الدرس : 207 - أي كلمة في القرآن الكريم لفظها يكون الإنسان فهي تعني الإنسان قبل أن يعبد الله. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 207 - أي كلمة في القرآن الكريم لفظها يكون الإنسان فهي تعني الإنسان قبل أن يعبد الله.


2015-12-03

خصائص الإنسان في الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام، أي كلمة في القرآن لفظها هكذا الإنسان، إنسان معرفة بأل، أي كلمة بالقرآن بهذه الصيغة الإنسان تعني الإنسان قبل أن يعرف الله، قال تعالى:

﴿إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ﴾

[سورة العصر: ٢]

 وقال تعالى:

﴿إِنَّ الإِنسانَ خُلِقَ هَلوعًا*إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزوعًا*وَإِذا مَسَّهُ الخَيرُ مَنوعًا*إِلَّا المُصَلّينَ﴾

[سورة المعارج: ١٩-٢٢]

 فأية كلمة إنسان في القرآن وردت معرفة بأل تعني الإنسان قبل أن يعرف الله، لذلك خصائص الإنسان في القرآن، الإنسان ضعيف، وخلق الإنسان ضعيفاً، والإنسان جزوع،

﴿إِنَّ الإِنسانَ خُلِقَ هَلوعًا*إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزوعًا*وَإِذا مَسَّهُ الخَيرُ مَنوعًا*إِلَّا المُصَلّينَ﴾

  والإنسان عجول، قال تعالى:

﴿ وَكانَ الإِنسانُ عَجولًا﴾

[سورة الإسراء: ١١]

 أي هذا المخلوق الأول الذي قبل في عالم الأزل حمل الأمانة، فحينما عرض الله الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، هذا الإنسان المخلوق الأول عند الله، لأنه قبِل حمل الأمانة، هذه خصائصه في الدنيا، هلوع جزوع منوع ضعيف عجول، لكن صدق أن كل هذه الخصائص لصالحه.

 

العاقل يحكمه النص وغير العاقل يحكمه الواقع :

 مرة حدثني طبيب: يوجد أجهزة تعطيك تحليل الدم كله بثوان، لكن هذه الجهاز غالي الثمن، قطرة دم وضغط على زر تخرج قائمة لاثني عشر تحليلاً، لكن هذا الجهاز له تعليمات التشغيل، والإنسان أعقد آلة في الكون، ولهذه الآلة بالغة التعقيد صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، فانطلاقاً من أن الإنسان بالغ التعقيد، وله صانع حكيم، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، انطلاقا من حبك لذاتك، انطلاقاً من حرصك على سلامتك، انطلاقاً من حرصك على سعادتك، ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع، ولا شك أنك إذا كنت تمشي في طريق فإذا بلوحة كتب عليها: الطريق مغلق بسبب تراكم الثلوج بعد ألف كيلو متر، لا تكمل، حكمك النص، حكمك كلمات قليلة، لذلك العاقل يحكمه النص، وغير العاقل يحكمه الواقع.
 سأضرب مثلاً بسيطاً؛ ببلادنا بسوريا دمشق حمص طريق طوله يقدر بمئة و ستين كيلو متراً، إلا أنه في منتصف الطريق ارتفاع عال جدا، هناك بلدة اسمها النبك، فإذا كان لك مبلغ ضخم في حمص، وقد وعدت يوم السبت أن تأخذه بالتمام والكمال، وانطلقت بمركبتك، الطريق جاف والشمس ساطعة، لكن هناك لوحة فيها خمس كلمات، كتب عليها: الطريق إلى حمص مغلقة بسبب تراكم الثلوج في النبك، ماذا تفعل؟ ترجع، سيارتك ضخمة جداً، والطريق جاف، والشمس ساطعة، لكن ملاحظة المرور تعيدك و تمنعك من أن تكمل طريقك، حركتك أرجعتك، خمس كلمات غيرت خطتك، يقابل ذلك لو أن دابة تمشي أين تقف؟ عند الثلج، ما الذي حكم الدابة؟ الواقع، ما الذي حكمك؟ النص، والدابة حكمها الواقع.

