الأرض بيد من؟ بيد الله عز وجل، إذاً التفكر في خلق السموات والأرض، في طعامك، في شرابك، في كأس الماء، هذا الماء الذي تشربه له خاصة لولاها ما كانت هذه الجلسة كلها، العناصر في الأرض كلها على الحرارة يزداد حجمها، وعلى البرودة تتقلص، والماء كذلك، إلا أن الماء لو فرضنا أن حرارته أربعون، خمس وثلاثون، خمس عشرة، عشر، خمس، زائد أربع، شيء لا يصدق ينعكس القانون، يتمدد هذا الماء، عندما يتمدد ويتجمد تطفو الطبقة المتجمدة، لأن الكثافة قلّت، الكثافة هي علاقة الوزن بالحجم، تبقى البحار أعماقها دافئة، لولا هذه الخاصة لما كان هناك حياة على سطح الأرض، لو أن البحار كلما تجمدت طبقة غاصت، عندما تجمدت الكثافة زادت غاصت إلى أن تصبح البحار متجمدة فينعدم التبخر، تنعدم الأمطار، تموت النباتات، يموت الحيوان، يموت الإنسان، حياة الأرض كلها بكل خصائصها، والأردن وعمان والشرق الأوسط مبنية على هذا القانون، الماء بدرجة زائد أربع يزداد حجمه، فعندما يزداد حجمه تقل كثافته، فيطفو وتبقى أعماق البحار دافئة.
 أيها الأخوة الكرام؛ التفكر في الكون أحد أقصر الطرق إلى الله، وأحد أوسع الأبواب لمعرفة الله، أنت مسلم إذا كانت الآية فيها أمر ما موقفك منها؟ أن تأتمر، آية فيها نهي أن تنتهي، آية فيها قصة نبي، أن تتعظ، ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون والإنسان، ما الموقف منها؟ الجواب دقيق الموقف منها التفكر، والدليل قوله تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191 ]

 أيها الأخوة الكرام؛ ممكن أن يكون التفكر مستمراً، تأكل رغيف خبز، هذا كان قمحاً، والقمح كيف انتقل وأصبح رغيفاً، هذه القمحة فيها كل المواد الغذائية، والله يوجد بحث عن قشرة القمح، فيها ثمانية معادن، خمسة عشر فيتاميناً، مواد تحث الأمعاء على الحركة، ننزع عنها قشرتها ونأكل نشاء صافياً ونلقي هذه القشرة إلى البهائم، هذا خطأ كبير، بل إن أول بدعة بعد وفاة رسول الله نخل الدقيق، لو فكرت بطعامك، بشرابك، بحياتك، بأولادك، واستقيت منهج الله عز وجل، إن لم تقل ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني، إلا أن يكون أتقى مني، نسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء الذين عرفوا ربهم في هذا الشهر الكريم، وعرفوه من خلال آياته الكونية تفكراً، والتكوينية نظراً، والقرآنية تأويلاً.
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018