الدرس : 206 - فائدة لابن القيم الجوزية - لن يقاسمك الوجع صديق، ولن يتحمل عنك الألم حبيب. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 206 - فائدة لابن القيم الجوزية - لن يقاسمك الوجع صديق، ولن يتحمل عنك الألم حبيب.


2015-11-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

علاقة الإنسان مع ربه و سعادته بطاعته :

 أيها الأخوة الكرام؛ من العلماء الكبار ابن القيم الجوزية، ترك ثلاثمئة مؤلف، وعلماء المسلمين في شتى بقاع الأرض عالة على كتبه وعلمه، لهذا العالم الجليل كلمات دقيقة يقول مخاطباً الإنسان: " لن يقاسمك الوجع صديق، ولا يتحمل عنك الألم حبيب، ولن يسهر بدلاً منك قريب" علاقتك مع ربك، وسعادتك بطاعته، أقرب الناس إليك لا يتحمل عنك الألم إطلاقاً:" لن يقاسمك الوجع صديق، ولن يتحمل عنك الألم حبيب، ولن يسهر بدلاً منك قريب".
 كلكم يعلم أن الإنسان يموت، الأهل يحزنون، النساء يلبسن السواد، قد تغطى الثريات بقماش، قد يوضع خط أسود على صورته، هذا كله ممكن، لكن بعد شهر يأكلون ويشربون ويسهرون ويسمرون ويضحكون.. انتهى.
 الإنسان حينما يولد كل من حوله يضحك فرحاً بقدومه، وحينما يموت كل من حوله يبكي، فإذا كان بطلاً يضحك وحده، قال تعالى:

﴿قيلَ ادخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا لَيتَ قَومي يَعلَمونَ﴾

[سورة يس: ٢٦]

 أي لا شك، أنا أذكر مرة دعيت في يوم واحد إلى البقعة، وإلى أحد أغنى أحياء عمان، بالبقعة ماذا قلت؟ قلت:

(( أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، قال له: أنا؟ قال له: أنت، قال له: أنا يا رسول الله؟ قال له: أنت، أنت خاملٌ في الأرض علمٌ في السماء ))

[ورد في الأثر]

 فقير من عامة الناس، من دهماء الناس، من سوقتهم، قال: أو مثلي؟ قال: نعم يا أخي، خامل في الأرض، علم في السماء، قد يكون لك وظيفة متواضعة جداً - كاتب - قد تكون موظفاً بسيطاً جداً لكنك مسقيم على أمر الله، دخلك حلال، إنفاقك حلال، أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، بأحد أحياء عمان الغنية جداً قلت لهم: دعيت إلى بيت شيء لا يصدق، بالحقيقة إلى تعزية، توصلت إلى أن صاحب هذا البيت هو الذي اشترى البيت، هو من صمم الغرف، زين الجبصين، اشترى الثريات، السجاد، أين هو الآن؟ مرة في الشام لي صديق، توفي والده، ومن أغنياء الشام، للتقريب البيت ثمنه ستة ملايين- القصة قديمة جداً- سعر بيته مئة و ثمانون مليوناً، وعند الدفن القبر الذي اشتروه له فيه مياه سوداء، فلما سئل ابنه: ماذا نفعل؟ قال: ادفنوه ماذا نفعل؟ أنا تصورت وضعه، الرفاه الذي كان يعيشه، البيت الفخم بمئة و ثمانين مليوناً، أي شيء لا يصدق الرفاه الذي يعيشه إلى قبر فيه مياه سوداء.
 أين بطولتك وذكاؤك وحكمتك؟ أن تستقيم على أمر الله لمثل هذا اليوم.
 مرة ودعت إنساناً دفن في القبر، كشف عن وجهه، ووضع الوجه نحو القبلة، وضعت البلاطة، أهيل التراب، جاءتني ومضة إيمانية، قلت: والله إن أذكى إنسان على الأرض، إن أعقل إنسان على وجه الأرض، أنجح إنسان على وجه الأرض، من يعد لهذه الساعة التي لابد منها.
 عبدي رجعوا وتركوك، وبالتراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت، إذاً لن يقاسمك الوجع صديق، ولن يتحمل عنك الألم حبيب، ولن يسهر بدلاً منك قريب.