الحكمة من أن الإنسان خلق ضعيفاً :

 لا تقل: أنا واقعي، قل: أنا نصي، القرآن نص، السنة نص، وأنت عاقل، والله عز وجل تعبده بهذا القرآن، لذلك إن الإنسان خلق هلوعاً وجزوعاً ومنوعاً وضعيفاً وعجولاً، نأخذ صفة صفة.
 لو أن الله خلق الإنسان قوياً لاستغنى بقوته عن الله، فشقي باستغنائه، الصحابة الكرام هم هم في بدر افتقروا إلى الله فانتصروا، هم هم وفيهم سيد الخلق وحبيب الحق في حنين اعتدوا بعددهم، قالوا: لن نغلب من قلة فلم ينتصروا، تحب ملخص الملخص؟ تقول: أنت، يتخلى عنك، تقول: الله، يتولاك، أنت بين التولي والتخلي، لو أنت قلت: أنا خبير، عندي خبرات متراكمة، أنا عريق بهذه الصنعة، يتخلى عنك، تفتقر يتولاك، تعتد بقوتك، بخبرتك، بعلمك، بحسبك، بنسبك، بشبكة علاقات قوية يتخلى عنك، تعتمد عليه يتولاك، فأنت بين التولي والتخلي، والإنسان سريع العطب، يؤخذ من كلمة أحياناً، يدفع ثمن كلمة قالها، مرة بجلسة شخص من أهل الغنى لكن أظنه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً قال كلمة بجلسة قال: الدراهم مراهم، آية هذه؟ لا، حديث؟ لا، كلام قد يكون غير صحيح، قال: الدراهم مراهم، سيق إلى السجن بتهمة باطلة، بقي فيه أربعة و ستين يوماً، يقول لي بكل يوم أرددها مئة مرة: الدراهم مراهم، تفضل حلها.
 أنت في قبضة الله، أنت تحت الله، كل نشاطك ومكانتك وهيمنتك وقوة شخصيتك وما معك من صلاحيات مرتبطة بقطر شريانك التاجي، كم قطره؟ ميلمتر وثلث، فإذا ضاق هذا الشريان يسمونها ذبحة صدرية، تصعد درجتين تلهث، تحس بألم بيدك اليسرى مع الصدر هذه هي الذبحة الصدرية، أي الشريان الذي يغذي القلب وقطره ميلمتر وثلث فقط ضاق نزل عن ميلمتر.
 عفواً ملك من ملوك العالم العربي بقي على الكرسي عشر سنوات، خثرة بالدماغ، فأنت بقبضة الله، وتحت رحمة الله، تتحرك بتوفيق الله، تدخل إلى البيت بمكانتك الكبرى بسبب أن عقلك برأسك، إذا الشخص أصيب بالجنون أقرب الناس إليه يبحث عن طريقة ليقبل في مستشفى المجانين أليس كذلك؟ فكل مكانتك أن الله عز وجل سلمك الملكات، يكون الشخص قد اشترى بيتاً و اعتنى به، وقد فرشه أفخر فرش، و كساه أحلى كسوة، يختل عقله أقرب الناس إليه يتوسط لإيداعه في مستشفى المجانين.
 إن الإنسان خلق هلوعاً، هذا نقطة ضعف بأصل خلقه، بتعبير معاصر: سريع العطب، هكذا الله خلقك، نقطة ضعف في أصل خلقك لصالحك، حسناً لو خلقه قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه.
 إنسانة متفلتة تفلتاً كبيراً جداً، كل مفاتنها ظاهرة في الطريق، جاءها ورم خبيث قالت: لو شفاني الله سأتحجب حجاباً كاملاً، فالإنسان يجب أن تأتيه طائعاً، إما أنت تأتيه أو أن يأتي بك.
 شخص حدثني قال لي: عندي مطبعة، عام ألف و تسعمئة و سبعين بالضبط كان بسوريا رواج اقتصادي كبير جداً، قال لي: حققت أرباحاً طائلة، وضعت بجيبي خمسمئة ألف وتوجهت إلى أمريكا كي أسر نفسي من دون زوجتي، وفهمكم كاف، وصل إلى هناك شعر بألم في العمود الفقري شديد، توجه إلى مستشفى ورم خبيث في العمود الفقري، فعاد إلى بلده من جامع لآخر، أصبح هناك من طبيب لآخر، وفي بلده من جامع لآخر، إلى أن اهتدى إلى الله، واصطلح معه، ومن فضل الله عليه كان التشخيص غير صحيح، فكنت أقول: إما أن تأتيه ركضاً أو يحضرك راكضاً لعنده، والأولى أشرف.
 من الكلمات الجامعة المانعة مرة بعمان كنت بالسيارة، والنافذة مفتوحة، دخل عليّ لاقط مثل هذا، ماهذا؟ يبدو أن شخصاً مراسل صحيفة، أو يعمل في الإعلام قال لي أستاذ فقط نريد منك كلمتين، ماذا أقول له؟ ألهمني الله أن أقول له: هل أنت مرتاح؟ قال: ما معنى هذا الكلام؟ قلت له: إذا كان الشخص مرتاحاً، دخله جيد، صحته طيبة، علاقته مع زوجته طيبة، مع أولاده كذلك، بيته ملك، لا يوجد عنده ولا مشكلة، نقول له: لا تغير لا يغير، لا تقلق أبداً لا تغير لا يغير.
 عندك مشكلة كبيرة، صغيرة، صحية، اجتماعية، نفسية، بعملك، ببيتك، غير ليغير. انظر إلى هذا الدين العظيم ممكن أن ينضغط كله بأربع كلمات: لا تغير لا يغير، غير ليغير.
 شاب بأول حياتك لا يوجد عندك ولا مشكلة صحية وداخل جامعة ممكن أن تأخذ لسنس خلال سنة ممكن أن تخطب وتتزوج نقول لك لا تغير لا يغير، لا تقلق، قال تعالى:

