الدرس : 195 - الإنسان جُبِلَ على حبّ وسلامة وكمال واستمرار وجودهِ. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 195 - الإنسان جُبِلَ على حبّ وسلامة وكمال واستمرار وجودهِ.


2015-07-25

 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

حرص الإنسان على سلامة و كمال و استمرار وجوده :

 أيها الأخوة الكرام؛ الإنسان أي إنسان في شتى بقاع الأرض، وفي كل العصور والأزمنة، الإنسان جبل على حبّ وجوده، وعلى سلامة وجوده، وعلى كمال وجوده، وعلى استمرار وجوده، هذه القاعدة مطبقة على سبعة مليارات ومئتي مليون إنسان، لا يوجد إنسان يحب القهر أو الفقر أو السجن، سلامة وجوده ألا يكون عنده مرض خبيث، ولا فقر مدقع، ولا مصيبة كبيرة، سلامة وجوده وكمال وجوده أن يكون معه مال، بيته واسع، زوجته تروق له، أولاده أبرار، واستمرار وجوده يتمنى أن يعيش مئة وثلاثين سنة، يحب سلامة الوجود، وكمال الوجود، واستمرار الوجود، وهذه الثلاثة تتحقق بأكملها بالدين، من خلال تطبيق الأمر والنهي.
 فلذلك ما قرأت بحياتي تعريفاً للإنسان جامعاً مانعاً مختصراً حكيماً كتعريف الإمام الجليل الحسن البصري: " الإنسان هو بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ".
 أنت زمن لأنك زمن - هذا الكلام القاطع - أنت بضعة أيام، مثلاً شخص منا له عند الله ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر وثلاثة أسابيع وأربعة أيام وخمس ساعات وثماني دقائق وسبع ثوان، إذا نظر للساعة حركة عقرب الثواني، كل حركة النهاية ثابتة وأنت متحرك، تركب قطاراً، المحطة الأخيرة ثابتة، فكل ثانية وأنت في القطار اقتربت من النهاية، إذاً أنت بضعة أيام هذا التعريف الجامع المانع، أنت زمن، ولأنك زمن الله أقسم لك بالزمن، قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ﴾

[ سورة العصر: 1 ]

 جواب القسم، أنت خاسر، هذه الآية سورة العصر شيء مخيف، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 2]

 إله، جواب القسم أنت خاسر، لماذا أنا خاسر يا رب؟ لأن مضي الزمن وحده يستهلكك، قبل أن تكون مؤمناً غير مؤمن، قبل أن تقول: عملي صالح أو غير صالح، قبل هذه المقاييس أنت زمن، و مضي الزمن وحده يستهلكك، أنا أقف في الشام أمام سوق الحميدية أقول: كل خمسين سنة يوجد طقم جديد، يموت الأب يختلف الأولاد يبيعون المحل، والأبنية الآن كلها جميلة، يموت الأب هناك ورثة يختلفون ويبيعون البيت، إذاً أنت زمن، ومضي الزمن وحده يستهلكك، أنت خاسر قال تعالى:

﴿ وَالعَصرِ* إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ* إِلَّا الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوا بِالحَقِّ وَتَواصَوا بِالصَّبرِ ﴾

[سورة العصر: ١-٣]

 سماها الإمام الشافعي: أركان النجاة، النجاة أن تتعرف إلى الله واحد، أن تتحرك وفق منهجه اثنان، أن تدعو إليه ثلاثة، أن تصبر على معرفته، وطاعته، والدعوة إليه، هذه السورة جامعة مانعة لو أن المسلمين تدبروها لكفتهم، بل لو لم يكن في القرآن الكريم إلا هذه السورة لكفت.

 

تعريف الغرور :

 أيها الأخوة الكرام؛ إذاً أين الخطر؟ بالأمل، الموت يأتي بغتةً، والقبر صندوق العمل، ما من ميت إلا ووجد بدفاتره جدول أعمال لم ينته بعد، أبداً لا يوجد ميت يموت إلا في دفاتره الخاصة قائمة أعمال لم ينجزها، فالموت يأتي بغتةً، والقبر صندوق العمل.
 أيها الأخوة الكرام، الآية الدقيقة في هذه المناسبة، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

[سورة فاطر: 5]

 ما هو الغرور؟ أن ترى الشيء بحجم أكبر من حجمه، هذا الغرور.
 يوجد عندي طرفة؛ أحد محلات سوق الحميدية بدمشق محل ضخم جداً فيه موظف يحب الدعابة، ينظف المحل، يضع القمامة بعلبة فخمة جداً، يلفها بورق هدايا، ويضع شريطة وعقدة، ويضعها على طرف الرصيف، يأتي إنسان يجد علبة حتماً فيها ألماس، الهيئة أنه غال جداً، يحملها ويسرع، يلحق به بعد مئة متر يفك الشريطة، بعد مئة ثانية ينزع الورق المغلف، بعد مئة ثالثة يفتح العلبة يجد قمامة المحل، ألم تر كيف أن هذه المفاجأة صعبة جداً؟ أقسم لكم بالله عند الموت ترى الدنيا لا شيء.
 النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بقبر، فقال:

