الدرس : 198 - القرآن الكريم لا يبلى على كثرة الرد. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 198 - القرآن الكريم لا يبلى على كثرة الرد.


2015-10-20

تعريف اللهو :

 أيها الأخوة الكرام؛ قيل عن القرآن الكريم أنه لا يبلى على كثرة الرد، إذا أنت في سيارتك شريط نشيد، تسمعه مرة أو مرتين أو ثلاث بعد أربع مرات أو خمس لا تطيق سماعه، إلا القرآن الكريم تعيش ثمانين سنة وتقرأ السورة كل أسبوع مرة، وكلما قرأتها تحس بحياة، هذا الشيء ينفرد به القرآن الكريم، عبّر عنه العلماء لا يبلى على كثرة الرد، أني سورة موضوع اللقاء مألوفة تحفظونها جميعاً، هي سورة التكاثر، قال تعالى:

﴿ أَلهاكُمُ التَّكاثُرُ ﴾

[سورة التكاثر: ١]

 ما هو اللهو؟ غواص يغوص في أعماق البحر يوجد لؤلؤ وأصداف، خاطر بحياته وتجشم مشقة الغوص، والأوكسجين، وجاء بالأصداف، ولم يأت باللآلئ، هذا هو اللهو، أن تشتغل بالخسيس عن النفيس.
 سأذكر لكم قصة؛ في الشام شارع بشمال المدينة يطل على المدينة كلها، فيه أبنية غالية جداً، شخص اشترى بلاطة أي اشترى شقتين، البيت جاهز للسكن لم يعجبه، كسر البلاط، قلع النوافذ، أرجع البيت على الهيكل، وكساه خلال سنتين، وما كان المصعد يعمل لأن البناء جديد، كان يصعد اثني عشر طابقاً وينزل، خلال سنتين كساه كسوة لا مثيل لها بالشام، عنده ذوق ووضعه المادي جيد، بعد أن انتهت الكسوة بيومين وافته المنية، هذه الدنيا، تشتغل، تنمي عملك، تعمل فروعاً، تبدل سيارتك، تغير بيتك، تدهن البيت، تعمل ديكورات للبيت، يأتي الموت بثانية واحدة يأخذ منك كل شيء، كان شخص له مكانته، له هيبته، مهيمن، مسيطر، عنده أولاد، عنده بنات، عنده أصهار، عنده كنائن، بتجارته رابح جداً، عنده شركاء، عنده سهرات، عنده لقاءات، عنده رحلات، عنده سفر، سياحة، صار خبراً، مرة كنت بتونس نازل إلى الشام، نزلوا نعشاً بضاعة، إنسان سافر ومات أرجعوه إلى الشام بضاعة، لا ترجع راكباً لك رقم، معك بطاقة، ترجع بضاعة، هذا النعش ماذا فيه؟ شخص متوفى، شهادة وفاة معه أوراقه، فالإنسان بلحظة يصبح بضاعة، بلحظة واحدة تكون إنساناً تصبح معلومات، ماذا قال تعالى؟

﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 44]

 لذلك:

كل مخــــــلوق يموت ولا يبقى  إلا ذو العزة والــــــــجبروت
* * *
والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر  والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر
* * *
وكل ابن أنثى وإن طـالت سلامته يوماً على آلــــــــة حدباء محمــــول
فإذا حملـــــــــــــــــت إلى القبور جنــــــــــازة  فـــــــاعلم بأنك بعدها محمول
* * *

 البطولة و الذكاء والعقل و التوفيق أن تعد لهذه الساعة التي لا بد منها، والإعداد ضمن إمكانك، أن تعد لها استقامة، لا تأكل مالاً حراماً، أن تعد لها الانضباط، لك زوجة، أنت محصن بهذه الزوجة، لا تطلق البصر إلى غيرها، لا تعمل سهرة مختلطة وتتمتع بالنساء الكاسيات العاريات، أهلية محلية؟ لا هذا لا يجوز، الاختلاط معصية كبيرة.