﴿قُل لَن يُصيبَنا إِلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا ﴾

[سورة التوبة: ٥١]

 ليس علينا، لا يوجد أمامك إلا الخير، أنا أخاطب الشباب، لا تغير لا يغير، مادامت النية طيبة، والحركة فيها استقامة، وصلاتك جيدة، لا تغير لا يغير، عندك مشكلة كبيرة بصحتك، بعملك، مع أهلك، لا نعرف أين المشكلة، غير ليغير، اكتبها عندك، لا تغير لا يغير، غير ليغير.
لذلك لو كان قوياً هذا الإنسان لاستغنى بقوته عن الله فشقي باستغنائه، جعلك ضعيفاً.
 يوجد آلات غالية الثمن جداً، حدثني أخ عنها فيها فيوز، ما تعريف الفيوز؟ وصلة ضعيفة بالآلة، إذا جاء التيار فوق مئتين و عشرين تذوب هذه القطعة، وتفصل الكهرباء، الفيوز لابد منه للآلة صيانة مجانية لو لم يوجد هناك فيوز فالتيار العالي جدا يحرق المحرك، يحرق الآلة، لكن يوجد فيوز.

 

من عاش تقياً عاش قوياً :

 أحياناً يكون هناك رعاف، ما الرعاف؟ شريان الدم في الأنف رقيق جداً، فإذا ارتفع الضغط يتمزق الشريان، ينزل الدم، ينزل الضغط، الرعاف صمام أمان للضغط إذا ضغط الدم ارتفع، ارتفاع ضغط الدم يمزق غشاء أوعية بالدماغ رقيقة جداً تتمزق فتتخلى عن شيء من دمك، يكون الضغط مرتفعاً يرجع الضغط طبيعياً.