(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم))

[ ابن المبارك عن أبي هريرة ]

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :

 نحن أحياء الآن تستطيع أن تصلي، تستطيع أن تقرأ القرآن، تستطيع أن تعمل عملاً صالحاً، تصل رحمك، كلها بين يديك، يأتي الموت انتهى كل شيء، لذلك أكفر كفار الأرض، حينما غرق فرعون قال كما ورد في القرآن:

﴿ قالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذي آمَنَت بِهِ بَنو إِسرائيلَ ﴾

[سورة يونس: ٩٠]

 فأنت خيارك مع الإيمان خيار وقت ليس خيار رفض، أنت ترفض مليون شيء، هذا البيت ما أعجبك لا تشتريه، هذه الفتاة أخلاقها ما أعجبتك لا تتزوجها، تملك مليون رفض إلا مع الإيمان خيار وقت فقط، إما أن تؤمن بالوقت المناسب أو أنه لا بد من أن تؤمن بعد فوات الأوان، قال تعالى:

﴿ يَومَ يَأتي بَعضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفسًا إيمانُها لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أَو كَسَبَت في إيمانِها خَيرًا﴾

[سورة الأنعام: ١٥٨]

الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل :

 الآن أيها الأخوة الكرام؛ الشيطان يوسوس لنا بالكفر، فإن رأى الإنسان على إيمان وسوس له بالشرك، فإن رآه على توحيد وسوس له بالكبائر، فإن رآه على طاعة وسوس له بالصغائر، فإن رآه على ورع وسوس له بالصغائر، فإن رآه على ورع وسوس له بالتحريش بين المؤمنين، أنت من شيخك؟ شيخك لا يفهم شيئاً، تعال لعندنا، فإن لم يستطع بقي مع الشيطان، آخر ورقة المباحات، التوسع بالمباحات، أعرف شخصاً في أحد أحياء دمشق المطلة على المدينة كلها، بشمال دمشق، اشترى بيتاً بالطابق الثاني عشر، البيت على المفتاح جاهز، كسر البلاط لأنه لم يعجبه، أرجع البيت على الهيكل، كلف مبالغ فلكية بين بلاط ودهان ونوافذ، أرجعه على الهيكل، بدأ يكسو على مهل، خلال سنتين حتى صار من أندر البيوت في دمشق، بعد أربعة أيام من نهاية الكسوة وافته المنية، هذه الدنيا، الموت يأتي بغتةً، والقبر صندوق العمل.

الأحمق من لا يدخل الآخرة في حساباته :

 أيها الأخوة الكرام؛ عندما تدخل الموت في حسابك تكون عاقلاً، وإن لم تدخله في حسابك، أنا كنت في الغرب في أمريكا العالم الغربي يعيش لحظته، موت آخرة جنة نار قبر برزخ كلها غير داخلة في حساباته، همه الرفاه، يعيش لحظته وهمه الرفاه.
 هل أدخلت القبر في حسابك؟ يوجد حساب و مسؤولية، لعل الله يسألني، لذلك مادام بنو البشر من جنس واحد أي إنسان ملحد، غير ملحد، مسلم، مسيحي، يهودي، أي إنسان حريص على سلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده هذه قواسم مشتركة لكل بني البشر، من أين يأتي الشقاء؟ اسمع القرآن الكريم:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك الآية : 10]

 الأزمة أزمة علم فقط، البشر كلهم من جنس واحد، من بنية واحدة، من خصائص واحدة، من قوانين واحدة، لكن الخلاف بالرؤية، هذا السارق ماذا رأى؟ رأى أن السرقة تجلب له مالاً كثيراً بجهد قليل، لكن ما أدخل في حسابه أن يلقى القبض عليه ويودع في السجن هذه لم تدخل في حسابه، أنا أذكر أحد أخواني بالجامع يعمل في قلعة دمشق، قلعة دمشق مكان الإعدامات، فحينما يحكم على الإنسان بالشنق كان قد حضر شنق إنسان، بعدما وضع الحبل في رقبته، قال: أنا الآن سوف أشنق لأني قتلت إنساناً، هذا الإنسان أنا لم أقتله، لكني قتلت إنساناً منذ ثلاثين سنة، ولم أحاسب عليه، عندما تؤمن بالله تلتزم، هذه بعد ثلاثين سنة جاء الجواب.
 وحدثني قاض عن بيت بأرقى أحياء دمشق، بعدما مات صاحب البيت، جاء إنسان أبرز عقد شراء للبيت منذ عشر سنوات، عقد رسمي مصدق، والأب لم يقل أنه باع البيت، والقاضي لا يوجد عنده إلا اليمين الحاسمة، فدعاه إلى حلف اليمين الحاسمة، لأنه لا يملك غيرها، وضع هذا الشخص يده على القرآن وحلف أنه اشترى البيت، كان يمسك الطاولة ورفع يده و لم ينزلها، قال له: أنزل يدك، كان ميتاً، أول قصة منذ ثلاثين سنة، والثانية فوراً، انظر إلى الآية:

