الدرس : 194 - ليس هناك وسيط بين العبد و ربه - قال تعالى - ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 194 - ليس هناك وسيط بين العبد و ربه - قال تعالى - ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾.


2015-07-16

انعدام الوسيط بين العبد و ربه :

 أيها الأخوة الكرام؛ من الآيات التي قرئت في صلاة الفجر، قال تعالى:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 186]

 لو بحثت في القرآن الكريم عن فعل سأل ويسأل، لوجدت أن هناك أكثر من خمس عشرة آية، قال تعالى:

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة البقرة : 219]

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾

[ سورة البقرة : 219]

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ﴾

[ سورة البقرة : 220 ]

 أكثر من خمس عشرة آية في القرآن الكريم فيها فعل يسألونك، والجواب: قل، إلا هذه الآية التي قرئت في صلاة الفجر، قال تعالى:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾

[ سورة البقرة : 186]

 لا يوجد قل، استنبط بعض علماء التفسير أنه ليس هناك وسيط بين العبد وربه، أي الإنسان إذا قال: يا رب، كأن الله يلقي في روعه لبيك يا عبدي، إذا قال الإنسان: يا رب لقد تبت إليك، يلقى في روعه وأنا قد قبلت، لأن الله عز وجل ينتظرنا، ورد في الأثر القدسي:

(( لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إليّ، هذه إرادتي بالمعرضين فكيف بالمقبلين؟ ))

[ورد في الأثر]

الله عز وجل خلق الإنسان ليسعده :

 لا بد من أن تشعر أن الله يحبك، وأن الله خلقك ليسعدك، والدليل القرآني:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

[ سورة هود :119]

 خلقنا ليسعدنا، خلقنا لجنتين، جنة في الأرض وجنة في الآخرة، قال تعالى:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن : 46]

 يقول ابن تيمية: في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، إنها جنة القرب. وحينما قال الله عز وجل:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد : 6]

 ذاقوا طعمها في الدنيا، وحينما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: أبو بكر في الجنة، بعضهم فسر هذا النص هو الآن في الجنة، هذه الجنة في الدنيا هي جنة القرب، لذلك:

كن عن همومك معرضاً  وكــــِل الأمور إلى القضــا
وأبشــر بخير عاجــــــــــل  تنسى به ما قـد مضــــــى
فلــرب أمر مسـخــــــــــط  لك فـــي عــواقبه رضــــــى
* * *
ولـربما ضاق المضيـــق  ولربمـــــــــا اتسع الفضــــا
الله يفعــــــــــــل ما يشاء  فلا تكــــن معترضــــــــــــــــا
الله عودك الـــجميــــــــــل  فقس على ما قد مضــى
* * *

شروط قبول العمل الصالح :

 أيها الأخوة الكرام، علاقتك مع الله ليست علاقة طارئة، ولا مؤقتة، ولا قصيرة، علاقة حياة إذا تعاملت مع الله بطاعة وإخلاص، لأن الآية تقول من أدعية القرآن الكريم:

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

[سورة النمل : 19 ]

 ربط العمل الصالح أن الله يرضاه.
 سؤال: متى يرضى الله عن العمل الصالح؟ قال العلماء: بشرطين، ما كان خالصاً وصواباً؛ وكلاهما شرط لازم غير كاف، صواباً أي ما وافق السنة، مثلاً يانصيب خيري، عمل خيري والأرباح للفقراء، لكن ما وافق السنة، يجب أن يكون خالصاً وصواباً، فسر ابن القيم معنى قوله تعالى:

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ﴾

 خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، وكلا الشرطين شرط لازم غير كاف، لو كان صواباً ولم يبتغ به العبد وجه الله، هذا العمل مرفوض، ولو كان خالصاً لله لكن بخلاف منهج الله مرفوض، فالعمل الصالح لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً، بل إن علة وجودك في الدنيا العمل الصالح، ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار أن العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً تبتغي به وجه الله، وصواباً.
 الآن العمل الصالح أحياناً الإنسان بحالات قليلة يضع وردة على صدره، العمل الصالح ليس وردة تضعها على صدرك، العمل الصالح نشاط يومي، كاستنشاق الهواء، لأنك أنت علة وجودك في الدنيا العمل الصالح، ليس لك عمل آخر، ليس لك سبب آخر، كأن تقول: هذا الطالب في الجامعة، علة وجوده الدراسة، ممكن أن يأخذ شطيرة يأكلها، ممكن أن يجلس بحديقة الجامعة، ممكن أن يدخل للمكتبة يتصفح كتب، هذا كله ممكن، لكن سبب وجوده في الجامعة الدراسة، أنا عندما أتقن العمل الصالح من عمل أفعله أو لا أفعله، من عمل أفعله من حين لآخر، من عمل أفعله إذا طلب مني ذلك، هذه حالة، وأنت كمؤمن تعرف سرّ وجودك، وغاية وجودك، العمل الصالح علة وجودك في الدنيا، تبحث عنه كل يوم، والأعمال الصالحة واسعة بشكل مذهل، قالوا: الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق.