﴿إِنَّ الإِنسانَ خُلِقَ هَلوعًا﴾

[سورة المعارج: ١٩]

 إنسانة معها شقيقة سافرت إلى أوروبا للمعالجة، قالوا لها: أنت مسلمة؟ قالت: طبعاً، قال لها: فقط صلي، صلي يذهب الذي بك، انزعجت جداً، قالت له: أنا قادمة من بلاد بعيدة جداً وقد دفعت مئات الألوف لكي تقول لي: صلي؟ قال لها: هذا الذي عندي، عندما تصلي يرتفع الضغط بأوعية الدماغ، ترتفعي من السجود ينزل الضغط، رفع وانخفاض هذا يسبب مرونة في أوعية الدماغ، وإذا الشخص لا يصلي أوعيته غير مرنة، فإذا ارتفع الضغط خمس درجات يتشكل خثرة في الدماغ فيشل.
 أنت تعرف ما هي الصلاة؟ أنت تسجد، الدم أصبح بالدماغ، ارتفع توتر الشريان التاجي بالدماغ، تصعد ينزل الضغط، تسجد يرتفع الضغط، صعود وهبوط هذا يشكل مرونة في أوعية الدماغ، لذلك من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت.
 أعرف إنساناً بلغ السابعة و التسعين، كان أحد علماء الشام اسمه الشيخ عيد السفرجلاني، منتصب القامة، حاد البصر، أسنانه في فمه، سمعه مرهف، ذاكرته قوية، يقول لشاب: أنت تلميذي يا بني، وكان أبوك تلميذي، وكان جدك تلميذي، أنت وأبوك وجدك، عاش سبعاً و تسعين سنة، يتمتع بذاكرة قوية، أسنانه في فمه، فسئل مرة يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها؟ قال له: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
 لي صديق أحببت بالعيد أن أزوره بالشام، طرقت بابه فتح لي والده، فوالده متقدم في السن، عمره أكثر من خمس و تسعين سنة، وهو في تمام الصحة، قال لي: والله يا بني محمد ليس هنا، هل يمكنك أن تدخل خمس دقائق؟ قلت له: بالطبع، دخلت فأحضر لي القهوة، قال لي: عمري سبع و تسعون سنة، والبارحة قمت بفحص شامل فكان كل شيء طبيعي، لا يوجد أية مشكلة، والله شيء غير معقول، هناك أشخاص بالأربعين معهم مليون مشكلة، لكن والله يا بني أنا لا أعرف الحرام، لا حرام المال، ولا حرام النساء، الحرام لا أعرفه.

 

عظمة آيات القرآن الكريم :

 أنا أخاطب الشباب، لا تقلق، ليس عندك بيت تشتري بيتاً، لا يوجد عندك دخل معقول سيكون لك دخل معقول، لكن كن مع الله:

﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَل لَهُ مَخرَجًا﴾

[سورة الطلاق: ٢]

 هذه آية في سورة الطلاق، عظمة هذا القرآن الآية ضمن سياقها لها معنى، خذها من سياقها قانون، المعنى السياقي: من يتق الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً لإعادتها، طلقها مع أول قرء- شهر- وقرء ثان - شهر ثان- وقرء ثالث بأي لحظة تضع يدك فوق يدها تعود، انتهى الطلاق، هذه القصة تقوم بها ثلاث مرات، الثالثة بينونة كبرى، أي ثلاثة أشهر ضرب ثلاثة تسعة أشهر، مهما كان الخلاف كبيراً ليس من المعقول أن يستمر أكثر من يوم، أما هو يُسرع فيحلف بالطلاق بالثلاث، حتى أن بعض العلماء أفتى وأنا مع فتواه واستخدمتها مئات المرات: من حلف على امرأته يمين الطلاق ليحملها على فعل ما أو يمنعها من فعل ما وهو يكره فراقها كفراق دينه الطلاق لا يقع، سماه ابن تيمية: الطلاق القسمي، يكفر عنه بإطعام عشرة مساكين.
 أخواننا الكرام؛ ديننا دين عظيم، دين العلم، دين الفهم، دين السمو، دين التماسك الأسري، دين الحب، دين النجاح، دين الفلاح.