 

العبادة علة وجود الإنسان في الدنيا :

 اعتن بنفسك، اعتن بإيمانك، كلكم يعلم أن كلمة دال قبل الاسم تعني دكتور، ما معنى دكتور؟ أي يحمل الدراسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية عندنا بالشام، عندكم لها اسم آخر، بعدها جامعة خمس سنوات، لسانس سنتان، وسنتان دبلوم و دبلوم خاص وثلاث سنوات ماجستير وبعدها دكتوراه، كل هذه الشهادات يقابلها دال فقط، وإذا كنت تريد أن تكون مؤمناً تستحق الجنة إلى أبد الأبدين مجاناً يجب أن تعمل للآخرة.
 لذلك قيل: طلب الجنة بغير عمل ذنب من الذنوب، فأنا أقول: الذكاء والعقل والفهم والكياسة والفطنة والتفوق أن تعبد الله، لأن علة وجودك في الدنيا العبادة:

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

 كلام دقيق: " لن يقاسمك الوجع صديق، ولن يتحمل عنك الألم حبيب، ولن يسهر بدلاً منك قريب، اعتن بنفسك واحمها من المعاصي والآثام، لا تعطي الأحداث فوق ما تستحق".
 ترون أحياناً ما يجري في البلاد التي حولكم شيء يفوق حدّ الخيال، أنا أقول: هذا الإيمان، الذي تعبده وهو الله، والذي تطيعه والذي تحبه والذي جعلت رضاه همك الوحيد هذا قراره، فاحترم قراره.

 

بطولة الإنسان أن يعرف الله في الوقت المناسب :

 الآن لا تبدو النتائج، يمكن بعد حين أن تبدو هذه النتائج، قد يكون هناك نقلة نوعية لبلاد الشام، التي جعلها الله بلد المحشر والمنشر، أي تطهير، لا تكرهوا الفتنة فإن فيها حصاد المنافقين دائماً وأبداً.
 بلد إلى جانب الشام- لبنان- ذاق الحرب الأهلية، بقيت عشر سنوات، قتل ثلاثمئة ألف تقريباً، وصف هذا الحادث بمنظار دولي أي لبنان نما نمواً اقتصادياً كبيراً جداً، لأنه يوجد حرية اقتصادية، فكاد ينافس بلاداً أخرى، يوجد قرار دولي بإنهائه، هذا تفسير دولي، يوجد تفسير طائفي، يوجد عداءات عميقة جداً بين بعض طوائف لبنان، هذا تفسير طائفي، يوجد تفسير نسائي يقول النسوان: حكمتها عين، أي عين الحسود، ويوجد تفسير قرآني:

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَريَةً كانَت آمِنَةً مُطمَئِنَّةً يَأتيها رِزقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَت بِأَنعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الجوعِ وَالخَوفِ بِما كانوا يَصنَعونَ﴾

[سورة النحل: ١١٢]

 الله عز وجل له سياسة حكيمة، يمهل، أحياناً يرخي الحبل، مال وفير، شهوات مستعرة، ممارسات لا ترضي الله، سهرات مختلطة، تعري النساء، الحياة كلها بنوك ومصارف وفوائد ربوية هكذا، قد يغفل الناس عن المصير.
 فلذلك البطولة أن تعرف الله في وقت مبكر حتى تشكل حياتك وفق المنهج، تشكل بيتك، زواجك، تشكل حرفتك، أي يوجد حرف لا ترضي الله، فالبطولة أن ألصق شيء بك زوجتك وحرفتك، فالبطولة أن تحسن اختيار زوجتك، شريكة حياتك، رفيقة العمر، وأن تحسن اختيار حرفتك.
 أذكر مرة أخاً من أخواننا التزم عندي ثم شكا إليّ أن كل عمله بالكاسيت- بالغناء- أي عنده خبرة عالية جداً ببيع الكاسيت، لأن السيدي لم يكن موجوداً بعد - القصة قديمة - التزم ثم ترك، سألت عنه بعدها التقيت معه، قال لي: لا أستطيع إن هذه مصلحتي، ومصلحتي تتناقض مع منهجك، يجب أن تعذرني، لا أستطيع أن آتي إلى الدرس.
 فإذا شخص حرفته فيها معصية كبيرة يوجد مشكلة كبيرة جداً، أنا أخاطب الشباب، ألصق شيء بك حرفتك وزوجتك، فإذا أحسنت الاختيار باختيارك امرأة صالحة تسرك إن نظرت إليها، وتحفظك إذا غبت عنها، وتطيعك إن أمرتها، هذه نعمة كبيرة، وحرفتك ليس فيها معصية، يوجد حرف مبنية على المعاصي، يوجد حرف كلها معاص، إذا الله عز وجل أكرمك بحرفة شريفة طاهرة، وزوجة طاهرة، هذه من نعم الله الكبرى.