 

من يستقيم على أمر الله يذوق طعم القرب منه :

 أيها الأخوة الكرام؛ أنت عندما تستقيم تماماً تذوق طعم القرب من الله عز وجل، إذاً قال تعالى:

﴿ أَلهاكُمُ التَّكاثُرُ ﴾

[سورة التكاثر: ١]

 ما هو اللهو؟ أن تشتغل بالخسيس عن النفيس، أوضح مثل غواص يغوص في أعماق البحر وجاء بالأصداف ولم يأت باللآلئ، لذلك لما سيدنا موسى سقى للفتاتين ماذا قال؟

﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

[سورة القصص: 24]

 لذلك قالوا: الافتقار الحقيقي أن تفتقر للعمل الصالح، أما المال فانظر أنت حاجاتك لها سقف محدود، إن كنت غنياً كم رغيف تأكل؟ زعماء الأمم القادة الكبار ماذا يأكلون؟ بعهد الوحدة جاء لعندنا عبد الناصر، كنا دولة واحدة، لي قريب يعمل بقصر الضيافة، قلت له: ماذا يأكل صباحاً؟ قال لي: صحن فول، ماذا؟ على قدر ما كنت كبيراً صحن فول، صحن طعام، كم بدلة يلبس؟ واحدة، على كم سرير ينام؟ على سرير واحد، الدنيا لها سقف، الآخرة ليس لها سقف، الله عز وجل ما سمح للدنيا أن تمدك بسعادة مستمر، بل متناقصة، انظر إلى شخص وصل إلى كل أهدافه المادية، أريد أن أقول لكم كلمة دقيقة جداً: أنت مصمم لمعرفة الله، ولأنك مصمم لمعرفة الله نفسك لا نهائية، دقق الآن عندما تختار هدفاً نهائياً المال قبل بلوغه أنت سعيد تشتغل، صار معك مبلغ ضخم، هذا المال انتهت سعادتك به لأنك بلغته، هذه الدنيا هكذا، الذي لا يملك سيارة، يتطلع لسيارة، اشترى سيارة بعد أسبوعين تصبح عادية جداً، الذي لم يتزوج يظن أن الزواج شيء كبير جداً، يتزوج يراه أقل من عادي، السفر لا يوجد به شيء، رآه كبيراً، عندما تصل إليه يصبح صغيراً، هذه حقيقة دقيقة جداً، أي شيء قد تعظمه قبل بلوغه، وصلت له انتهى، لذلك ما سمح الله للدنيا أن تمد الإنسان بسعادة مستمرة بل متناقصة، وأنا لي كلمة: إذا كان الشخص بعيداً عن الله وصار غنياً يصبح يَقرف ويُقرف، لا يعجبه شيء، إذا دخل إلى بيت مساحته حوالي سبعين متراً، الذي اشترى البيت مسرور به، يقول له: كيف يسعك هذا البيت؟ هو عنده أربعمئة وخمسين متراً، قال تعالى:

﴿ أَلهاكُمُ التَّكاثُرُ ﴾

[سورة التكاثر: ١]

 التكاثر غير الرزق، أنت تشتغل من أجل أن تأكل تحتاج إلى معاش، إلى راتب، تريد ربحاً معقولاً، الإنسان عندما يتجاوز الرزق يصبح همه الجمع، تأتي الآية:

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف:32 ]

 أنت كم مليون عملت هذه السنة؟ يتنافس التجار، موضوع الأكل والشرب انتهى، هذا ساكن في بيت ويأكل ويشرب ويملك سيارتين أو ثلاث لكن الآن همه الجمع، تحقيق أكبر ربح هذه السنة، يتنافسون بالجمع، فجاءت الآية:

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف:32 ]

 ما هذه الرحمة؟ والله من أربعين سنة لا أستطيع أن أشرحها، سعادة؟ سعادة، سلامة؟ سلامة، توازن؟ توازن، تفاؤل؟ تفاؤل، نظرة ثاقبة؟ نظرة ثاقبة، حكمة بالتصرف؟ حكمة بالتصرف، هذه رحمة، من كل النواحي، كلامه منضبط، علاقاته طيبة، ناجح بأسرته، ناجح بعمله، ناجح مع ربه، له سمعة طيبة، يعتني بكل الجوانب.