 

من صفات الإنسان أنه عجول و هلوع و جزوع :

 إذاً لو كان قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، فجعله ضعيفاّ ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره.
 الآن لو لم يكن عجولاً كان مهولاً، يختار الآخرة بغريزته، أما عجول حتى يختار الآخرة، حتى يموت يرى النتائج، فيجب أن يكون مجاهداً، هذا جهاد النفس والهوى، يوجد شيء أمامه يكون هذا الشي محرماً، فالإنسان خلق هلوعاً أي ضعيفاً، خلق ضعيفاً ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره، وخلق عجولاً ليختار الآخرة البعيدة، وخلق هلوعاً لو لم يكون يخاف كيف يعالج؟ لا يوجد طريقة، مادمت تخاف من مرض خبيث، والله مرة قال لي طبيب: عندما عرف المريض أن معه ورماً خبيثاً ارتفع نبض قلبه للمئة و العشرين.
 الإنسان هلوع، فأنت كأي إنسان هلوع جزوع منوع ضعيف عجول، كل هذه الصفات لصالحك، لصالح إيمانك.
 جزوع تخاف، رأيت بوادر مرض خبيث، أرسلوا العينة لبريطانيا لكي يحللوها، فتقوم لتصلي قيام الليل، وتغض بصرك، دفعك الله للطاعة قسراً، عجب ربكم من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل، فأنت بطولتك أن تأتيه طائعاً، أن تأتيه محباً، الله قال:

﴿ يُحِبُّهُم وَيُحِبّونَهُ ﴾

[سورة المائدة: ٥٤]

علاقة الإنسان بربه يجب أن تكون علاقة حبّ لا إكراه :

 الله تعالى لأنه خلقك، حياتك بيده، ورزقك بيده، وسعادتك بيده، ونجاح زواجك بيده، ومن حولك بيده، ومن فوقك بيده، ومن تحتك بيده، هذا الإله العظيم الذي أنت بقبضته ما رضي أن تعبده إكراهاً، قال:

﴿لا إِكراهَ فِي الدّينِ ﴾

[سورة البقرة: ٢٥٦]

 أرادك أن تعبده حباً، أراد أن تكون المحبوبية هي العلاقة بينك وبينه، إله كل شيء بيده، لا يريد إكراهاً، يريد أن تأتيه محباً، فالشخص إذا انتبه لنفسه، ولحق نفسه في الوقت المناسب يكون الله عز وجل قد وفقه كثيراً، اقرأ الآية:

﴿إِنَّ الإِنسانَ خُلِقَ هَلوعًا*إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزوعًا*وَإِذا مَسَّهُ الخَيرُ مَنوعًا*إِلَّا المُصَلّينَ﴾

.
 إذا قلت: إنسان، هذه كم إنسان تشمل؟ تشمل سبعة مليارات ومئتي مليون إنسان، إنسان مسلم صفة واحدة ضاقت الدائرة، بقي مليار وثمانمئة مليون، كنا سبعة مليارات ومئتي مليون، تضيف إنساناً مسلماً مليار وثمانمئة مليون، قل: إنسان مسلم مثقف، ذهب نصفهم، إنسان مسلم مثقف عربي بقي أربعمئة و خمسون ألف مثقف، نزلوا للنصف، إنسان مسلم عربي مثقف طبيب بقي مئة ألف، إنسان مسلم عربي مثقف طبيب قلب بقي خمسون، إنسان مسلم عربي مثقف طبيب قلب لكنه جراح بقي خمسون، مقيم بالأردن ثلاثة مثلاً، من مليار و مئتي مليون بقي ثلاثة، كلما أضفت صفة تضيق الدائرة.