 

بطولة الإنسان أن يكون متفوقاً بمقياس الآخرة :

 إذاً: " ولا تعطي الأحداث فوق ما تستحق، تأكد حين تنكسر أنه لن يرممك سوى نفسك، وحين تنهزم لن ينصرك سوى إرادتك، فقدرتك على الوقوف مرة أخرى لا يملكها سواك، قدرتك على أن تقف مرة أخرى لا يملكها سواك، لا تبحث عن قيمتك في أعين الناس ابحث عن قيمتك عند الله"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بالأبواب لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّه))

[مسلم عن أبي هريرة]

 وفي رواية ثانية:

(( رب أشعث أغبر ذي طمرين))

 ثوبان باليان:

(( مصفح عن أبواب الناس لو أقسم على الله لأبره))

[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط]

 البطولة أن تكون بمقياس الآخرة متفوقاً، البطولة أن تكون راضياً لله، لذلك من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به، إذاً " لا تبحث عن قيمتك في أعين الناس بل ابحث عنها في ضميرك، فإذا ارتاح الضمير ارتفع المقام، وإذا عرفت نفسك فلا يضرك ما قيل فيك، لا تحمل همّ الدنيا.."
 عفواً كل طموحاتك، وكل ذكائك، وكل مكانتك، وكل هيمنتك، مبنية على قطر الشريان التاجي الذي يغذي القلب، كم القطر؟ ميلمتر وثلث، هذا الشريان يغذي القلب، فإذا ضاق هذا الشريان بمواد دهنية، وضاقت الفتحة، بدأت المتاعب، ذبحة صدرية، يده اليسار تؤلمه، يصعد درجتين، يلهث، دخل بمتاهة القلب، يحتاج إلى عمل جراحي قلبي مفتوح، أو راصور يضعه بالشريان بعملية جراحية معقدة جداً، فكل صحتتك ومكانتك وذكائك وهيمنتك وقدرتك مرتبطة بقطر شريانك التاجي، كم القطر؟ ميلمتر وثلث، والإنسان عندما يرتكب أخطاء في غذائه وطعامه وشرابه تضعف حركته، هذا القطر يضيق، هذه الذبحة الصدرية مؤشرات الضيق، إذاً " لا تبحث عن قيمتك في أعين الناس، بل ابحث عنها في ضميرك إذا ارتاح الضمير ارتفع المقام، وإذا عرفت نفسك فلا يضرك ما قيل فيك، لا تحمل همّ الدنيا فإنها لله، ولا تحمل همّ الرزق فإنه من الله، ولا تحمل همّ المستقبل فإنه بيد الله، فقط احمل هماً واحداً كيف ترضي الله".

 

حاجة الإنسان إلى شحن دوري :

 الآية الدقيقة:

﴿بَلِ اللَّهَ فَاعبُد ﴾

[سورة الزمر: ٦٦]

 بل حرف إضراب تنفي ما قبلها، تثبت ما بعدها،

﴿بَلِ اللَّهَ فَاعبُد وَكُن مِنَ الشّاكِرينَ﴾

 لك مهمتان لا ثالث لهما؛ أن تعبده، ويوجد معنى ضمني فإذا عبدته انهالت عليك النعم، اشكره فقط،

﴿بَلِ اللَّهَ فَاعبُد وَكُن مِنَ الشّاكِرينَ﴾

  لذلك: " وقل يا رب عوضني خيراً من الدنيا والآخرة، فالحزن يرحل بسجدة واحدة، والفرح يأتي بدعوة، ولا ينسى الله خيراً قدمته، ولا هماً فرجته عن أحد، ولا ينسى عيناً كادت تبكي فأسعدتها، عش حياتك على مبدأ كن محسناً حتى وإن لم تلق إحساناً، ليس لأجلها بل لأن الله يحب المحسن، أرخ يدك للصدقة ترخى حبال المصائب لك، واعلم أن حاجتك إلى الصدقة أشدّ من حاجة من تتصدق عليه"
 كلمات بليغة من ابن القيم الجوزية.
 أخواننا الكرام؛ ما الذي يحصل بطلب العلم؟ تقوم بتغذية، عندك هاتف غال جداً، قد يكون أغلى نوع، هذا الهاتف الغالي جداً مشكلته بالشحن، إذا لم تشحنه أصبح قطعة بلاستيك، أليس كذلك؟ نحن جميعاً نحتاج إلى شحن، شحن روحي في الصلاة، وشحن علمي بالدرس، فما لم نشحن أنفسنا شحناً علمياً بسماع الدرس، وشحناً روحياً بالاتصال بالله نغدو شيئاً لا قيمة له، قال الله تعالى:

﴿ بَل أَنتُم بَشَرٌ مِمَّن خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة: ١٨]

 يوجد سبعة مليارات ومئتا مليون إنسان من هؤلاء، بل أنتم بشر ممن خلق.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018