﴿ فَسيروا فِي الأَرضِ فَانظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ ﴾

[سورة آل عمران: ١٣٧]

 الفاء تفيد الترتيب على التتابع، دخل الوزراء فالأمراء وراء بعضهم، أما دخل الوزراء ثم الأمراء بعد ساعة، الفاء تفيد الترتيب على التعقيب، ثم الترتيب على التراخي، قد يأتي العقاب فوراً، حلف يميناً كاذبا، رفع يده ولم ينزلها كان منتهياً، والثاني قبل ثلاثين سنة قتل إنساناً، أنت يجب أن تؤمن أن قدرة الله تطولك، وعلمه يطولك، أبسط حالة راكب سيارتك والإشارة حمراء، وهناك شرطي واقف، أو يوجد كاميرات الآن، لأن واضع القانون علمه يطولك وقدرته تطولك، لا يمكنك أن تتجاوزه، اسمع القرآن الكريم:

﴿ اللَّهُ الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمرُ بَينَهُنَّ لِتَعلَموا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَد أَحاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا ﴾

[ سورة الطلاق: ١٢]

 اختار من أسمائه اسمين، العلم والقدرة، أي علمه يطولك وقدرته تطولك، فأنت أي عمل تفعله علم الله يطولك وقدرته تطولك.
 أيها الأخوة الكرام؛ الشيء الذي أتمنى أن يكون واضحاً جداً هو أن الشيطان يوسوس بالكفر، وجدك على إيمان وسوس لك بالشرك، وجدك على التوحيد وسوس لك بالكبيرة، وجدك على طاعة وسوس لك بالصغيرة، وجدك على ورع وسوس لك بالتحريش بين المؤمنين، وجدك بعيداً عن هذا الجو وسوس لك بالمباحات، لا يوجد شيء حرام لكن هناك جهود جبارة للرفاه، الموت يأتي بغتةً، والقبر صندوق العمل، جعلنا الله من الذي عرفوا حقيقة الحياة الدنيا.

 

الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :

 آخر نقطة بهذا اللقاء الطيب، مرة كنت في أمريكا ودعاني أخ لزيارة معمل جنرال موتورز، زرته سبع ساعات، شاهدت سيارة كاديلك منذ أن كانت صفيحة وجنبين وسقف، حتى شغلتها بيدي، طبعاً ليس نفس السيارة، طول الطريق ثلاثون ميلاً، تتبعت كل شيء حتى وصلت إلى آخر مرحلة، مرحلة مرحلة، قال لي الدليل: هذه السيارة فيها ثلاثمئة ألف قطعة، أما أنا كراكب سيارة، ماذا في السيارة؟ فيها غلاف معدني، ومقاعد، ومحرك، وعجلات، وبنزين، وسائق، أنا من ثلاثمئة إلى ستة بالنسبة لي أما المعمل فدقيق جداً.
 أنا الآن أقول: إن هذا الدين واسع، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، لو أحببت أن أضغطه يكون عقيدة، استقامة، عمل صالح، صلاة، هذه يسمونها كتلاً كبرى، عقيدة، إن صحت عقيدتك صح عملك، الآن الاستقامة ما لم تستقم على أمر الله لن تقطف من ثمار الدين شيئاً، دين من دون استقامة فولكلور، تراث، خلفية إسلامية، أرضية إسلامية، نشاط إسلامي، قوس إسلامي، بطاقة معايدة إسلامية، الإسلام شيء آخر، الإسلام يبدأ من فراش الزوجية، وينتهي بالعلاقات الدولية، الإسلام قريب من خمسين ألف بند، كيف ضغط على خمسة أمور صوم وحج وزكاة وصلاة؟ هذه العبادة الشعائرية أما العبادة التعاملية فسيدنا جعفر رضي الله عنه حينما سأله النجاشي عن الإسلام، فقال:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لتوحيده، ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء))

[ ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

العبادات الشعائرية لا تقطف ثمارها إلا إذا اقترنت بالعبادة التعاملية :

 آخر شيء بهذا اللقاء؛ العبادات الشعائرية لا تصح ولا تقطف ثمارها إلا إذا اقترنت بالعبادة التعاملية:

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))

[الجامع الصغير عن أنس]

 ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله. القضية بين أيديكم و الحقيقة المرة أهون ألف مرة من الوهم المريح، الإنسان بعد رمضان يعمل برنامجاً لوحده، برنامج تلاوة قرآن يومياً، برنامج ذكر، عمل صالح يومي، ويكتب على دفتره: أنا اليوم يجب أن أعمل عملاً صالحاً، يعمل مذكرة، الهاتف ممكن، الانترنيت ممكن، بأي شيء امش بخطة، لعل الله عز وجل يرحمنا جميعاً وكل عام وأنتم بخير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018