النجاح و الفلاح :

 الآن أيها الأخوة الكرام؛ مفهوم النجاح صار عليه استفهامات كثيرة، لا يعد النجاح نجاجاً إلا إذا كان شمولياً، فإذا كان شمولياً صار فلاحاً، الفلاح أن تحقق الهدف الذي خلقت من أجله، قال تعالى:

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 157 ]

 لو أن شخصاً نجح بجمع المال، هذا نجاح ليس فلاحاً، والمال سوف تخسره عند الموت، سوف تتركه كله، ترك إنسان بالسبعينات حوالي مئة مليون، كان ثمن البيت في الشام ستة آلاف ليرة، أربعة آلاف، صديق المتوفى رأى ابن المتوفى قال له: أين ذاهب؟ قال: ذاهب لأسكر على روح أبي، ترك مالاً لكن ما ترك علماً، ما علم أولاده.
 أيها الأخوة الكرام؛ شيء خطير انتبهوا، أنا أذكر أن إنساناً توفي، ترك أربعة أبنية في الشام، كل بناء أربعة طوابق، كل طابق أربع شقق، وصى عن طريقي بخمسة وعشرين ألف ليرة صدقات عن روحه، والله ما دفعوا ليرة واحدة، لذلك لا تكن تحت رحمة أحد، أنا عندي وصايا ولا واحدة نفذت، ادفع بحياتك، لا تكن تحت رحمة أولادك، لا يسخون بعدما تموت، هل تريد الحقيقة؟ تريد أن تتصدق؟ ادفعها في حياتك فقط، وتوقع أن الأولاد لن يدفعوا شيئاً بعد مماتك، هناك أولاد يدفعون ولكن قلائل جداً.

 

الموت ينهي كل شيء :

 إذاً قال تعالى:

﴿ أَلهاكُمُ التَّكاثُرُ* حَتّى زُرتُمُ المَقابِرَ ﴾

[سورة التكاثر: ١-٢]

 الموت أنهى كل شيء، أنهى المنصب، أنهى الثروة، أنهى الصحة ، أنهى الطعام، أنهى الزواج، ن عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.
 أصعب ليلة بعد الموت أول ليلة، ينادى العبد أن عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.

 

الاستقامة تزود الإنسان بالسعادة و الطمأنينة :

 الآن قال تعالى:

﴿ كَلَّا سَوْفَ ﴾

[سورة التكاثر: 3]

 كلا؛ هذه ليست نفي، هذه ردع ونفي، لو إنسان سأل شخصاً قال له: هل أنت جائع؟ يقول: لا، لكن إنساناً محترماً تقول له: هل أنت سارق؟ ليس معقولاً أن يقول لك: لا، كلا ما لهذا خلقتك، ما خلقتكم للتكاثر، خلقتكم للعمل الصالح الذي هو ثمن الجنة، لكن متى تعلم ذلك؟ قال تعالى:

﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة التكاثر: 3]