 

طلب الجنة من دون عمل ذنب من الذنوب :

 الآن اسمع الآية:

﴿إِنَّ الإِنسانَ خُلِقَ هَلوعًا*إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزوعًا*وَإِذا مَسَّهُ الخَيرُ مَنوعًا*إِلَّا المُصَلّينَ﴾

[سورة المعارج: ١٩-٢٢]

 أنت تصلي لا تشغل بالك، قال تعالى:

﴿الَّذينَ هُم عَلى صَلاتِهِم دائِمونَ﴾

[سورة المعارج: ٢٣]

 هذه واحدة ضاقت الدائرة:

﴿وَالَّذينَ في أَموالِهِم حَقٌّ مَعلومٌ*لِلسّائِلِ وَالمَحرومِ*وَالَّذينَ يُصَدِّقونَ بِيَومِ الدّينِ*وَالَّذينَ هُم مِن عَذابِ رَبِّهِم مُشفِقونَ*إِنَّ عَذابَ رَبِّهِم غَيرُ مَأمونٍ*وَالَّذينَ هُم لِفُروجِهِم حافِظونَ*إِلّا عَلى أَزواجِهِم أَو ما مَلَكَت أَيمانُهُم فَإِنَّهُم غَيرُ مَلومينَ*فَمَنِ ابتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادونَ*وَالَّذينَ هُم لِأَماناتِهِم وَعَهدِهِم راعونَ*وَالَّذينَ هُم بِشَهاداتِهِم قائِمونَ*وَالَّذينَ هُم عَلى صَلاتِهِم يُحافِظونَ*أُولئِكَ في جَنّاتٍ مُكرَمونَ﴾

[سورة المعارج: ٢٤-٣٥]

 لا تطمع كثيراً، الجنة ليست مجاناً، من طلب الجنة من دون عمل فهو ذنب من الذنوب.
 عندنا تاجر بالشام أضخم تاجر من تجار السجاد، دخل لعنده شخص يريد سجادة غالية، عرض عليه واحدة، قال له: أريد أحسن، يريد سجادة أفضل، أخذه إلى مكان آخر بالمحل كله سجاد إيراني غال جداً بالملايين، عرض عليه سجادة لم تعجبه، عرض عليه الثانية أعجبته، ثمنها ثلاثة ملايين، هل يقول له: تبيعني إياها بخمس ليرات؟ هل يخرج من المحل سالماً؟ لا يخرج من المحل سالماً، يريد سجادة سعرها ثلاثة ملايين بخمس ليرات.
 الآن طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب.

 

الاستقامة خلاص الإنسان :

 سيدنا عمر رأى أعرابياً معه ناقة معها داء الجرب، قال له: يا أخا العرب ماذا تفعل بهذه الناقة؟ قال له: أدعو الله أن يشفيها، قال له: هلا جعلت مع الدعاء قطراناً؟ يجب أن تسعى، تحتاج إلى حركة، إلى موقف، أن تعطي لله، أن تمنع لله، أن ترضى لله، أن تغضب لله، أن تحب لله، أن تبغض لله، تحتاج إلى حركة، نعيش حسب هوانا، وكيف نشاء، نلتقي مع من نشاء، نسهر مع من نشاء، اختلاط، إطلاق بصر، كشف عورات، ونريد الجنة؟!
 نضع في بيتنا آية الكرسي هذه لا تحل مشكلة، وبالسيارة يوجد مصحف صغير، لا آية الكرسي تخلصك ولا المصحف الصغير يخلصك، الذي يخلصك استقامتك.
 أخواننا الكرام؛ الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، العمر محدود، والموت آت لا محالة، وبعد الموت لا يوجد دورة ثانية، بالجامعة ترسب تعيد السنة، فالبطولة أن تعرف من أنت؟ بماذا أنت مكلف؟ إلى أين أنت قادم؟ ماذا بعد الموت؟
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018