 

العمل الصالح علة وجود الإنسان في الدنيا :

 الكلمة الطيبة صدقة، الابتسامة صدقة، أن تأخذ بيد السائل لما يريد صدقة، أن تعطي مما أعطاك الله صدقة، قال تعالى:

﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 3]

 قد يكون لك جاه عند المدير العام، هو صديقك الحميم، وهناك إنسان له عنده قضية ومحقة وليست ظالمة، هو لا يستطيع أن يقابله، صعب جداً، أنت عندما تقدم جاهك لهذا المظلوم هذا عمل صالح، عندما تفهم سرّ وجودك وغاية وجودك هذا العمل صالح، والعمل الصالح واسع جداً، يبدأ من إصغاء الإناء للهرة وينتهي بأكبر الأعمال الصالحة الجهاد في سبيل الله، يبدأ العمل الصالح من إطعام هرة وينتهي بالجهاد في سبيل الله، هذه يسمونها: أيديولوجيا، أنت عندما تعرف لماذا أنت في الدنيا؟ طبعاً الطالب الجامعي يعرف لماذا هو في الجامعة، ينتظر الاختصاص، عقب الاختصاص هناك تعيين في وظيفة، و دخل، و استئجار بيت، و زواج، يبني آمالاً على الاختصاص، أنت عندما يكون هدفك العمل الصالح في الدنيا تكون حركتك من نوع آخر، معظم المؤمنين إذا طلب منه عمل يفعله، فأنت بين إذا طلب منك عمل أن تفعله وبين أن تستيقظ صباحاً وفي صلاة الفجر: اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، فأنت علة وجودك في الدنيا العمل الصالح.
 عندما تدخل هذا الموضوع في حسابك اليومي، هناك أشياء تدخلها في حسابك الأسبوعي أحياناً، أحياناً الشهري، أحياناً نصف السنوي، وأحياناً السنوي، لك قريب يسكن في طرف المدينة الآخر، لا يوجد علاقات يومية بينك وبينه، بالعيد تزوره، لكن هناك إنساناً هو شريكك في العمل، يوجد لقاءات يومية، فأنت عندما يكون العمل الصالح داخلاً في برنامجك اليومي، فكل يوم تفكر في عمل صالح تتقرب به إلى الله، وقد أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في صلاة الفجر: " أحسن وقوفنا بين يديك، هب لنا عملاً صالحاً يرضيك".

 

الدعوة إلى الله نوعان :

 العمل الصالح يبدأ بكلمة، قد يكون أعظم عمل صالح الدعوة إلى الله، دخلنا في موضوع جديد، الدعوة إلى الله نوعان؛ دعوة إلى الله كفرض عين على كل واحد منكم ولا يستثنى واحد، ما دليلها من القرآن الكريم؟

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف: 108]

 فأنت إن لم تكن متبعاً لرسول الله، إن لم يكن لك دعوة لست متبعاً النبي صلى الله عليه وسلم، شيء مخيف، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 31 ]

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف: 108]

 معنى ذلك الذي يتبع النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله على بصيرة، هذه الدعوة كفرض عين، في حدود ما تعلم ومع من تعرف. هذه كفرض عين أما فرض الكفاية فهذه للمتفرغين، الذين تفرغوا للدعوة إلى الله، يحتاجون إلى تعمق، وتبحر، وتبصر، وأن يأتوا بالأدلة الدقيقة على كل شيء.
 يوجد دعوة هي فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، أنت لو فرضنا كلما حضرت درس علم أخذت لقطة منه- نص، شرح آية، قصة- ممكن أن يكون عندك دفتر في جيبك، جاء العيد زرت أختك في العيد، الأخبار ماذا في الجريدة مثلاً، هذه الموضوعات مملة ولا يخرج منها إطلاقاً، حاول كلما التقيت مع احد في بيت ما أن توصل له شيئاً مما سمعت، هذه الدعوة إلى الله فرض عين دليلها:

(( بلغوا عني ولو آية ))

[ البخاري والترمذي عن ابن عمرو ]

 الدليل الثاني، قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر الآيات : 1-3 ]

 هذا دليل ثان، فهناك أدلة كثيرة على أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، في حدود ما تعلم ومع من تعرف، أما الدعوة إلى الله كفرض كفاية فتحتاج إلى تعمق وتبحر وتفرغ، هؤلاء العلماء الكبار الذين تفرغوا إلى الدعوة إلى الله، أنت مسلم مكلف أن تدعو إلى الله في حدود ما تعلم ومع من تعرف، فدائماً أينما ذهبت:

(( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع : خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة ))

[ زيادات رزين عن أبي هريرة]

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018