 سوف تعلمون عند الموت، يجوز في البداية المال كل شيء، بالأربعينات المال شيء لكنه ليس كل شيء، عند الموت ليس بشيء، شخص عنده دار قمار - القصة قديمة - صاحب هذا الدار جمع تقريباً ثمانمئة مليون، رقم كبير جداً، كان ثمن البيت ستة آلاف، عنده نادي الشرق في الشام، على فراش الموت طلب عالماً قال له: ماذا أفعل؟ - أنا لا أقرّ كلام العالم- قال له: لو أنفقت كل ما تملك لن تنقذ نفسك، مال قمار، عنده مطعم فخم جداً، وله جانب بالقمار جمع ثمانمئة مليون، والله يا أخوان يوجد أناس يمشون بطريق مسدود، أنت تعرف الله، تطلب العلم، والله أسعد الناس وأحياناً الله يمنح الإنسان المؤمن سعادة والله لو وزعت على أهل بلد لكفتهم.
 الآن الذين يقتلون بشراً، قتل مئة في اليوم كيف ينام؟ أنت لا تستطيع أن تدوس نملة، هل تستطيع أن تدوسها قصداً تمشي على البلاط هل تفعلها؟ لا تقدر، أنت دينك منعك من مليون عمل خاطئ، الاستقامة تعطيك سعادة، تعطيك طمأنينة، عند الله عز وجل لم تعمل أي شيء، قال: يظل المؤمن بخير ما لم يسفك دماً، أنا رؤية شخصية مني أنا لا أرى أغبى من الطغاة، لماذا؟ لأنهم ما أدخلوا الله في حساباتهم، قوي معه جيش، معه طيران وبعد ذلك تنفد؟ ما عليك شيء إطلاقاً، قال تعالى:

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

[ سورة القيامة: 36 ]

 تفعل ما تشاء، تهدم ستة ملايين بيت، نصف الشعب صار بالطرقات، عشرة ملايين لاجئ، في سوريا، عشرة ملايين نازح، وثلاثة في الخارج، ثلاثة عشر مليوناً نصف الشعب، ستة ملايين بيت هدمت، البنية التحتية انتهت كلها، والله ولا بثلاثين سنة قادمة نرجع مثلما كنا، هكذا دون حساب بعد ذلك؟ قال تعالى:

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 115]

 لا شيء؟ إذا لم يكن هناك شيء إذاً لا يوجد إله أبداً، إذا كان هناك إله والله ليحاسب الإنسان على قطرة الدم.
 ما من قطرة دم تراق في الأرض من آدم إلى يوم القيامة إلا ويتحملها إنسان يوم القيامة، لا شيء ينفد، أذكر أن عندنا إعدامات، إنسان قاتل، قال لي شخص: أثناء إعدام شخص متهم بالقتل، قال: أنا الآن سوف أشنق وهو في القلعة بدمشق، كان يتم الإعدام في ساحة المرجة، ثم صار بالقلعة، يقول هذا الذي حكم عليه بالإعدام: أنا الآن سوف أشنق لأني متهم بقتل فلان أنا ما قتلته، لكني أنا قتلت إنساناً منذ ثلاثين سنة، اعترف بقتل إنسان منذ ثلاثين سنة.

 

الأحمق إنسان لا يدخل الله في حساباته :

 أيها الأخوة الكرام؛ يجب أن تدخل الله في حساباتك، وإن لم تدخله الله وكيلك لو معك دكتوراه بالفيزياء النووية، إذا لم تدخل الله بحساباتك لست عاقلاً، يوجد ذكي ويوجد عاقل، وما كل ذكي بعاقل، تجمع أموالاً طائلة، تصل إلى منصب رفيع جداً ممكن، إنسان مسؤول كبير يملك خمسين سيارة، ثم يموت، يا أخوان التفكر في مقتبل الحياة تشكل بمقتضاه حياتك تشكيلاً صحيحاً، تشكلياً إسلامياً، قال تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر : 92-93]

 ما من قطرة دم تراق في الأرض من آدم إلى يوم القيامة إلا ويتحملها إنسان يوم القيامة، إلا دم مقتول بحد، يتحملها الله، إنسان قاتل فقتلناه بالسيف فسال دمه في الأرض، هذا الدم المقتول بحدّ يتحمله الله، وما سوى ذلك لا يمكن ألا يتحمل هذا الدم إنسان، فأنت كلما أدخلت الله في حساباتك تكون عاقلاً وفهيماً وموفقاً وناجحاً، وكلما أغفلت الله من حساباتك الله كبير في أصعب وقت يأتي العقاب الإلهي.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018